المنبر الحر | المتعاقدون: المؤشر الذي يظهر ويختفي في مشروع قانون المالية 2026


من المفارقات التي أثارت انتباهي وأنا أتصفح التقرير المنجز حول الموارد البشرية ضمن وثائق مشروع قانون المالية 2026، التعاطي الحكومي مع فئة المتعاقدين بقطاع التربية الوطنية، والذي اتسم بالمراوغة والالتفاف، حيث تخفي المناصب المالية المخصصة لهذه الفئة تارة وتظهرها تارة أخرى، حيث تخفيهم عند الحديث عن العدد الإجمالي للمناصب المالية المحدثة ما بين سنة 2015 وسنة 2025، وتفيد بأنها بلغت ما مجموعه 275.743 منصبا ماليا، دون احتساب 175.000 منصب تم إحداثها ابتداء من سنة 2016 من أجل توظيف الأساتذة على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
وإذ تفيد بأن عدد موظفي الدولة المدنيين انتقل من 585.503 سنة 2015 إلى 576.062 سنة 2025، مسجلا بذلك انخفاضا إجماليا بنسبة 1.61 %، ترجع هذا الانخفاض الطفيف المسجل في عدد الموظفين المدنيين، منذ سنة 2016، بالأساس، إلى التأثير المزدوج لعملية توظيف الأساتذة على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وتزايد أعداد الموظفين المحالين على التقاعد، ولا سيما موظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية.
ومن خلال توزيع المناصب المالية المحدثة حسب القطاعات برسم سنة 2025، تستنتج أن حوالي 69.3 % من إجمالي عدد المناصب المحدثة، كانت من نصيب ثلاث قطاعات وزارية، ليست ضمنها وزارة التربية الوطنية، وهي: الداخلية وإدارة الدفاع الوطني والصحة والحماية الاجتماعية، بحيث أعطيت الأولوية بشكل واضح لدعم القطاعات ذات الطابع الأمني والاجتماعي، لتلبية حاجياتها من الموارد البشرية اللازمة.
وعند تحليل المعطيات، تشير إلى أنه خلال الفترة المذكورة، أعطيت الأولوية، فيما يتعلق بإحداث المناصب المالية، لدعم القطاعات ذات الطابع الاجتماعي والأمني، حيث تم تخصيص حوالي 61.6 % من إجمالي عدد المناصب المالية المحدثة لفائدة قطاعات الداخلية والتربية الوطنية والتعليم العالي والصحة. وتضعهم في الواجهة عند توزيع عدد الموظفين المدنيين حسب القطاعات الوزارية، إذ تحتل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة القائمة بمجموع 192.449 موظف بنسبة 33.4 %.
وعند توزيع نفقات الموظفين المدنيين حسب القطاعات الوزارية، تبرز كون حوالي 88 % من نفقات الموظفين المدنيين تتمركز في سبع قطاعات أساسية، حيث تحتل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مرتبة الصدارة بنسبة تناهز 37.57 %، يليها قطاع الداخلية بحصة تقدر بـ 21.51 %، مبررة تمركز نفقات وعدد الموظفين المدنيين في بعض الإدارات (التربية الوطنية، والداخلية، والصحة والحماية الاجتماعية…) بالأساس إلى طبيعة وحساسية المهام المنوطة بهذه القطاعات.
وتختفي المناصب المالية المخصصة لهذه الفئة مرة أخرى في مشروع قانون المالية رقم 50.25 للسنة المالية 2026، حيث تنص المادة 20 منه على إحداث 36.895 منصبا ماليا برسم الميزانية العامة للسنة المالية 2026، موزعة على 34 وزارة ومؤسسة، من بينها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ 379 منصبا ماليا فقط.
وفيما يتعلق بتوزيع الاعتمادات المفتوحة لنفقات التسيير على القطاعات الوزارية الخاصة بالميزانية العامة للسنة المالية 2026، فقد خصصت لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بند “الموظفون والأعوان” مبلغ 52.285.629.000 درهم، وبند المعدات والنفقات المختلفة مبلغ 38.722.038.000 درهم، ولا ندري صراحة في أي بند من البندين تم احتساب الاعتمادات المالية المخصصة لأجور هذه الفئة من الموظفين.
وإني لأرى الحكومة بهذا السلوك في صياغة المشروع وتحليل المعطيات المتعلقة به، كمن يقود حافلة تقل مهاجرين، الشرعيون منهم يجلسون في مقاعدهم المريحة، لا خوف عليهم من حرس الحدود، والآخرون تخفيهم بين الأمتعة، إلى حين عبور نقطة التفتيش، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: عمن تخفي هذه المناصب المالية؟ هل عن المؤسسات الدولية صاحبة التوصية؟ هل تستغبيها وهي صاحبة الفتوى؟ ربما التفسير الواحد الأوحد لهذا السلوك “التدبيري”، هو أنها تستغبينا بتواطؤ مع هذه المؤسسات.
وكل قانون مالية والحكومة تخفي ما تشاء وتظهر ما تشاء..



