مع الحدث | قدماء العسكريين والمحاربين من أجل الصحراء.. الفئة التي تحتاج الإنصاف
ما بعد الاعتراف الدولي بمغربية الأقاليم الجنوبية

بعد الانتصار التاريخي الذي حققه المغرب دبلوماسيا وأمميا عقب قرار مجلس الأمن بتأييد مقترح الحكم الذاتي وتفضيله بقية المقترحات وتأكيد المغرب سيادته الكاملة على كافة أقاليمه الجنوبية بعد أكثر من نصف قرن من النضال، والذي شارك فيه قدماء العسكريين والمحاربين بأرواحهم ودمائهم في سبيل تحرير الأراضي المغربية وطرد الانفصاليين منها.
إعداد: خالد الغازي
قدم جنود القوات المسلحة الملكية في السبعينات والثمانينات بطولات كثيرة وخاضوا معارك ضارية ضد الانفصاليين الذين استغلتهم الجزائر من أجل تصفية الحسابات، لكن قدماء العسكريين كانوا لهم بالمرصاد في الرمال والتلال، حيث تمكنوا من تكبيد أعداء الوحدة الترابية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وتحرير الكثير من المناطق وتمشيط الصحراء من هؤلاء المرتزقة.
اليوم، وبعد سنوات طويلة، يعيش قدماء العسكريين ظروفا اجتماعية مزرية، بسبب ضعف المعاش وقلة الإمكانيات المادية في مواجهة تكاليف المعيشة التي أصبحت تفوق قدرتهم، علما أن العديد منهم يعانون أمراضا مزمنة ومختلفة مثل السكري والضغط الدموي والقصور الكلوي والقلب والشرايين.. والتي تتطلب مصاريف كثيرة لمتابعة العلاج، فهل تنصف الدولة هؤلاء العسكريين المظلومين وترفع من أجورهم ؟
يقول دادا الحسين، المشرف العام على قدماء المحاربين والعسكريين، أن “الانتصار الدبلوماسي جاء ثمرة الانتصار العسكري والسيطرة الميدانية، وتحطيم أطماع أعداء الوحدة الترابية في الأقاليم الجنوبية، وهاذ الشي شاركنا فيه كاملين واعطينا كل ما نملك من عمرنا وصحتنا في سبيل هذا اليوم، ألا وهو انتصار الدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس، وهذا كذلك امتداد لدبلوماسية المغفور له الحسن الثاني الذي أبدع حركة تحريرية جديدة في العالم، ألا وهي المسيرة الخضراء، واليوم يجني المغرب ثمار هذا الانتصار والشعب المغربي دائما مسالم، ولكنه لا يركع مهما تكالب عليه الأعداء، دائما ستتحطم أطماعهم قبل التفكير في مس حبة رمل من بلادنا، لأننا نحمل في اليد غصن زيتون وفي اليد الأخرى السلاح”.
ويضيف الحسين دادا متأسفا عن أوضاع العسكريين المسنين، أن هناك حقوقا لا زالت في ذمة الدولة والتي نطالب كمحاربين قدامى بالإفراج عنها، منها التنقلات خلال الخدمة العسكرية والزيادة في المعاشات، فمنذ سنة 1971 لا زالت هذه الشريحة تعاني، لهذا ننتظر التفاتة من الملك محمد السادس لقدماء المحاربين والعسكريين والأرامل، لإسعادنا جميعا، ونحس بأن الدولة والحكومة والمسؤولين يفكرون في هذه الشريحة وتضحياتها الكبيرة خلال العقود الماضية، مشيدا بالتطور الحاصل في مجال الصحة العسكرية التي عرفت تغييرا جذريا على مستوى المؤسسات الاستشفائية العسكرية.
عبد الله سامر، ضابط متقاعد وأسير قضى 24 سنة في الأسر داخل سجن “الرشيد” في مخيمات تندوف، يقول: “كنا أسرى وقام الجزائريون بالتحقيق معنا منهم الكولونيل خالد نزار، وضباط سامون كانوا يعذبوننا في سجن الرشيد المخصص للتعذيب ويشرف عليه عبد الودود”، مبرزا أنه سعيد رفقة جميع العسكريين بالانتصار الدبلوماسي الأخير الذي حققه المغرب بعد اعتبار الحكم الذاتي هو الحل الوحيد للملف تحت السيادة الوطنية، لأنهم ساهموا بتضحياتهم خلال رباطهم بالحزام الأمني في تحقيق هذا النصر.
