
ردا على مطلب “جيل z” المتعلق بتجويد خدمات التطبيب والعلاج، قال وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أنه “لا يوجد حل يمكنه معالجة الخصاص في الموارد البشرية داخل المنظومة الصحية الوطنية دفعة واحدة”، مشددا على “الحاجة المستمرة لسد هذا الخصاص في مختلف التخصصات الطبية، وذلك من خلال رؤية تتمثل في إحداث المعاهد والكليات الجديدة، وتوسيع العرض التكويني”.
صراحة، استفزني هذا الرد.. فمن الغرابة بمكان أن يقول وزير بأنه ليس هناك حل لمعضلة صعوبة ولوج المواطنين لخدمات العلاج والتطبيب، رغم أن الحكومة نفسها فتحت المجال على مصراعيه لمنتجي العلاجات في القطاع الخاص بحجة تسهيل الولوج إلى هذه العلاجات، إذ ألقت بالفئات الهشة في أحضان القطاع بتحويل المستفيدين من “الراميد” إلى “أمو-تضامن”، وهذا يعني توجيههم بالإكراه من القطاع الصحي العمومي إلى القطاع الصحي الخاص دون اتخاذ أي إجراء لحمايتهم من أي نوع من التعسف، وأستسمح سعادة الوزير القادم من عالم المال والأعمال، لأطرح عليه السؤال: كيف استطاع أرباب القطاع الصحي الخاص أن يحولوا قطاع الصحة من قطاع غير منتج إلى بقرة حلوب تدر الأرباح بالملايير، وفشلت الحكومة في ذلك ؟
فقد كشف أحد أعضاء مجلس النواب أمام الوزير التهراوي، يوم فاتح أكتوبر الجاري، بأن شركة خاصة مدرجة في البورصة تنشط في مجال تقديم العلاج، قد بلغت أرباحها خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2025، ما يزيد عن 2 مليار درهم.. ترى من أين حصلت هذه الشركة على هذه الأموال؟ ومن وفر لها الموارد البشرية التي حققت لها هذه الأرباح ؟
الجواب بسيط، بالنسبة للسؤالين معا، فالموارد البشرية توفرها الدولة من مختلف الكليات والمعاهد التي تكون العاملين في مهن الصحة، عمومية كانت أو خاصة، أما الأرباح، فمن جيوب المغاربة بشكل مباشر وغير مباشر، فأما المباشر، فهو ما تحصله من جيوبهم في عين المكان، حيث كشف تحليل معدل الإنفاق على الخدمات الصحية على الصعيد الوطني (رأي مجلس المنافسة: ر/4/20)، أن حصة النفقات التي تتحملها الأسر تناهز 48.36 %، وهي نسبة بعيدة عن المتوسط العالمي المحدد في 25 % من قبل منظمة الصحة العالمية، وهو ما يشكل عبئا ثقيلا، خاصة على الفئات الهشة، وأما غير المباشر، فهو ما تحصله من صناديق التغطية الصحية بشقيها الأساسية والتكميلية، ونقصد هنا كلا من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي والتعاضديات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
بالأرقام، كشف الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي وحده، في تقريره السنوي برسم سنة 2024، أن مجموع الأداءات تجاوز مبلغ 7.600 ملايين درهم، في مقابل 7.400 ملايين درهم سنة 2023، بنسبة ارتفاع بلغت 3 %، استحوذ القطاع الخاص من الأداءات المدفوعة في إطار الثالث المؤدي على ما يزيد عن 2.900 مليون درهم، بنسبة تغيير بين سنة 2023 و2024 بلغت +9 %، فيما تراجعت حصة القطاع الصحي العام بنسبة-2 %، بمبلغ إجمالي ينيف عن 320 مليون درهم فقط، فيما تراجعت حصة القطاع التعاضدي والأعمال الاجتماعية التابعة للصندوق من هذه الأداءات بـ -15 %، بمبلغ إجمالي ينيف عن 8 ملايين درهم.
وبهذا الخصوص، كشف مجلس المنافسة، في رأيه حول وضعية المنافسة داخل السوق الوطنية المقدمة من لدن المصحات للرعاية الطبية الخاصة والمؤسسات المماثلة لها (ر/4/2022)، أن المعطيات المتعلقة بأنشطة المصحات الخاصة والمؤسسات المماثلة لها، لا تزال غير معروفة، بسبب تقاعس الحكومة عن إحداث منظومة إعلامية صحية وطنية، المشار إليها في القانون رقم 34.09، الصادر سنة 2011، غير أنه أفاد بكون أرقام المعاملات الإجمالية المصرح بها، بالنسبة للمصحات البالغ عددها 83 والمتوفرة على معلومات بشأن رقم معاملاتها، يقدر حجمها بـ 1.171.555,004 درهم خلال سنة 2019.
