كواليس الأخبار

الدولة لا تريد أن تتسرع وخطب الملك تصحح الرؤية الرسمية

أحمد بوز وعباس الوردي يقرئان الإشارات الملكية

    تعددت القراءات المتعلقة بالخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشر، لا سيما بعد تزامنه مع بعض الاحتجاجات، في هذا الإطار قال المحلل السياسي أحمد البوز، أن خطاب 10 أكتوبر 2025 جاء وكأنه مرآة مزدوجة: في وجهها الأول، تعكس وعيا ملكيا متقدما بحجم الأزمة الاجتماعية، وفي وجهها الآخر، تكشف عن حدود الرؤية الرسمية في التعامل مع التحولات الجيلية الجديدة؛ فهو خطاب يسمع نبض الشارع، لكنه لا يتقمص أسلوبه، كما أنه لا يتكلم لغته؛ يعد بالإصلاح، لكن ضمن قواعد اللعبة نفسها، لذلك خرج كثيرون من الاستماع إليه بشعور متناقض: اطمئنان لأن الدولة ما زالت تعترف بالمشاكل، وقلق لأن طريق الحل ما يزال طويلا، ولأن الجيل الجديد يريد أن يعيش التغيير لا أن يسمعه فقط.

وأضاف أستاذ القانون الدستوري، أحمد البوز، برصيده الإعلامي الكبير(..)، أن الخطاب كان محملا بإشارات واضحة إلى أن الدولة تتابع وتفهم ما يجري في الشارع، لكنها لا تريد أن تتسرع، تدرك أن هناك خللا في العدالة الاجتماعية، لكنها تصر على أن الحل يمر عبر المؤسسات لا عبر الشارع. هنا بالضبط يكمن التوتر الخفي بين منطق الدولة ومنطق الجيل الجديد، مبرزا أن الدولة واعية بضرورة مراجعة طرق العمل، لكنها ما تزال تفضل لغة التوجيه بدل لغة التغيير الجذري.. ففي الوقت الذي يطالب فيه الشباب بمحاسبة المسؤولين ومراجعة السياسات، يختار الخطاب التركيز على النجاعة الإدارية والفعالية الميدانية وكأن المشكلة تكمن فقط في الأساليب لا في البنى العميقة للسلطة والاقتصاد.

وأوضح بوز، أن الخطاب الملكي سعى إلى تصحيح ضمني للرؤية الرسمية التي لطالما منحت الأولوية للمشاريع الكبرى باعتبارها عنوانا لهيبة الدولة وفاعليتها الاقتصادية، فهي لا تنكر أهمية هذه المشاريع ولا تقلل من قيمتها الاستراتيجية، لكنها تشترط أن تترجم ثمارها إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، وأن ترافقها سياسات اجتماعية فعالة قادرة على تقليص الفوارق وضمان العدالة المجالية. بمعنى آخر، فهي تعيد توجيه الخطاب التنموي المغربي نحو معادلة أكثر توازنا بين الاستثمار في الصورة والاستثمار في الإنسان، بين ما يرى وما يحس، في محاولة لاستعادة الثقة في جدوى التنمية بوصفها مشروعا جماعيا لا مجرد واجهة إنجازات، مؤكدا أن العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية كانت محور الخطاب، وهي أيضا في قلب الاحتجاج، والملك تحدث عنها باعتبارها “توجها استراتيجيا ورهانا مصيريا”، في حين يرى الشباب أنها حق مفقود أكثر منها توجها مستقبليا، فحين يشير الخطاب إلى ضرورة “محاربة الممارسات التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات”، ففي ذلك اعترافا ضمنيا بأن السنوات الماضية شهدت هدرا لهذه الإمكانات، وأن التنمية الموعودة لم تبلغ الجميع، لكن ذلك الاعتراف لا يذهب إلى حد تسمية المسؤولين عن هذا الهدر، ولا يفتح الباب أمام مساءلة حقيقية، وهو ما يجعل الشباب يشعر بأن التشخيص صحيح، لكن العلاج ما يزال ناقصا..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقال بوز: في خلفية الخطاب يمكن التقاط نغمة قلق مكتوم، فالدولة تدرك أن ثقة المواطنين في مؤسساتها تتآكل، وأن الأحزاب السياسية والبرلمان فقدت جزء كبيرا من قدرتها على التأطير والتعبئة، وهي، في هذا الوعي، تستحضر خطابات سابقة كانت أكثر جرأة في التشخيص، مثل خطب “أين الثورة؟” و”الطبقة الوسطى”، و”المغرب يسير بسرعتين”، لكنها مع ذلك ترفض خيار القطيعة. لذلك يكرر الملك دعوته إلى البرلمانيين والأحزاب السياسية من أجل استعادة أدوارهم الأصلية، في محاولة لضخ نفس جديد في الوسائط القديمة بدل تجاوزها أو تعويضها بآليات جديدة.. إنه خطاب يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستمرارية والتغيير، لكنه يفعل ذلك من موقع الحذر وكأنه يطمئن الدولة من دون أن يصطدم بالواقع، ويدعو إلى الإصلاح من داخل النظام لا من خارجه”.

تتمة المقال تحت الإعلان

من جانبه، يرى المحلل السياسي عباس الوردي، أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، أكد على مجموعة من النقاط العريضة المرتبطة بالجدية، وبمسؤولية جميع الأطياف، من أحزاب وسياسيين وبرلمانيين والمجتمع المدني، وتحدث عن التراكمات التي حققها المغرب في إطار التنمية المستدامة، والمشاريع المهيكلة، والاقتصاد البحري وقيمته المضافة في إحداث مناصب الشغل، وتطوير التنمية، مضيفا أن الخطاب الملكي تناول مسألة القضاء على الفوارق المجالية والتنمية الترابية، وأسس على ذلك في إطار التجسير مع مضامين خطاب عيد العرش الذي أكد فيه الملك عدم إمكانية قبول مغرب بسرعتين.

وأضاف الوردي، الذي يتولى مهمة منسق أكاديمية الشباب المغربي، أن الخطاب الملكي شدد على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مطامح الجيل الصاعد، وكذلك تغيير نمطية الخطاب وتأطير المواطنات والمواطنين، في إشارة إلى مسؤولية الأحزاب والبرلمانيين الذين دعاهم إلى التواصل وبذل المزيد من العطاء في تجسير ما انخرطت فيه المملكة من مشاريع كبرى، موضحا أن الخطاب تضمن دور الدبلوماسية البرلمانية والحزبية والموازية في خدمة القضية الوطنية، وأكد على إعادة الاعتبار للعالم القروي بتدبير مهيكل له، والتنمية وضمان المبادرة الهادفة والبناء للجماعات الترابية، والتعاون المشترك وترسيخ الوطنية العالية بين جميع الفاعلين المجاليين، وألا تنحصر على أهداف سياسوية وانتخابوية صرفة، مبرزا أيضا أن الخطاب أكد أن المغاربة كلهم متساوون في الولوج والاستفادة من الخدمات، وأن التنمية تشمل جميع المجالات على أساس استمرار لا يرهن الحكومة الحالية أو المقبلة، وضرورة استمرارية الخدمات المرفقية. هذه خارطة طريقة مواصلة بناء الأوراش التنموية الكبرى في خدمة المواطنين والارتقاء بالتنمية المغربية لما يحقق معه الخير والنماء لجميع المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى