المنبر الحر | أعياد ميلاد سعيدة


سألني أحد القراء الظرفاء يوما لماذا تبارك في مباركتك السنوية أعياد الميلاد ولا تقتصر كما نفعل نحن بمباركة السنة الميلادية وحدها دون النص على كلمة أعياد؟ فعلا كان السؤال وجيها؛ فعندما نتمنى سنة ميلادية سعيدة وتصادف مباركتنا اليوم الأول من السنة الجديدة أو الأخير من السنة الفارطة، فكأننا نختزل المناسبة في أربع وعشرين ساعة شأنها شأن باقي المناسبات، لكنها في الحقيقة، وطبقا لتاريخها وعادات شعوبها وأسباب نزولها، هي أعياد السنة الميلادية تمتد بتركز حول عيد الميلاد في 25 دجنبر (للمسيحية الغربية) أو 7 يناير (للكنائس الشرقية)، ورأس السنة الميلادية في 1 يناير، وهو اليوم الأول من العام الجديد في التقويم الغريغوري، وتشمل الاحتفالات ليالي الأعياد مثل عشية الميلاد في 24 دجنبر وليلة رأس السنة في 31 دجنبر، ثم يبدأ موسم احتفالات بالرمزية والطقوس؛ ففي القرن الرابع عشر، كانت أشجار الميلاد مزينة بالتفاح والحلويات والزهور، وكان البروتستانت هم من قرروا سنة 1560 إضافة نجمة إلى قمة الشجرة حتى يؤكدوا اختلافهم عن الكاثوليك.
وجعلوا من هذه الشجرة رمزا لأعياد الميلاد التي تمتد طوال الأسبوع الأخير من دجنبر من كل سنة، وهو ما يتوافق مع فصل الشتاء، لأن شجرة الصنوبر (التنوب) دائمة الخضرة، فإنها ترمز – عند المسيحيين – إلى الحيوية والحياة المتجددة.
والحقيقة، أن الأعياد التي بدأت منذ مدة في بلادنا، لها طعم خاص هذه السنة؛ طعم هذا الجو الذي آذن بانتهاء سنوات الجفاف العجاف وبعث الأمل في نفوس شعب يتنفس الخضرة والطبيعة الخلابة التي لا تذبل ويسقى من ماء السماء ويقوم اقتصاده وحياته على جزء كبير من الماء.
أما موضوع هدايا رأس السنة فهو ذو شجون؛ فهو متشابك بين التقاليد المسيحية القديمة، خاصة قصة المجوس الثلاثة الذين قدموا هدايا للطفل يسوع، ولذلك يتسابق الجميع على تقديم الهدايا للصغار، وسرعان ما انتقل هذا العرف إلى الكبار وأصبحت واجهات محلات بيع الحلويات والشكولاتة والعطور والخمور وحتى الملابس ومحلات المجوهرات النفيسة، مقصدا للمحبين والمحبات والعاشقين والعاشقات لتبادل الهدايا كل حسب قدره، تحت الظلال المصطنعة لشجرة الميلاد التي أدخلتها الملكة ماري ليزينسكا في فرنسا، وتبناها الشعب في بريطانيا وأمريكا، لتصبح جزء من احتفالات العام الجديد مع دمجها بطقوس وثنية قديمة وتحولها لعادة عالمية تعبر عن الأمل والتواصل.
ورغم أن بعض الفتاوى الإسلامية، وإن كانت ضعيفة، تحذر من المشاركة الكاملة في هذه الاحتفالات لكونها مرتبطة بأصول دينية غير إسلامية، إلا أن الأزهر الشريف حسم في أن هذه المشاركة جائزة للمسلمين ولا ضير في مشاركة المسيحيين فيها للتعبير عن قيم التسامح بين الأديان والأعراق.
وقد تلقى كاتب هذه الكلمات هدايا من نوع خاص هذه السنة، ومنها عندما هاتفني بالأمس الشاعر والكاتب الصديق العزيز صلاح الوديع، في هذا الجو البارد وطلب مني استقباله في باب المنزل، واشترط علي بحكم غير قابل للاستئناف والنقض ودون محاكمة عادلة، أن لا يدخل المنزل لكونه متبوع بأغراض لا يتسع لها يومه، وهو يعلم أن أحاديث الشعر والأدب والموسيقى تطول بيننا عادة، ورغم إلحاحي بتمتيعي بحقي في الدفاع، آثر أن يهديني كتاب سيرته الذاتية “ميموزا” وأهديه روايتي “الصخرة” ومحرك سيارته مشتعل تحت ظلال ميموزا الوارفة، وهي رمز للممر الأخضر الذي استحضر به روح والدته المرحومة ثريا السقاط واستحضرت به أنا كذلك روح زميلتي أخته المرحومة آسية الوديع، التي بعد أداء ابنها الأستاذ يوسف اليمين لممارسة المهنة، اصطحبته إلى مكتبي مرددة: “إني أريد أن يكون مثلك”، فأجبتها” “سيكون أحسن مني إن شاء الله”.
ولما أشعرت الأستاذ صلاح بأن حقوق الدفاع والمطالبة بالدخول إلى المنزل في هذا الشتاء القارس، تكاد تكون مهضومة من طرف مناضل معروف في مجال حقوق الإنسان، وبأن عضوا سابقا في النيابة العامة ومحاميا يسجل ذلك في أعياد الميلاد، كاد أن يستلقي على ظهره من شدة الضحك بابتسامته المعهودة وهو القائل بأن الكتابة هي محاولة لامتلاك العالم، وبذلك ستكون هديته من أجمل الهدايا التي سوف أستمتع بها إن شاء الله في هذه الأعياد رفقة أكبر الهدايا التي يمكن للإنسان أن يحلم بها وهي حب الناس جميعا.
فأعياد ميلاد سعيدة مليئة بأجمل وأعظم الهدايا التي هي الحب.