وفيما يخص توزيع الأداءات في إطار العلاجات العادية، فقد أدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي والتعاضديات، مبلغ تعويضات يزيد عن 4.200 ملايين درهم، شكلت منها تعويضات الأدوية المكلفة وحدها، ما يقارب 500 مليون درهم، بزيادة بنسبة +7 % بالمقارنة مع سنة 2023، وقد سبق للصندوق نفسه أن أنجز دراسة مقارنة حول أسعار الدواء بالمغرب، كشفت عن الفروق الشاسعة والشاسعة جدا بين أسعارها بالمغرب ونظيرتها في فرنسا وبلجيكا، كما كشف مجلس المنافسة عن اختلالات هيكلية وقانونية عميقة في السياسة الدوائية بالمغرب، وسرد العوامل التي تساهم في تدني مستوى استهلاك الأدوية من قبل المواطن المغربي، حيث يأتي في المقام الأول ضعف القدرة الشرائية الذي ينعكس على الميزانية المخصصة من قبل المواطن للخدمات الصحية، والمقدرة بحوالي 1500 درهم للفرد الواحد، تخصص 30 % منها لاقتناء الأدوية المتصدرة للنفقات الصحية، وتتسبب هذه الوضعية في إرغام المواطنين على تمويل نفقاتهم الصحية، ويأتي في المقام الثاني، نظام التغطية الصحية، الذي وإن كان قد ساهم في زيادة معدل استهلاك الأدوية منذ دخوله حيز التنفيذ سنة 2006، إلا أنه لا يغطي سوى 68.8 % من السكان على الصعيد الوطني، وبالرغم هذه التنبيهات وتنبيهات مؤسسات رسمية أخرى، واصلت الحكومة الإمعان في سياستها اللاشعبية واللاديمقراطية تجاه مختلف فئات المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى والفئات الهشة.. ولأجل الاستدراك وتحقيق التوازن بين القطاع العام والقطاع الخاص، ينبغي بناء شراكة طويلة المدى بين الطرفين، ولعل تحقيق هذه الشراكة يتطلب خطوتين أساسيتين، خطوة من كل جانب:
1) خطوة القطاع العام، تتمثل في الاهتمام الجاد والمسؤول بصحة المواطن من خلال تجهيز البنيات الصحية العمومية وفضاءات الاستقبال بالوسائل اللوجيستيكية والموارد البشرية الضرورية، وتغيير ثقافة تدبير المرفق العمومي بربط المسؤولية بالمحاسبة، والكف عن اعتبار قطاع الصحة قطاعا غير منتج، بحجة أن القطاع الخاص استطاع أن يجعل منه قطاعا مربحا بشكل مباشر، وبمنطق الرأسمالية نفسه، فإن طول مدة المرض يضيع على المشغل (عاما كان أو خاصا) عشرات الآلاف من ساعات العمل يهدرها المريض والمرافق له معا؛
2) خطوة القطاع الخاص، تتمثل في الالتزام بميثاق شرف بين جميع منتجي العلاج، يجعل علاج المريض فوق كل اعتبار، والكف عن اعتبار صحة المريض مجرد وسيلة للربح، بتغيير ثقافة وسلوك منتج العلاج الخاص تجاه المريض، (الامتناع كليا عن طلب الأداء المسبق سواء عبر شيكات الضمان أو غيره)؛
3) والخطوة الثالثة، هي بناء جسر بين القطاعين قوامه الثقة، بضمان الدولة عبر مؤسسات التأمين (حاليا كنوبس وسينسس) للأداء في حال تخلف أي مواطن عن الأداء البعدي لصالح منتج العلاج الخاص، لأن الدولة لديها من الوسائل والآليات والمؤسسات لاستخلاص هذه الأتعاب.
وفي هذا السياق، يجب:
• الإسراع بمراجعة التعريفة الوطنية المرجعية بتوافق بين الطرفين والانضباط لها من طرف منتجي العلاج الخواص؛
• تقوية دور هيئات التأمين التكميلي، وأقصد التعاضديات على وجه الخصوص، وتحرير مبادراتها في توسيع سلة العلاجات والخدمات على السواء، لتخفيف الحمل عن هيئات التأمين الأساسي الإجباري.
ولأجل المغرب والمغاربة، وليس لسواد عيون السيد الوزير، نقترح عليه الحل القادر، وبجرة قلم جريئة، أن يمكن المغاربة جميعا من الولوج العادل والمنصف للعلاج والتطبيب وعلى قدم المساواة: إعمال القانون، بإلزام جميع منتجي العلاجات بتنفيذ التعريفة الوطنية المرجعية؛ تحديد نسبة أرباح معقولة لأسعار الدواء، وباقي الخدمات الصحية (الفحص بالأشعة، التحاليل، الترويض…).
وذلك بتعاون بين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة الاقتصاد والمالية، عبر تكوين عدد من المراقبين من المفتشيات العامة للوزارتين، مهمتهم الفحص الدوري لمعاملات جميع المصحات والعيادات وكافة منتجي العلاجات، والتحقق من مدى التزامهم بتنفيذ التعريفة الوطنية المرجعية، والتحقيق الفوري بشأن تصريح أي مواطن بأنه أدى أكثر من التعريفة الوطنية المرجعية لدى مقدم علاجات ما، فمثل هذا الإجراء تشتغل به الحكومة فيما يتعلق بتحصيل مختلف الضرائب والرسوم.
وإذا توفرت الجرأة لدى الحكومة لتطبيق هكذا إجراء، فإنها ستضرب في آن واحد 36.828.330 عصفور (عدد سكان المغرب/إحصاء 2024) بوردة واحدة:
• ستحقق لجميع المواطنين المساواة أمام القانون؛
• ستمكن جميع المواطنين من الولوج العادل والمنصف للحق الدستوري في العلاج والعناية الصحية وعلى قدم المساواة؛
• ستخفف على صناديق التغطية الصحية حجم تكلفة تحمل التعويض عن خدمات العلاج والتطبيب، وتضمن لها التوازن المالي على المديين المتوسط والطويل؛
• ستمكن الدولة (إدارة الضرائب) من تحصيل جميع الضرائب والرسوم المتعقلة بمجال إنتاج وتقديم العلاجات، بكل شفافية.
وكل أزمة اجتماعية ليس للحكومة واسع النظر..



