ربورتاج | المعطلون بين جحيم الحياة واستغلال لوبي الخواص وعراقيل الحكومة

تعيش شريحة كبيرة من حاملي الشهادات الجامعية المعطلين، ظروفا اجتماعية صعبة في مواجهة تكاليف الحياة، والبحث عن المستقبل المفقود والوظيفة العمومية في ظل حكومة الباطرونا، التي تفكر في مصالح المدارس الخاصة على حساب استقرار ومستقبل الشباب الذين حرمتهم الظروف الاجتماعية من إكمال الدراسة في سن مبكرة أو الحصول على وظيفة قارة.
الرباط – الأسبوع
عاد المعطلون من جديد لتنظيم وقفات احتجاجية في العديد من المدن للمطالبة بالتوظيف والإدماج في الشغل مثل ما كان حاصلا في عهد حكومة عباس الفاسي، خاصة وأن من بينهم من يحمل شواهد عليا في الفيزياء، والرياضيات، والكيمياء، والبيولوجيا، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.. لكنهم يصطدمون بأبواب مغلقة وآفاق مظلمة في عهد الحكومة الحالية التي حرمت عشرات الآلاف من المشاركة في مباريات التوظيف بسبب تسقيف السن، الذي تعتبره العديد من المنظمات الحقوقية والتنسيقيات معيارا غير دستوري وغير قانوني، لكونه يحرم فئة واسعة من المثقفين والباحثين وخريجي الجامعات من الوظيفة أو الحق في الشغل.
في نفس السياق، يقول إبراهيم بنعيسى، عضو تنسيقية “الكرامة للمعطلين”: “نحن مجموعة من الطلبة الحاصلين على شواهد عليا، تم إقصاؤنا من اجتياز مباريات الوظيفة العمومية، وبشكل أخص مباراة التعليم التي تم تسقيفها منذ سنوات، الشيء الذي جعلنا نخرج للمطالبة بحقوقنا الدستورية والقانونية، وكذلك في إطار الحقوق والمضامين والاتفاقيات التي وقعت عليها الحكومات المغربية، عبر إدماج الشباب وتوفير مناصب الشغل لهم، لا سيما وأنه في مختلف البلدان الأخرى التي تحدد سقف الأعمار في 55 سنة، ونجد أن الحكومة وقعت على هاته الاتفاقيات لكن لا تلتزم بها، وهناك تناقض من خلال عدم تنفيذها، معتبرا أن الشباب حاملي الشهادات لهم خبرة متراكمة من خلال شواهد الماستر والدكتوراه التي تخول لهم المساهمة في تعليم جيد، ويكون لنا تعليم في المستوى، وهذا ما جعل شباب تنسيقية الكرامة يخرجون للشارع للمطالبة بالحقوق الدستورية خاصة وأن الفصل 31 ينص على أنه لكل مواطن الحق في الشغل بدون قيد أو شرط”.
وأضاف نفس المتحدث: “تقدمنا بعدة مراسلات لعدة وزارات، قمنا بمراسلة الكاتب العام السابق والوزير، لكننا فوجئنا بآذان صماء بدون تجاوب، وواصلنا المسار النضالي، ثم تدخلت وزارة الداخلية وأحالت ملفنا على الوزارة الوصية لتدارس الملف، خصوصا وأنه لمدة 7 أشهر لم يكن هناك تجاوب مع مطالبنا، وسابقا قمنا بمراسلة مؤسسة الوسيط وهيئة تحالف الشباب، ولم نتلق أي إجابة، معتبرة أن الصلاحية تبقى من اختصاص الوزارة التي تعتمد بعض الشروط رغم أنها غير موضوعية ومخالفة للدستور ولقانون الوظيفة العمومية الذي يحدد السن في 45 سنة، وهذا هو المشكل الذي وقعت فيه الوزارة وما زالت مستمرة فيه”، مشيرا إلى أنه في سنة 2021، كانت هناك أزمة عالمية بسبب فيروس “كورونا” والكثير من العاطلين وفقدان الناس لمناصب الشغل، وجاءت هذه الحكومة بشعارات اجتماعية رنانة، لكن أول قرار كان هو إقصاء الشباب حاملي الشواهد الجامعية من اجتياز مباريات الوظيفة العمومية.
