تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | من شهداء “الكوميرة” إلى “جيل زد”

ارتفاع الأسعار "وقود" الاحتجاج الدائم

أحيت احتجاجات حركة “جيل زد” التي عرفتها معظم المدن المغربية، النقاش حول الانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال وإلى اليوم، والتي كانت كلها نتيجة تفاقم الأوضاع الاجتماعية للمواطنين وتدهور القدرة الشرائية لفئات عريضة من المجتمع المغربي.. فبالرجوع إلى دوافع الاحتجاجات منذ الثمانينات بالخصوص وإلى اليوم، نجد أن القاسم المشترك الذي يجمعها يتعلق بارتفاع الأسعار بالدرجة الأولى، وغياب الخدمات الأساسية..

بقلم: جميلة حلبي

    لطالما كان الفشل في تدبير السياسات العمومية من قبل السياسيين والوزراء المنتخبين يؤدي إلى إشعال فتيل الاحتجاجات في صفوف المواطنين، وهذا الأمر ليس مقتصرا على ما نعيشه حاليا من خلال احتجاجات حركة “جيل زد”، بل إن تاريخ المغرب عرف منذ الاستقلال حركات احتجاجية كثيرة كلها بسبب الزيادات في أسعار المواد الأولية والأساسية التي تهم المواطن بالدرجة الأولى، فرغم تعاقب الحكومات من مختلف المكونات الحزبية، بين يسارية ويمينية وليبرالية وغيرها.. إلا أن عدم التفاعل مع المطالب الاجتماعية بالشكل الصحيح يؤدي إلى حدوث انفجار شعبي.. فقد عرفت البلاد أقوى ثورة شعبية في الثمانينات وبالضبط في شهر يونيو 1981، والتي نتج عنها سقوط عدد من الشهداء بعد تدخل الأمن والجيش في حق المتظاهرين، وهو ما يعرف في التاريخ بثورة “الكوميرة” أو “شهداء الكوميرة”، وذلك بعدما أقرت الحكومة زيادات كبيرة في أسعار المواد الأساسية مما أضر بالقدرة الشرائية للمواطنين.. فبعد إعلان حكومة الراحل المعطي بوعبيد، يوم 28 ماي 1981 عن زيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية بضغط من المؤسسات المالية الدولية، دعت نقابة الكونفدرالية المغربية للشغل إلى خوض إضراب عام يوم 20 يونيو 1981، احتجاجا على تلك القرارات الحكومية، وقبل ذلك، شهدت سنتا 1979 و1980 زيادات متتالية في أسعار المواد الأساسية، وتبعا لذلك ارتفع مؤشر كلفة المعيشة بـ 38 في المائة، ما حدا بالنقابة إلى مطالبة الحكومة بالرفع من الأجور وفتح الحوار معهم، ولم تكتف الحكومة بعدم الاستجابة لمطالب النقابة، بل أصدرت بيانا – بتاريخ 28 ماي 1981 – حمل زيادات قياسية في سعر المواد الأساسية، حيث تقررت مضاعفة سعر كل من السكر والزيت، والزيادة في سعر الحليب بنسبة 200 في المائة، وأكثر من ذلك في سعر الزبدة، ونسبة 185 في المائة في سعر الدقيق، وهو ما كان منطلقا لاندلاع شرارة الاحتجاجات في باقي المدن بعد التدخل العنيف من طرف الأمن وحملة الاعتقالات في صفوف المحتجين في الدار البيضاء، ثم ما لبثت الأوضاع تهدأ حتى عاد الاحتقان في سنة 1984، وهو ما يعرف بثورة “الكرامة والخبز” التي أطلقت عليها تسميات مختلفة من قبيل “انتفاضة الجوع” أو “انتفاضة التلاميذ” على اعتبار أن هذه الانتفاضة انطلقت باحتجاجات التلاميذ لتنخرط فيها لاحقا مختلف الشرائح المجتمعية وانتشرت في العديد من المدن، والتي جاءت في تلك المرحلة التي تميزت بالجفاف الذي عرفه المغرب، وكذا في سياق اقتصادي واجتماعي أملته سياسة التقويم الهيكلي والإصلاح الاقتصادي الذي انخرطت فيه البلاد بعد ارتفاع المديونية والعجز في الميزان التجاري، ولذلك توجهت الحكومة إلى الرفع من أثمنة المواد الأساسية، حيث بلغ ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الرئيسية في سنة 1983، 18 % في السكر و67 % في الزبدة و20 % بالنسبة للمحروقات.. وقد اشتعلت الاحتجاجات الاجتماعية بحدة في مدن الشمال بعدما تم فرض رسوم على المواطنين الذين كانوا يلجون إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بلغت في الناظور 100 درهم للراجلين و500 درهم للسيارات، علما أن التهريب كان أهم نشاط معيشي ليس لساكنة المناطق الشمالية فقط، بل لعدد من التجار عبر ربوع المغرب، وساهمت تلك الإجراءات في خلق توتر إضافي في مناطق كانت أصلا تعاني من تهميش اقتصادي، منذ استقلال المغرب، كما أن ما ساهم في انتفاضة التلاميذ والطلاب هو فرض رسوم جديدة في التعليم بقيمة 50 درهما للتسجيل في الباكالوريا و100 درهم في الجامعة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم تغيير الحكومات، إلا أن الأوضاع لم تتغير بالشكل الذي يجنب المغرب احتجاجات من هذا النوع، ولا مستوى عيش المواطنين عرف الاستقرار.. فبين الأمس واليوم.. ظلت أوضاع المواطنين تراوح مكانها، تعرف بعض الاستقرار في فترات محدودة لتعود الأزمات تلوح في الأفق من جديد، وتواصلت معاناة المغاربة مع تدهور مستوى المعيشة، لكن الحكومات لا تلتقط إشارات الاحتجاجات الصغيرة على الزيادات التي لا تساهم إلا في تكريس الفقر وتعميق الفوارق المجتمعية، وهو واقع لا يختلف كثيرا عن الماضي الذي كان يعيشه المغاربة في الثمانينات ودفعهم إلى الخروج للشارع في انتفاضات شعبية عرفت سقوط قتلى واعتقالات كثيرة في صفوف المحتجين.. فبمقاربة الأوضاع بين فترة الثمانينات وبين اليوم، يظهر بشكل جلي استمرار مآسي الماضي، ذلك أن نفس الأوضاع التي كان يعيشها المغاربة قبل السخط الشعبي في الثمانينات هي نفسها التي يعيشونها حاليا، حيث تملصت الحكومة من مسؤولياتها من خلال ضرب القدرة الشرائية للمواطنين بزيادات مهولة ومتتالية في الأسعار خصوصا منذ سنة 2020، أي فترة جائحة “كورونا”، وهو ما أسهم بشكل كبير في ارتفاع نسبة البطالة واتساع دائرة الفقر والتهميش والهشاشة، التي أصبحت تمس فئات كانت في وقت قريب تعد من الطبقة الوسطى، والسبب يرجع لكون مغرب 2025 يعيش في كنف ليبرالية متوحشة وسباق محموم نحو تكديس الثروات، مما ساهم في تفقير الفقير وإغناء الغني، وأصبحت بالتالي الفوارق الطبقية ظاهرة للعيان، لتزيد من تعميقها السياسات المتبعة من قبل الحكومة الحالية، وكثرة البرامج التي سميت قسرا “إصلاحية” والتي فشلت لعدم مطابقتها للواقع المغربي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقبل هذه الفترة، “تحرك” المغاربة في إطار ما سمي بالربيع العربي، من خلال حركة “20 فبراير”، وكانت المطالب الاجتماعية على رأس الشعارات التي حملها المطالبون بالتغيير، وذلك أيضا بعد ارتفاع الأسعار وتجميد الأجور، مما أدى إلى تدهور القدرة الشرائية للمغاربة، لكن تم تجاوز المرحلة بدستور 2011، وتولت حكومة حزب العدالة والتنمية تسيير الأمور من خلال ولايتين، لكن ومنذ بداية حكومة رجال الأعمال زمام الأمور عقب انتخابات 2021، بدأت الأمور في التصعيد نتيجة الارتفاع الصاروخي في الأسعار وانهيار القدرة الشرائية لغالبية الأسر والركود الاقتصادي وإغلاق العديد من المقاولات والمشاريع الصغرى والمتوسطة، وارتفاع مديونية أغلب الأسر، وشح السيولة وانعدام فرص الشغل، إضافة إلى الارتفاعات غير المبررة في الغازوال.. كلها مؤشرات كانت ولا زالت تنذر بأن القادم لا يبشر بالخير، غير أن الحكومة لم تلتقط الإشارة، ولم تستوعب أو لا تريد استيعاب أن الانفجار قادم لا محالة في ظل عدم تجاوبها مع الاحتجاجات المتفرقة التي عرفتها بعض القطاعات، ليستفيق المغاربة يوم السبت 27 شتنبر 2025 على وقع احتجاجات حركة “جيل زد”، التي كان شعارها الأساسي إصلاح قطاع الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد، وهي مطالب اجتماعية محضة يعاني من غيابها أغلبية الشعب المغربي، لكن الأسوأ هو ما حدث، عندما اختلطت الاحتجاجات السلمية للشباب بموجة من التخريب، لا زالت ملفاتها بيد القضاء للتحقيق في مصادرها، والغريب في الأمر أن الحكومة لم تخرج لتهدئة الشباب الثائر، وإنما اكتفت بخرجات لا تعطي حلولا للواقع المزري لعدد من القطاعات الحيوية.. وهو ما جعل المحتجين يرفعون من سقف المطالب ومناشدة الملك محمد السادس من أجل إقالة الحكومة لأنها لم تنجح في إصلاح القطاعات المتدهورة، ولا تقليص الفوارق المجالية، ولا حققت العدالة الاجتماعية ولو نسبيا، ولا استطاعت حلحلة ملفات الأساتذة المتعاقدين، ولا ملف طلبة الطب، ولا.. ولا..

كثيرة هي الملفات التي بقيت متراكمة في رفوف الحكومة إلى أجل غير مسمى رغم تبنيها لشعار الدولة الاجتماعية، بينما أخذت الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، في حملات انتخابية مبكرة منذ ما يزيد عن السنة، في سباق محموم من أجل ضمان مكانة في الحكومة المقبلة، وهو ما استفز المغاربة وجعلهم يخرجون إلى الشارع.. في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من قرارات منصفة للطبقات المتضررة من الشعب المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى