مع الحدث | القضية الوطنية وتحديات ما بعد قرار مجلس الأمن

قطع ملف الصحراء المغربية مرحلة حاسمة في سياق دولي وإقليمي يتسم بتحولات جيو-سياسية متسارعة، بعد مداولات مجلس الأمن الأخيرة التي أسفرت عن قرار جديد يؤكد السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية من خلال تزكية مقترح الحكم الذاتي، عبر القرار 2797 الذي يحدد معالم المرحلة المقبلة لملف الوحدة الترابية، وقد جاء قرار مجلس الأمن ليكرس هذا التحول العميق في مقاربة الملف المبني على المبادرة المغربية كأساس للمفاوضات المقبلة.
إعداد: خالد الغازي
وصلت قضية الصحراء إلى مرحلة جديدة بفضل المقاربة المغربية للملف والمجهودات الدبلوماسية على الصعيد الدولي والقاري والأوروبي، من أجل تقوية المقترح المغربي القاضي بمنح الصحراء حلا واضحا ومنصفا لجميع الأطراف يسمح بالتفاوض الواقعي، ويعطي لسكان الأقاليم الجنوبية الحق في تدبير شؤونهم وفق حل الحكم الذاتي.. فبعد هذا القرار تطرح تساؤلات حول الآفاق المستقبلية للمنطقة وتداعيات القرار على المرحلة المقبلة، والعلاقات المغربية الجزائرية والوساطة الأمريكية، والانقسام الحاصل في صفوف جبهة البوليساريو، بين الرغبة في الوصول إلى حل أو استمرار الوضع الحالي.

في هذا السياق، قال مصطفى الخلفي، الوزير السابق: إن القرار يشكل نهاية مرحلة وبداية أخرى في مسار حل النزاع المفتعل حول الصحراء، لأن المفاوضات المقبلة ستكون على أساس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بمشاركة الأطراف الأربعة: المغرب، الجزائر، جبهة البوليساريو، والأمم المتحدة ممثلة في مبعوثها الخاص، مشيرا إلى أن هناك تحولا ناتجا عن استراتيجية قام بها المغرب، وأمور كثيرة منها الحدود البحرية، والعودة للاتحاد الإفريقي، وتأمين معبر “الكركرات”، والدخول في المعبر الثاني بالسمارة شرق الجدار نحو موريتانيا بـ 93 كلم في إطار مشروع مبادرة الأطلسي، وتحقيق تفوق عسكري حاسم.
وأوضح الخلفي بصفته باحثا متخصصا في قضية الصحراء، خلال لقاء لمنتدى المتوسط للتبادل والحوار بالرباط، أن المغرب يوجد اليوم أمام امتحان جديد يتمثل في تقديم نسخة محدّثة من مقترح الحكم الذاتي تعكس جدية المملكة في مواصلة جهودها السياسية، مؤكدا أن النسخة المقبلة ستكون متقدمة ومؤطرة بمنطق لا غالب ولا مغلوب لجذب الأطراف الأخرى وفتح المجال أمام إمكانات التفاوض الموازي، وليس فقط التفاوض الرسمي، معتبرا أن التجارب الدولية أثبتت أن أي مشروع للحكم الذاتي لن ينجح إلا إذا كان واضحا ما الذي سيقدم للمنطقة اقتصاديا، مبرزا أن الحل لا يمكن تصوره في غياب مشروع مغاربي، وأنه من الضروري إحياء منطق اتفاق 1972 بين المغرب والجزائر حول التعاون الاقتصادي.
وواصل المتحدث ذاته بالقول أن مبادرة الحكم الذاتي جاءت وفق قانون واضح يسمى تقرير المصير الداخلي في إطار السيادة المغربية، وهذه توجد في القانون الدولي وهناك مرجعيات وصلاحية موسعة، وهناك ثلاثة تجارب دولية لحكم ذاتي حقيقي جوهري في كل من إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا، تقترب من مفهوم الدولة والجهات، أي الجهوية أو دولة الجهات، وهذا مفهوم يجمع بين الهويات المحلية مع الدولة وله ضمانات، حيث رئيس الدولة له الحق في حل البرلمان في حالة اللجوء إلى الانفصال، ولكن ما هو أساسي من التجارب، أن هناك ثلاثة أبعاد: تقاسم السلطة أو المشاركة فيها وأخذ جزء منها.
وقال مصطفى الخلفي، أن المغرب مطالب ببلورة نموذج مغربي للحكم الذاتي يستوعب ما ينبغي استيعابه، لأن التجارب الدولية تُظهر أنه لا يوجد نموذج يشبه الآخر وكل تجربة لها إشكالاتها، وهذه المبادرة تواجه ثلاث إشكاليات كبرى في تحديد مفهوم الحكم الذاتي، حيث ترتبط الإشكالية السياسية بطريقة تقاسم أو مشاركة السلطة، والإشكالية الاقتصادية، ثم البعد الثقافي، مشيرا إلى أن المملكة تتعامل مع واقع يتسم بوجود جبهة انفصالية مسلحة تمثل أحد التحديات الكبرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار في أي تصور مستقبلي، منبها إلى عدد من الإشكالات التي يفتحها القرار الأممي الجديد ولم يتم التطرق إليها بعد، من بينها علاقة الوحدويين بالانفصاليين، وموضوع الأحزاب الجهوية، ثم قضية عودة الساكنة وإحصاء سكان المخيمات، مبرزا أن عدم التنصيص على الإحصاء يمثل نقطة ضعف في القرار الأممي الأخير.

من جانبه، زكرياء أبو الذهب، محلل سياسي وأستاذ القانون الدولي، قال في نفس المنتدى، أن هناك ثلاثة محاور أساسية أعتبرها مصيرا استراتيجيا لمسار القضية الوطنية، من خلال انخراط مغربي حقيقي مكن من التوصل إلى هذه النتيجة عبر معارك دبلوماسية، وإيمان عميق بعدالة القضية كون الوحدة الترابية وقدسيتها من ثوابت المملكة كما نص على ذلك دستور 2011، مشيرا إلى تفاعل مهم للسياسة الخارجية والداخلية مع الأوضاع الدولية، مع تقوية الجبهة الداخلية عن طريق إحداث لجان حقوقية في فترة كانت فيها قرارات مجلس الأمن تذكر بضرورة التقيد باحترام حقوق الإنسان، وبعض المؤاخذات والتسييس من منظمات حقوقية، لكن المغرب بحنكته قام بدسترة تحول المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى مجلس وطني، ثم إحداث لجان جهوية، مما أعطى للمغرب قوة إضافية فيما يتعلق بالمرافعات حول قضية حقوق الإنسان.
وأوضح أبو الذهب، أن المغرب استطاع تجاوز مجموعة من الأمواج بنوع من التفاعل والاستباق، اعتمادا على جديته وعلى علاقاته مع شركائه، من خلال الزيارات التي قام بها الملك إلى روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وحصول المغرب على وضع متقدم كحليف استراتيجي للولايات المتحدة خارج حلف “الناتو”، وتفاعله من بعيد ومراقبته لجدلية القوى وكيف يصل إلى أهدافه بشكل قوي جدا، مبرزا أن المغرب قام بتطويع القانون الدولي، أي التعامل المرن مع مقتضياته دون التخلي عن المبادئ العامة له والمتمثلة في تحقيق الأمن والتنمية وحماية السلم والبيئة، وطور مدرسة خاصة في التعامل مع القانون الدولي تقوم على قراءة روحية وموضوعية للقانون.
واعتبر نفس المتحدث، أن القرار الأممي رقم 2797 له قيمة سياسية للمغرب، إذ يمكنه من الآن من المطالبة بمجموعة من الحقوق، من ضمنها مسألة التواجد غير الشرعي للجمهورية الوهمية داخل الاتحاد الإفريقي، حيث يمهد القرار لإعادة النظر في مواقف بعض الدول التي كانت تتبنى مواقف مبهمة، عن طريق العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والعسكري، وأن المغرب مدعو إلى مواصلة العمل الدبلوماسي لسحب الملف من اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتصحيح بعض القرارات القضائية ومعالجة الإشكالات على الصعيد القاري التي تتعلق بالجوانب القانونية والسياسية للملف، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستفرز تحديات جديدة ذات أبعاد قانونية وسياسية تستدعي معالجات دقيقة.
ويرى خبراء ومحللون، أن القرار الأممي الأخير يشكل أرضية وقاعدة للمغرب للمضي قدما في إعداد تصور واضح للحكم الذاتي وتفاصيله، والإطار العام الذي يمكن من خلاله طرحه في المفاوضات المقبلة، لكن هناك إشكاليات متعددة ترافق هذا المقترح، والتي يجب أن ينتبه إليها المغرب، خاصة على مستوى تقاسم السلط، ومسألة إحصاء المحتجزين في المخيمات التي لم يتضمنها القرار بالإضافة إلى تفكيك سلاح الجبهة، ثم العمل على استثمار القرار الأممي في مصلحة المملكة على مستوى الاتحاد الأوروبي وقراراته بخصوص الأقاليم الجنوبية، إلى جانب إنهاء وجود البوليساريو في الاتحاد الإفريقي وسحب الملف من اللجنة الرابعة الأممية بشكل نهائي.