ويحكي سامر أنه حاول الهروب رفقة أصدقائه من السجن، لكنهم تعرضوا لشتى أنواع التعذيب تحت إشراف المخابرات الأمنية الجزائرية في الرابوني، وكانوا صابرين رغم الأعمال الشاقة والضرب والتنكيل والجوع والسب والشم، بحضور قادة جبهة البوليساريو الذين عادوا للمغرب مثل الحضرمي، إبراهيم الحكيم، كجمولة بنت أبي، علي سالم، أيوب بلحبيب، والذين كانوا يتلقون الأوامر من القسم العسكري الجزائري بتندوف.
ويؤكد سامر أنه رغم عودته سنة 2004 من الأسر في سجون البوليساريو والتعذيب الذي تعرض له من قبل العسكريين الجزائريين، لم يتلق التعويضات المنصفة والحقوق المنصوص عليها في اتفاقية جنيف، التي تحمي الأسير، وكانوا يريدون تقديم شكاية بالجزائر في الأمم المتحدة للحصول على التعويض، مضيفا أنهم اليوم ينتظرون فقط رد الاعتبار والإنصاف بعدما دافعوا عن مغربية الصحراء في مختلف المعارك، ويطالبون فقط بالتعويض المادي والمعنوي والمساواة بين العسكريين في السكن والمأذونيات، والتعويض عن فترة الاعتقال بعد وقف إطلاق النار من سنة 1991 إلى 2004، خاصة وأن فوجه من العسكريين وصلوا حاليا لأعلى الرتب (كولونيل فما فوق).
كثيرة هي قصص المحاربين والعسكريين القدامى الذين كان لهم الفضل الكبير في تحقيق النصر الميداني واسترجاع الكثير من أراضي الأقاليم الجنوبية وطرد ميليشيات البوليساريو من العديد من المناطق، وتمشيط المدن من تواجدهم رغم الظروف الصعبة وقلة الإمكانيات والمواد الغذائية والنوم والمياه، إلا أن صبر وتحدي العسكريين المغاربة كان كبيرا جدا من أجل الواجب الوطني ودحر العدو ما وراء المناطق العازلة، كما عمل الجنود والمحاربون في السبعينات على تدشين وبناء الجدار الرملي العازل الذي شكل معلمة جديدة وفكرة جيدة من قبل الحسن الثاني والمهندسين العسكريين، من أجل إفشال مخططات أعداء الوحدة الترابية وأطماع الجزائر في الوصول إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، رغم ضعف جودة الأسلحة ومحدوديتها التي كانت بحوزة الجنود المغاربة، إلا أن الرغبة والشجاعة كانت كبيرة لديهم في مواجهة الأعداء والانتصار عليهم في عدة معارك قوية.
بوشتى الخدير، محارب سابق ومتطوع في المسيرة الخضراء، تحدث هو الآخر عن معاناة العسكريين القدامى والأرامل وظروفهم الاجتماعية الصعبة حاليا، نتيجة المعاشات الهزيلة التي يتلقونها والتي لا تكفي لتحمل نفقات المعيشة، مثل 1300 درهم للمتقاعد أو 600 درهم بالنسبة للأرملة، معتبرا أن النصر الدبلوماسي الذي حققه المغرب على الصعيد الدولي جاء بفضل الانتصار على الأرض.
ويعد الخدير من المواطنين الذين شاركوا في المسيرة الخضراء وعمره 21 سنة قبل التحاقه بالقوات المسلحة الملكية، قائلا: “حان الوقت للاعتراف للمحارب السابق، لا يمكن أن يعترف المجتمع الدولي بمغربية الصحراء والدولة لا تعترف بالمحارب السابق وتضحياته، الذي يعيش ظروفا اجتماعية قاسية، أو الأرملة التي تصطدم بصعوبات كثيرة، فمنذ سنة 1977 التحقت مباشرة بالخطوط الأمامية بالسمارة ونحن في إطلاق النار لا راحة نفسية ولا جسدية والحرمان من الأسرة والعائلة والأبناء، قمنا بمجهود كبير وسالت دماء العديد من المحاربين، والدولة لا تعترف بتضحياتهم رغم أنهم قضوا مرحلة الشباب في خدمة الوطن دفاعا عن ترابه”، ويضيف “شاركنا في بناء المعلمة التاريخية خط الدفاع الجدار العازل المسمى السمطة، للفصل بين أعداء الوحدة الترابية وتحقيق الأمن والاستقرار في الأقاليم الجنوبية، وقمنا باستكمال البناء تحت النيران وهجمات الأعداء بالأسلحة المتطورة الجزائرية والكوبية والليبية، والذين كانوا يحاولون إفشال عملية بناء الحزام، لكن رغم ذلك تم إنجاز الجدار الأمني بفضل صبر وصمود الجنود”، مشيرا إلى أنه قضى 6 أشهر في الخطوط الأمامية ليلا ونهارا لا يعرف الراحة ولو ليوم واحد داخل الخندق ممسكا بسلاحه لصد هجمات المرتزقة.
