المنبر الحر | لماذا يخشى السياسي في المجتمعات المتخلفة الأنثروبولوجيا ؟


تعتمد العديد من الدول الديمقراطية عبر العالم في صياغة سياستها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على العديد من العلوم وبشكل خاص السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، هذا ناهيك عن العديد من مراكز الدراسات التي تعكف على صياغة التوجهات والاستراتيجيات السياسية الكبرى لهذه الدول، داخليا وخارجيا، وبناء على نتائج ذلك تستشرف مستقبلها على المدى المتوسط والبعيد، وتستلهمها في بلورة برامجها على كافة المستويات، وبالتالي، تجدها تعمل جاهدة على رصد المقومات والمؤهلات والموارد الأساسية لترجمة كل تلك النتائج على أرض الواقع، والمستفيد أولا وأخيرا هو المواطن، وهكذا تكون السياسة مبنية عندهم على أسس متينة وعلى دراسات ميدانية حقيقية لا تضارب للأرقام فيها، ولا مجال للصدفة أو الطارئ.. كل شيء يسير وفق منهجية وسيرورة محكمة ومدروسة، مما يجعل الممارسة السياسية سلسة وانتقال السلطة من حزب لآخر يمر بسهولة بالغة في جو ينم عن رقي حضاري كبير، فالدول الديمقراطية لا تعادي العلوم الإنسانية ولا مراكز الدراسات، لأنها تعتبرها النافذة الحقيقية التي تطل من خلالها على أحوال المجتمع، وهي العين الثاقبة التي ترصد كل التموجات والظروف والأحوال التي يعيشها المجتمع على صعد شتى وفي أدق تفاصيلها؛ فهذه العلوم تعري المجتمع حتى يصبح مكشوفا وتساعد الفاعل السياسي على الاشتغال تأسيسا على معطيات ملموسة، ومن هذا المنطلق فهي تعتبر السند القوي الذي يسهل عليه تحقيق طموحات وأحلام شعبه دون مشقة.
ورغم هذه الأهمية التي تكتسيها هذه العلوم وبشكل خاص الأنثروبولوجيا، والخدمات الكبيرة التي يمكن أن تقدمها للسياسي، إلا أننا – للأسف الشديد – لا نرى هذه الصورة في المجتمعات العربية بالخصوص ومنها المغرب بطبيعة الحال، وهذا ما جعل السياسي فاقدا للبوصلة لا يفهم المواطن ولا يعرف متطلباته وأحلامه وتطلعاته، ولو كان هذا العلم مزدهرا في المغرب مثلا، لتم استثمار نتائجه في الميدان السياسي ولتحاشينا الكثير من الاحتجاجات والاصطدامات بين المواطن والسلطة، وهذا المعطى نجده مغيبا في النقاش العمومي الدائر حاليا حول أسباب خروج الشباب للاحتجاج في الشارع مطالبا بالإصلاحات، فالدراسات الأنثروبولوجية وحتى السوسيولوجية، هي بمثابة جرس إنذار استباقي ينبه السياسي إلى حالة الأمة ووضعيتها ومنسوب الاحتقان فيها، وأين وصلت الأزمة، والقطاعات الحيوية التي يجب التركيز عليها، لكن غياب هذه الدراسات وعدم توفر السياسي على معطيات حقيقية، جعل السياسة تعيش نوعا من الارتجال والتدبير المؤقت والظرفي، وهذا لم يعد مقبولا في الوقت الراهن بفعل تعاظم مشاكل المجتمع، والوعي الاجتماعي الذي أصبحت عليه شرائح واسعة تطالب الآن بحقها في العيش الكريم وبخدمات اجتماعية في المستوى المطلوب .