بدوره، صديق محمد، واحد من الشباب المعطلين حاملي الشهادات، حاصل على الإجازة تخصص رياضيات يقول: “حرمت من اجتياز مباراة التعليم لأن عمري أكثر من 35 سنة، والمفارقة أنني حرمت في سنة 2021 من اجتياز المباراة عندما كان عمري 30 سنة، وتم إقصائي من المشاركة في المباراة مع العلم أنه في مباراة التعليم يطلبون العدد ولا يقومون حتى بالانتقاء، بمعنى أن هذا الإقصاء ممنهج ومفروض علينا رغم النقص الكبير في أساتذة الرياضيات، وفي نفس الوقت يقولون أنهم ليسوا بحاجة إليهم، والهدف دفعنا إلى القطاع الخصوصي، لأن المدرسة العمومية لا تهمهم، حيث تم تكويننا وتأطيرنا للعمل في القطاع الخاص”، مشيرا إلى أن هناك حديثا يروج عن عرض من الوزارة إلى المتقاعدين للعودة للتدريس، لمن يريد منهم، بمعنى أن المسؤولين ليس لهم مشكل مع السن وإنما هناك هدف آخر يروم خدمة القطاع الخاص.
وأضاف المتحدث ذاته، أن المسؤولين عند تحديد السن في 30 سنة، يعتبرون أن الشباب فوق 35 سنة لا يتوفرون على الكفاءة، وهذا يدل على أن الوزارة والحكومة تفكر فقط في صندوق التقاعد الذي يتم التفكير في إصلاحه بممارسة الضغوط، وفرض القرارات على فئة الشباب عوض تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة لكل من تورط أو له ارتباط باختلالات مالية، مشيرا إلى أن المدارس الخاصة تقوم باستقبال حاملي الشهادات، لكن الإشكال يكمن في أن مجالها غير مهيكل ولا يضمن الاستقرار الاجتماعي والوظيفي، لذلك يطالب بالإدماج في الوظيفة العمومية قائلا: “هذه البطالة طالت صراحة وتؤثر علينا نفسيا وتحطمنا معنويا وتفرض علينا الفقر المدقع، لهذا نجد بعض الناس لقمة سائغة أمام أصحاب المال ويبيعون أصواتهم مقابل 200 و500 درهم بسبب الفقر، وآخرون يستغلون حاجتهم لشراء أصواتهم”.
من جهتها، سعاد حاصلة على ماستر في نظرية الآداب تخصص رياضيات، ترى أن “إقصاء حاملي الشهادات العليا بدأ في سن ثلاثين سنة في سنة 2021، مما حرمهم من المشاركة في أي مباريات لها علاقة بمجالهم، ثم بعد ذلك رفع السن إلى 35 سنة من قبل وزارة التعليم، مما زاد من إقصائهم وإجبارهم على البقاء في البطالة، بسبب القرارات التي كانت مجحفة في حقهم بعد رفع السن في كل مرة دون إتاحة الفرصة لهم للمشاركة مثل بقية الشباب في المباريات واعتماد الامتحان كمعيار للنجاح والانتقاء بدون شروط مقيدة”، مطالبة بالإدماج المباشر في التعليم كبديل لهذا الإقصاء وتمكين العاطلين الذين حرموا من اجتياز المباراة من الحصول على شغل قار يضمن لهم الكرامة والاستقرار.
وحسب نفس المتحدثة، فإن جميع المباريات مسقفة وتخصصاتنا غير مطلوبة في جل الوزارات، رغم أننا سهرنا الليالي وقضينا أياما وشهورا من أجل الحصول على هذه الشواهد عن جدارة واستحقاق، واليوم نحن عرضة للبطالة والأجر في القطاع الخاص هزيل لا يتعدى 1500 درهم، نشتغل في ظروف مزرية بدون كرامة ودون الحد الأدنى للأجر، وهناك من يستغل المعطل سنة كاملة في التدريب ويؤدي المهام ويدرس الأقسام مثل بقية الأساتذة، لهذا لا بد من رفع السن إلى 45 سنة وفق قانون الوظيفة العمومية، ويجب السماح للجميع باجتياز المباراة سواسية مثل علوم التربية وطلبة الإجازة الأساسية”.