وتطرق الخدير في حديثه عن ضرورة تحسين وضعية المتطوعين في المسيرة الخضراء الذين شاركوا فيها يوم سادس نونبر لإزالة الحدود الوهمية بين الوطن والأقاليم الجنوبية، حيث كانت أصوات الطائرات الإسبانية تحلق فوق رؤوسهم وهم يقتحمون الأقاليم الجنوبية، داعيا إلى رد الاعتبار لهم بمنحهم بطائق للعلاج المجاني في جميع المستشفيات، وتوفير الخدمات الصحية ومساعدتهم في اقتناء السكن.
بدوره، قال حمادي، محارب سابق: “قدماء المحاربين قدموا الآلاف من الشهداء والأسرى والمعطوبين واليتامى والأرامل، والغريب في الأمر أنه بعد استكمال تحرير التراب الوطني في الأقاليم الجنوبية، تنكر لنا جميع المسؤولين، وهذا يؤلمنا، فهذه الفئة تستحق الالتفات إليها ماديا ومعنويا، ونريد أن يحتفل الشعب بهذه الفئة مثل ما احتفلوا بالرياضيين، ولكن رغم الفقر والتهميش، لن يستطيعوا انتزاع الوطنية وحب الملكية المزروعة في قلوبنا وزرعناها في أبنائنا، وجلالة الملك قام بمجهود في نيل دعم الدول والأمم المتحدة حول مغربية الصحراء”.
بولعوان محمد، عسكري سابق، قضى 24 سنة في الأقاليم الجنوبية، قال أنه اشتغل في القوات المسلحة وقضى شبابه في الخدمة العسكرية منذ أن كان شابا، رغم قساوة الظروف والأوضاع الصعبة في الصحراء، معتبرا أن قدماء المحاربين قدموا تضحيات كبيرة، وقدموا شهداء تركوا وراءهم الأيتام والوالدين، وهناك عسكريين يحتاجون للرعاية الاجتماعية والمادية، لأن الجميع يتقاضون معاشات هزيلة، 1400 درهم، لا تكفي لتحمل تكاليف المعيشة، ملتمسا أن تتم إعادة النظر في الحالة الاجتماعية والمادية لقدماء المحاربين والرفع من معاشاتهم كرد اعتبار لهم، خاصة وأنهم دافعوا عن الوطن بحب وإخلاص خلال فترة شبابهم.
فقد حان الوقت في ظل انتصار المغرب على أعدائه، أن يتم رد الاعتبار لقدماء العسكريين والمحاربين، الذين شاركوا في الحروب التي خاضها المغرب مضطرا مع البوليساريو والجزائر، من أجل الدفاع عن سيادته الترابية، وذلك لإنصاف هؤلاء الناس الذين لبوا نداء الواجب الوطني وتحملوا مشاق الحياة والبقاء في الصحراء لعدة أشهر وسنوات بعيدا عن أسرهم من أجل حماية الوطن.
وسبق أن طالبت هيئات حقوقية، منها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد، بتسوية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها قدماء المحاربين والعسكريين وأراملهم، بتوفير العيش الكريم لهذه الفئة التي قدمت تضحيات جسيمة في سبيل الوطن، معتبرة أنهم يمثلون رموزا وطنية ضحوا بأرواحهم وقدموا كل ما لديهم دفاعا عن استقرار الوطن وحمايته، وأن ما يعيشونه اليوم من أوضاع مأساوية هو إجحاف في حقهم وانتهاك لقيم العدالة والإنصاف.
وطالبت المنظمة بتخصيص معاشات تتناسب مع احتياجات قدماء المحاربين وأراملهم لضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وإعادة النظر في السياسات الحالية المتعلقة بهذه الفئة، والعمل على زيادات منصفة تضمن لهم مستوى معيشيا لائقا، مؤكدة على أهمية تعزيز العدالة الاجتماعية وإعادة الاعتبار لهم.