فالمغرب له تاريخ سيء مع العلوم الإنسانية عامة منذ زمن بعيد، والأنثروبولوجيا بشكل خاص، ولعل إقفال المعهد الوحيد الذي كان يعنى بتدريس الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا منذ سنة 1971 إلى يومنا هذا، وتغييب هذه العلوم في الفضاء الجامعي، دليل على أن حبل الود مفقود بين المغرب الرسمي وهذه العلوم، الشيء الذي يجعل الكثير من المهتمين والدارسين يطرحون سؤالا عريضا: لماذا هذا الجفاء بين الدولة وهذه العلوم؟ هل ارتكبت الأنثروبولوجيا بالخصوص كعلم خطئا في حق المغرب؟ ولماذا تتوجس الدولة والسياسي خيفة من هذا العلم؟ فمن حيث أن الأنثروبولوجيا أخطأت في حق المغرب حتى يتم تبرير إغلاق المعهد، فليس هناك ما يثبت ذلك كما يجنح إلى ذلك الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي، خاصة وأن عمر الأنثروبولوجيا في المغرب قصير، فحتى حينما كان هذا المعهد يشتغل في أواسط الستينات، لم يكن هذا العلم يدرس أو يلقن كشعبة مستقلة، وإنما كدروس مدمجة في السوسيولوجيا، وكيفما كان الحال، قد يكون الأنثروبولوجيون في تنظيراتهم لمظاهر الحياة بالمغرب، تشوب جوانب منها بعض الأخطاء، وهذا وارد في مثل هذه العلوم؛ فصحيح أن لدينا كتابات قديمة في هذا العلم تعود إلى أوائل القرن الماضي، ومن الممكن علميا أن نعثر فيها على أخطاء، فكل علم كيفما كان معرض للخطأ، ولعل أيضا ما جعل هذا العلم رغم أهميته غير مرغوب فيه، والدولة لطالما صدت الأبواب في وجهه، هو تلك “السمعة السيئة” التي التصقت به عنوة بحيث كان ينعت بالعلم الاستعماري الذي استعمل من طرف القوى الكولونيالية للتغلغل في المغرب وهذا معروف، لكن ليس هذا هو العلم الوحيد الذي تم الاعتماد عليه لتحقيق الهدف التوسعي؛ ففي تلك المرحلة كانت العلوم الاقتصادية والسياسية والجغرافية قد ازدهرت في أوروبا، وقامت بدورها في الاستعمار الغربي للمغرب، ومع ذلك يتم توجيه أصابيع الاتهام إلى الأنثروبولوجيا لوحدها وتحميلها المسؤولية العظمى في ذلك. كل هذه مبررات تسوقها الجهات الرسمية لرفضها لهذا العلم، لكنها مسوغات لا تعكس الحقيقة البتة، بل الحقيقة هي أن النخبة السياسية تخاف فعلا من الأنثروبولوجيا، لأنها تكشف المستور وتظهر الحقيقة كما هي دون مساحيق أو روتوشات، ومن الطبيعي جدا أن تكون عند كل مسؤول سياسي تحفظات على كل علم يفسر الظواهر الاجتماعية بما فيها الظواهر السياسية، وكشف تناقضات المجتمع ومفارقاته، فعلم الأنثروبولوجيا يحرص على النبش في التفاصيل الصغيرة التي تغفل عنها الدراسات وتغفلها النخبة السياسية ولا تعير لها اهتماما، ولتوضيح الأمر أكثر، فالاقتصادي مثلا حينما يتناول ظاهرة عمل الفتيات الصغيرات أو القاصرات، يلجأ إلى الإحصائيات والمبالغ المالية التي يُدرها هذا القطاع، وهامش الربح، كل شيء مبني على لغة اقتصادية ومالية صرفة، والسياسي يرى فيها صوتا انتخابيا ليس إلا، أما الأنثروبولوجي، فيوجه بوصلته إلى من تكون تلك الفتاة العاملة ووضعها العائلي، كم سنها، كيف تشتغل، أين تنام، ظروف عيشها هل هي ملائمة مقارنة بأقرانها؟ وقس على ذلك من الأسئلة التي لها ارتباط وثيق بالحياة الاجتماعية للفتاة العاملة، وحينما يصف الأنثروبولوجي هذا الواقع ويستقرئ من خلاله العقليات، فهذا ما يكون له وقع أقوى..
فالكثير من المسؤولين لا يتحملون مهمة الأنثروبولوجي، ويتوجسون من نظرته النقدية والجذرية، والمغاربة حكومة وأحزابا وأوساطا محافظة، لا يتحملون وصف الحياة اليومية مع العلم أنهم يستسيغون الإحصائيات، رغم أنها في بعض الأحيان جافة أو كاذبة أو خادعة.
إن حالة اللااعتبار التي يعاني منها علم الأنثروبولوجيا، سواء في المغرب أو في العديد من المجتمعات العربية، تؤكد شيئا واحدا وهو أن هذا العلم غير معروف لدى المسؤولين وغير المسؤولين ومحاربته نابعة من هذا الأساس، ولهذا يمكن القول أن هذا العلم يعاني على واجهتين، الأولى من سوء الفهم والمعرفة من الأوساط المسؤولة، التي لا تفتح له المجال لتثبيت وجوده، والثانية من بعض المثقفين أنفسهم الذين درسوا بعض العلوم، السياسية منها أو السوسيولوجية، ويدعون أنهم أنثروبولوجيون، مع العلم أن عدد الذين درسوا هذا العلم عن كثب واهتموا به قليل مقارنة مع هؤلاء الذين يتطاولون عليه من باب الموضة، والصحافة تقدمهم على أساس أنهم أنثروبولوجيون، والأنثروبولوجيا منهم براء .