أما منير رشيد، حاصل على الإجازة في الفيزياء، فيؤكد أن “تنسيقية المعطلين متمسكة بالإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية، سواء الذين تجاوزت أعمارهم 30 و35 أو الذين تجاوزوا 45 سنة، لأن الشغل حق يكفله الدستور المغربي، وبالتالي لا مفر من هذا الحق، الذي يستوجب من رئيس الحكومة والمسؤولين الحكوميين، أن يطبقوا القانون على الجميع، فأي طالب حاصل على الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه، من حقه الحصول على شغل قار لتأسيس أسرة”، مضيفا أن “القطاع الخاص لا يشغلنا بالوثائق ولا يعطينا ضمانات الشغل القار، يمكن أن تشتغل هذه السنة وفي السنة المقبلة يتم التخلي عنك، وهذا ما يجعل التعليم الخصوصي هو المستفيد، والوزير يقول أنه يريد التشاور مع القطاع الخاص قبل رفع السن إلى 45 سنة، فهل الخواص يتحكمون في التعليم العمومي في ظل تراجع المؤشر”.
وقال المتحدث ذاته: “نحن في تنسيقية الكرامة نناضل منذ 11 شهرا أمام البرلمان والوزارة الوصية، ونناشد الحكومة بالالتفاتة لهذه العطالة انطلاقا من تصريحات رئيسها الذي وعد بتوفير مليون منصب شغل ضمن البرنامج الانتخابي، ولكن على أرض الواقع لم يصلوا إليه، ولو تم تحقيق هذا الهدف، سنرى أشخاصا تجاوزوا خمسين سنة ربما يتم تشغيلهم وفق كوطا، وبالنسبة للحكومات السابقة، خاصة في عهد حزب الاستقلال والعدالة والتنمية، كانوا يوظفون الناس الذين تجاوز عمرهم 45 سنة أو المشاركة في المباريات، فلماذا لا تفكر الحكومة الحالية في ذلك؟ إذن، مليون منصب شغل يبقى على الأوراق فقط، وبالنسبة لـ 600 ألف منصب شغل، تبقى غير قارة مثل برنامج أوراش، ويعود الخريج للبطالة، أو العمل الموسمي في الضيعات الفلاحية مقابل 120 درهما، التي لا تضمن له الاستقرار”.
وتبقى فئة المعطلين من حاملي الشواهد الجامعية أكثر فئة في المجتمع تعيش التهميش على جميع المستويات، رغم أنها تعتبر قاعدة كبيرة للنخبة المثقفة والباحثين والأكاديميين والمحللين، لكن الحكومة والأحزاب التي تقودها أصبحت لا تعترف بدور حاملي الشهادات في بناء المجتمع، فهل تعيد النظر في سياستها التعليمية وتفتح آفاقا أمام هذه الفئة المقصية من أجل الوصول إلى الحق في العمل بناء على الكفاءة والتجربة والمساواة بين جميع الشباب دون تمييز ؟
وقد أبدت الشبكة الوطنية للحقوق الشغلية، تضامنها مع المعطلين من تنسيقية الكرامة، وما يتعرضون له من تضييق وانتهاكات خلال احتجاجاتهم السلمية، منذ 23 يناير الماضي، للمطالبة بحقهم في الشغل والعيش الكريم، بسبب الإقصاء غير المبرر من مباريات التوظيف العمومي وعلى رأسها مباريات التعليم.
ودعت الهيئة الوزارة الوصية والحكومة، إلى فتح حوار جاد ومسؤول مع المعطلين، ووضع حلول عملية ومنصفة بدل التمادي في سياسة التجاهل والإقصاء والهروب إلى الأمام، مجددة موقفها في الدفاع عن الحقوق الشغلية ورفض كل أشكال الهشاشة، معتبرة أن قضية حاملي الشهادات المعطلين هي معركة مفتوحة من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة.