في هذا الصدد، يقول بلال التليدي، أن القرار الأممي جاء في ثلاثة نقاط: “جاء لكي ينهي التوصيف الدولي للنزاع حول الصحراء، حيث كان التوصيف بأن الأقاليم الجنوبية توجد تحت السيطرة الإدارية وليس تحت السيادة المغربية، واليوم انتهى هذا التوصيف بالمطلق وأصبحت السيادة المغربية؛ والنقطة الثانية التي تحدث عنها الخطاب، هي السيادة الاقتصادية، ولا ننسى المشاغبات التي قامت بها عدد من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، بمعنى أن السيادة الاقتصادية تفتح بابا كبيرا لترتيب الأثر السياسي على مستوى المبادرة الدبلوماسية المغربية، لأن الوضع القانوني والسياسي للصحراء تغير بمقتضى القرار الأممي؛ ثم المسألة الثالثة في توصيف الملف، هو أنه أصبح لهذا النزاع إطار للتفاوض الذي هو الحكم الذاتي، وأصبحت المبادرة هي مبتدأ التفاوض ومنتهاه”.
وأوضح المتحدث ذاته، أن القرار الأممي 2797 يعد ثمرة لعمل الدبلوماسية المغربية وحسن قراءة المغرب للتحولات الدولية والإقليمية والأوضاع الاستراتيجية، كما أن الأخطاء القاتلة للجزائر هي التي جعلت المغرب يصل لهذه النتيجة في ظل التراجع الديمقراطي في العالم كله، والمسألة الثالثة في القرار، هي انخراط المغرب الجدي في العمل على تحيين مبادرة الحكم الذاتي وهذا شيء مهم، والجاهزية لتفصيل المقترح وطرحه للتفاوض، عكس الطرف الآخر الذي كان ينتقد المبادرة.
وتحدث التليدي عن موقف الجزائر من الملف والتي استثمرت فيه ملايير الدولارات خلال خمسين سنة، وصنعت سردية يتناقلها الجميع، وفي ظل هذا التحول الكبير، ستكون شرعية النظام محل مساءلة، لأنه حتى الذين يساندون النظام بدأوا ينتقدونه، والملك عرض الحوار على الجزائر كنافذة إغاثة لإنقاذه، لأن مبدأ المصالحة يحل الإشكاليات بين الأشقاء ويمكن أن تكون مصدر رتق لأزمة الشرعية أو انعدام الشرعية في الجزائر، لا سيما وأن الدولة تعرف الوضع الذي توجد فيه الجارة الشرقية التي تعيش عزلة قاتلة وغير مسبوقة.. حتى حلفاؤها فقدتهم بسبب السياسة النفطية وقضية ليبيا وقضية الساحل والصحراء.
وتطرق بلال التليدي لأهمية الحكم الذاتي والاختيار الديمقراطي الذي يعد شرطا ضروريا لتقديم التفاصيل وصلاحيات المؤسسات وعلاقة الإقليم بالمركز، وتأهيل الدولة كلها من خلال إصلاح دستوري وإداري وترابي، والأخذ بعين الاعتبار نص القرار الذي يتحدث عن الحكم الذاتي، منوها بتحول إطار ملف الصحراء على المستويين السياسي والاقتصادي، وإنهاء التداول في القضية في اللجنة الرابعة الأممية والاتحاد الإفريقي وعلاقتنا بالاتحاد الأوروبي، واستثمار هذه التحولات في مصلحة القضية الوطنية.

بدوره كشف المحلل السياسي إسماعيل حمودي، أن التفكير في الحكم الذاتي في الحالة المغربية يختلف جذريا عن النماذج الأوروبية، لأن تلك التجارب جاءت في إطار تطور داخلي يخضع للقانون المحلي، بينما ترتبط الحالة المغربية بقضية مدرجة ضمن اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، وتخضع لتدخلات متعددة من مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية.
ويرى حمودي أن مجلس الأمن سبق أن عالج قضايا دولية كثيرة مثل قضية الصحراء المغربية، في إطار الحكم الذاتي مع وضع شروط تقييدية تضمن سيادة هذه الدول التي عالج ملفاتها، معتبرا أن القرار الأممي الأخير يمكن أن يتضمن شروطا تقييدية في مصلحة المغرب، والتي تعتبر تحديا مهما يجب الاشتغال عليه لتحصين السيادة الوطنية والوحدة الترابية، مقدما المثال بقبرص، التي حسم مجلس الأمن سيادتها على كامل الأراضي القبرصية ضد الانفصاليين واعتبرها غير قابلة للتجاوز بعدما وضع القرار الأممي شروطا تقييدية تلغي مسألة تقرير المصير.
وأوضح نفس المتحدث، أن مجلس الأمن لديه ممارسات معاصرة يعرفها المغرب وسبق أن واكبها بطرح الحكم الذاتي منذ سنوات كخيار للتفاوض، والذي سيكون بمثابة سوط فوق رأس الجزائر التي ستجد نفسها مقيدة بقرارات المجلس، حيث أن التحدي المقبل هو العمل على جعل الشروط في مصلحة المغرب مستقبلا، مشيرا إلى أن المغرب مطالب بصياغة نسخة مغربية خاصة من الحكم الذاتي تراعي مقتضيات القانون الدولي وتستفيد من الممارسات المعاصرة لمجلس الأمن، خاصة وأن النزاع تأثر بتطور النظام من الثنائية القطبية إلى الأحادية، مما جعل الحلول السياسية التوافقية بديلا عن المواجهات العسكرية.



