تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | “جيل Z” .. الحاضر الغائب القادم من المستقبل

“إن مصير بلادنا هو بين أيدينا؛ فبلادنا توجد في مفترق الطرق وتتوفر اليوم على وسائل انخراطها الحازم في مسار طموح وطني كبير يتقاسمه الجميع، ويتمفصل حول التنمية البشرية، وللقيام بذلك يتعين على المجموعة الوطنية اعتماد اختيارات منسجمة، وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح، وإحداث القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات التي ظلت تعيق التنمية ببلادنا”، مقتطف من تقرير الخمسينية.

بمناسبة مرور خمسين عاما على استقلال المملكة المغربية، أعطى الملك محمد السادس بمناسبة الاحتفال بذكرى 20 غشت 2003، الانطلاقة لمشروع “جماعي وتشاركي للدراسة والتأمل والنقاش، يهم إنجاز تقويم استرجاعي لمسار التنمية البشرية بالمغرب منذ الاستقلال، واستشراف آفاقها على مدى العشرين سنة القادمة، وتمت بلورة هذا المشروع في صيغة تقرير يحمل عنوان: “50 سنة من التنمية البشرية؛ وآفاق سنة 2025″، وها قد بلغنا سنة 2025.. فما هي النتيجة في المحصلة ؟

بقلم: مصطفى السباعي

    لنبدأ من تقرير الخمسينية نفسه، وهو التقرير الذي تم تقديمه في يناير 2006، حين استقبل الملك المشاركين في إنجاز تقرير الخمسينية، والمسؤولين عن تقرير هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وهما وثيقتان نابعتان من نفس الإرادة: “دمل جراح الماضي ورسم معالم مستقبل أفضل للمغرب والمغاربة”؛ تم هذا بعد مرور ما ينيف عن عقد من الزمن من عمر “جيل Z”، الذي يعرف بأنه الفئة الديموغرافية التالية لـ”جيل الألفية”، وهم المولودون في الفترة بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الأول من الألفية الثانية.. فهل انتبه حينها التقرير المذكور لهذه الفئة، لهويتها الرقمية التي تتشكل، وعيها الاجتماعي والبيئي، تنوعها وقدرتها العالية على التكيف مع التغييرات التكنولوجية، ولديناميكيتها الاجتماعية والسياسية القائمة على اعتماد المنصات الرقمية كأداة رئيسية للتعبير عن آرائها وتشكيل الحركات السياسية والاجتماعية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

بمراجعة التقرير، نلاحظ حضور الوعي بمقومات العولمة الصاعدة واعتبارها إحدى المعايير الحاسمة للجاذبية، والانتباه إلى الهجرة القروية وتأثيرها بنسبة تتراوح بين 34  %و40 % في النمو الحضري، كما تم الانتباه أيضا إلى أن المجتمع المغربي يتسم دائما – حينها – بتحولات عميقة على مستوى القواعد والقيم والسلوكات والممارسات، وتتغير أنماط عيشه نحو التمدن أكثر، وأنه “يطور قنوات جديدة  للتعبير، ويعرف بروز فاعلين جدد؛ مجتمع تشهد مرجعية قيمه سيرورة متحولة، مع كونه ما يزال مترددا إزاء الحداثة”، ويضيف التقرير: “ذلك أن العلاقات بين الأجيال داخل الأسرة توجد في طور التحول، في اتجاه انعزال الشباب واستقلالهم عن آبائهم(…)، ولا يمكن لهذا التطور أن يتم دون إحداث توترات داخل الأسرة بفعل جملة من الظواهر الجديدة، كتراجع سلطة الأب، والعمل المأجور للنساء(…)، وعلى الرغم من كون الأسرة ما تزال تشكل إطارا للانتماء والأمان، إلا أنه يلاحظ تطور في اتجاه الفردانية وبروز فئات متنوعة وهشة في أغلب الأحيان”.. ومنذ ذلك التاريخ بدأت تتراكم هذه المشاكل ومعها تزداد حياة هذا الجيل تعقيدا، الجيل الذي نشأ وترعرع في دور الحضانة ورياض الأطفال عوض حضن الأسرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ونبه التقرير إلى أن “الشباب يشكل مؤهلا ثمينا بالنسبة للبلاد وفرصتها نحو المستقبل(…)، وعلى الرغم من كثرة النقائص التي تشوب المنظومة التربوية(…)، فإن البطالة التي تطاله اليوم أصبحت مزعجة ولا تطاق(…)، ذلك أن المشاكل التي يعيشها الشباب هي من الكثرة والتعقيد بمكان، بحيث تتجاوز اختصاصات بعض القطاعات الوزارية (الشباب، التربية، الرياضة، الثقافة)”.

وها قد حل المستقبل المنظور حينها، وها قد لامسنا السقف التوقعي للتقرير سنة 2025، ومنذ ذلك التاريخ تعاقبت أربع حكومات أتقنت النواح وفي أحسن الأحوال النعيق، وضيعت عمر هذا الجيل في التراشق الكلامي والتهريج، وإنتاج برامج ومشاريع كلها، بدون استثناء، مجرد بروباغندا دعائية للإلهاء حينا والالتفاف أحيانا أخرى على متطلبات ومطالب هذا الجيل.

وقبل حلول نهاية هذا السقف الزمني، صدرت تقارير متتالية عن مؤسسات رسمية تنبه إلى ضرورة إيلاء الاهتمام اللازم لهذا الجيل، نذكر منها تقرير النموذج التنموي – أبريل 2021 – الموسوم بعنوان: “تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع”، والذي نبه إلى أن الاقتصاد يتسم بالضعف فيما يخص خلق فرص الشغل، مما لم يسمح باستيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل، وأغلبهم من الشباب، وأن الطبقة الوسطى تواجه تراجعا ملحوظا في قدرتها الشرائية بسبب التكلفة العالية لخدمات التربية والصحة المقدمة من طرف القطاع الخاص كبديل لضعف جودة العرض العمومي لهذه الخدمات، وتعاني فئات واسعة من الساكنة، خاصة النساء والشباب، من ضعف المشاركة والتهميش، لعدم إمكانية الولوج إلى فرص تمكنها من إثبات استقلاليتها ومن المواكبة الاجتماعية، وتظل الفوارق قائمة أيضا بحكم ضعف آليات الحماية الاجتماعية وعدم فعالية شبكات الأمان الاجتماعي، التي لا تشمل بعض الفئات الهشة كالأشخاص في وضعية إعاقة.

وعوض الاستثمار في إنجاز البنيات الصحية وتجويد الخدمة العمومية الصحية، اختارت الحكومة الحالية دفع هذه الفئات الهشة (أصحاب الراميد) إلى لوبي القطاع الصحي الخاص، إذ حولتهم إلى نظام “أمو-تضامن”، وقلصت من الفئة المستفيدة بموجب “العصا السحرية” (المؤشر)، وبالمقابل ضاعفت من الميزانية المخصصة لهذا المخطط تصرفها لأصحاب المصحات الخاصة عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؛ وهذا مجرد مثال.

وعوض خلق فرص شغل حقيقية تستوعب الشباب في سن الشغل، أنتجت برامج دعائية (المقاول الذاتي؛ إدماج؛ تأهيل؛ مقاولتي؛ أوراش؛ فرصة)، وكلها برامج أوقعت غالبية الحالمين بالاستفادة منها من خانة الإحباط إلى مستنقع اليأس، ولم يكن لها أي أثر.. فقد نشر بنك المغرب قبل أيام معطيات مقلقة بشأن مستوى استفحال البطالة بالمغرب، حيث بلغ معدلها وطنيا 12.8 %، فيما بلغت نسبتها في أوساط الشباب ما بين 15 و24 سنة، أي 47 %، الأمر الذي يكشف الهوة بين الواقع الذي يعيشه الشباب والخطاب الرسمي للحكومة.

وبعد هذا التقرير بسنتين (سنة 2023)، صرخ رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: “شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين NEET”، أي آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟“، حيث رصد في تقريره هذا وضعية فئة شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، يوجدون خارج نطاق منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وأوصى بعدد من مسالك العمل التي من شأنها الارتقاء بهذه الفئة وإخراجها من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ولم يجد آذانا صاغية لدى الحكومة.

وبالموازاة، أصدر المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، خلاصات ثلاثة بحوث وطنية حول الرابط الاجتماعي، أنجزها سنوات 2011 و2016 و2023، وقف خلالها على التحولات المجتمعية بالمغرب، ومن أبرز خلاصات البحث الأخير، كون  تأثير العولمة الثقافية والثورة التكنولوجية على الرابط الاجتماعي آخذ في البروز بشكل أوضح في صفوف سكان المناطق الحضرية والأجيال الشابة والأفراد ذوي الرأسمال الثقافي أو الاقتصادي العالي.

وآخر هذه التقارير ذي الصلة بالشعار الأساسي لـ”جيل Z”، التقرير الأخير للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ولعل أهم خلاصة للتقرير تتجلى في رقمين أساسيين: أولهما الرقم 38، العلامة التي حصل عليها المغرب على سلم مؤشر إدراك الفساد، متقدما بنقطة وحيدة جزاء أزيد من 20 سنة من الاشتغال على محاربة الفساد (حصل على النقطة 37 سنة 2002)، وثانيهما الرقم 50 مليار درهم، التكلفة السنوية للفساد بالمغرب.

وهكذا ظل “جيل Z” حاضرا بقوة في مختلف التقارير الاستراتيجية التي رسمت معالم المستقبل في المغرب وأرادها الملك أن تكون خارطة طريق، بينما ظل غائبا تماما عن السياسات الحكومية التي تعاملت مع هذه التقارير باللامبالاة والسطحية في أحسن الأحوال وأنتجت برامج موجهة للشباب، ظاهرها تنموي وباطنها إلهاء والتفاف ومداراة، وفي أحيان أخرى تعاملت معها بوقاحة، والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص، والنتيجة كما نرى ونشاهد ونسمع..

من المؤكد أن هذا الجيل يفكر خارج الصندوق، وخارج هيئات الوساطة والتأطير التقليدية (الأحزاب، النقابات، المجتمع المدني…) ولم تستطع، لا الحكومة ولا هذه الهيئات، مواكبة التحول السوسيو-ثقافي لهذا الجيل، ومن المؤكد أيضا، تبعا لخلاصات التقارير المشار إليها وغيرها، أن الثمن قد يكون غاليا وغاليا جدا ما لم يتم استيعاب هذا الجيل عبر الاستجابة لمطلبه الشامل المتمثل في العيش الكريم، ومن المؤكد أيضا أن هذا الجيل لن يختفي بنقرة أو ضربة عصا، لأنه ببساطة من المستقبل، بل هو نفسه المستقبل.

ولمن يهمه الأمر فليتخذ العبرة من الآية الكريمة من سورة آل عمران: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)) صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى