متابعات | الميداوي والتهراوي وبرادة.. الوزراء المتهمون بصناعة الاحتقان
مع الدخول السياسي والاجتماعي برزت مؤشرات فشل ثلاثة وزراء في تدبير القطاعات التي يشرفون عليها، بسبب غياب الحكامة والوضوح والمواكبة للقطاعات التي يشرفون عليها، مما أدى إلى تفاقم الوضع وتزايد الاحتقان لدى الموظفين والأطر العاملة في هذه المجالات الحيوية، التعليم والصحة والتعليم العالي، حيث أبان هؤلاء الوزراء، كل من سعد برادة وأمين التهراوي وعز الدين الميداوي، عن تسرع كبير في اتخاذ القرارات دون مقاربة تشاركية مع الشركاء الاجتماعيين والهيئات المهنية، مما أدى إلى ارتفاع أصوات معارضة ترفض المقاربة الفردية الوزارية دون تواصل وحوار.
إعداد: خالد الغازي
منذ تنصيب حكومة أخنوش في سنة 2021، عقب الانتخابات المثيرة للجدل، عرفت القطاعات الثلاث احتجاجات وحراك مجتمعي كبير، تمثل في حراك الأساتذة ضد النظام الأساسي للتعليم، ثم حراك طلبة الطب والصيدلة ضد وزارة التعليم العالي، ثم احتجاجات الأطر الصحية والطبية بسبب تملص الوزارة من تنفيذ الاتفاق الموقع مع النقابات، والغريب أن الملفات لا زالت متراكمة حتى اليوم دون حلول جذرية.

في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي عبد الرحيم العلام، أن قطاعات الصحة والتعليم والتعليم العالي، عرفت تغيير الوزراء خلال التعديل الحكومي السابق، حيث كانت هناك ملاحظات من قبل المهتمين حول “بروفيلات” وزيري التعليم والصحة، وقيل أنه ليست لديهما تجربة في تسيير القطاعين وضعف كفاءتهما، إلى جانب كون التعديل الحكومي جاء متأخرا، فالوزير يحاول أن يفرض وجوده ولا يكمل السياسة التي كانت من قبل، مشيرا إلى أن الأحزاب السياسية خلال عملية توزيع الوزارات، ترفض تحمل مسؤولية هذه القطاعات وتفضل المالية ومجالات أخرى.
وقال نفس المتحدث: “لدينا ثلاث قطاعات: الصحة والتعليم والتعليم العالي، فالصحة مشكل قاتم وازداد قتامة، والتعليم في ظل مدارس الريادة عرف تراجعات ظهرت على مستوى التربية وضعف البنيات التحتية، أما التعليم العالي، فرغم أن الوزير لديه الخبرة والتجربة، لكنه للأسف أتى متأخرا، وأراد أن يفعل مجموعة من الإصلاحات الاستعجالية بدون شراكة مع النقابات خلال العطلة الصيفية”، مضيفا أن الوزير قام بمجموعة من التعديلات بدون إشراك الجسم النقابي المعني، وتسبب في أزمة في التعليم العالي، وبداية متأخرة بسبب غياب الرؤية ومحاولة فرض الأمر الواقع، دون استحضار موقف النقابات هل ستقبل بالقانون الجديد أم لا، بل كان عليه أن يتوقع أن ما أقدم عليه سيتم رفضه من قبل الأساتذة والطلاب دون إشراك المعنيين بالأمر، في ظل بداية متعثرة على مستوى الإجازة والماستر، وترهل في القواعد وضوابط دفاتر التحملات، وغياب استعمالات الزمن، في حين أن دولا أخرى اقتربت من إجراء الامتحانات.
وانتقد العلام خطابات بعض الوزراء وقيادات أحزاب التحالف الحكومي خلال الحملة الانتخابية، كما يقول المثل المغربي “غير جيب يا فم وقول”، حيث وعدوا بوصول التعليم للمرتبة 60 عالميا والزيادة في رواتب الموظفين والأساتذة، معتبرا أن المغرب لم يتحسن ترتيبه في التعليم وفي مجموعة من المؤشرات الأخرى مثل الصحة، وما أنتجته الحكومة من خطابات خلال الانتخابات وبرنامجها، لم تواكبه إنجازات ملموسة على أرض الواقع، مما خلق وعيا غير مسبوق لدى شريحة من الشباب العازف عن المشاركة في الأحزاب السياسية والذي خرج اليوم ينتقد أوضاع الصحة والتعليم.
فمع بداية الدخول المدرسي، شهد قطاع التعليم احتقانا كبيرا في صفوف الشغيلة التعليمية، بسبب عدة قرارات فوقية اتخذتها الوزارة، وذلك على مستوى الحركة الانتقالية التي خلقت ضجة كبيرة، إلى جانب تماطل الوزارة في تسوية الملفات العالقة منذ سنوات والخاصة بأطر التدريس، بالإضافة إلى تعثر مشروع مدارس الريادة في بدايته بسبب قلة الوسائل والتجهيزات والمعدات الغير متوفرة من أجل انطلاقة جيدة.
وقد أبان الوزير سعد برادة عن فشل كبير في تدبير قطاع التعليم منذ خلافته لشكيب بنموسى، حيث عجز عن تدبير القطاع بشكل إيجابي ودخل في تصفية حسابات مع المدراء الإقليميين الذين تم إعفاؤهم من مناصبهم بدعوى رصد اختلالات وتجاوزات تدبيرية، إلى جانب الكاتب العام السابق يونس السحيمي، الذي سبق أن توصل لاتفاق مع النقابات لتسوية الملفات القديمة والترقيات والمطالب المالية، إلا أن الوزير فضل المناورة لكسب الوقت مرة أخرى وإلغاء الاتفاق الذي تم مع النقابات سابقا.
وحسب العديد من النقابيين، فإن الدخول المدرسي لم يكن في المستوى المطلوب، لدى الأطر التعليمية من جهة، والتي وجدت نفسها أمام أجندة ثقيلة تتطلب منهم الخضوع للتكوين في إطار مدارس الريادة، أمام مقررات جديدة ضعيفة لا ترقى للمستوى المطلوب، وأمام حركة انتقالية ومشاكل أخرى موازية داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب مشاكل متراكمة منذ السنوات الماضية، والتي تماطل الوزير في حلها، مثل الترقية الداخلية، مراجعة النظام الضريبي، أساتذة “الزنزانة 10″، ونظام “الكوطا”، إضافة إلى مشاكل التعليم الأولي، منها نقص التمويل، ضعف الموارد البشرية، تعدد المتدخلين، ضعف التأطير والمراقبة، ثم وجود تفاوت في الجودة بين المؤسسات المحتضنة للتعليم الأولي، خاصة بين المناطق الحضرية والقروية، وضعف أجور المربيين والمربيات.
فمشروع مدارس الريادة الذي جاءت به الوزارة، كرس وضعية التمييز بين نسقين تعليميين داخل منظومة التعليم العمومي، إذ أن المؤسسات التعليمية الأخرى تمضي بسرعة لا تتماشى مع مؤسسات الريادة التي تتضمن مقررات محدودة، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين تلاميذ المدرستين، وهو ما يتعارض جوهريا مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح، كما أن تجربة مدارس الريادة غير قابلة للتعميم في ظل الإكراهات التي تعيق سير عملها على مستوى التأطير التربوي وتأهيل المؤسسات وتجهيزها.
أما في قطاع التعليم العالي، فيبدو أن الوزير الحالي عز الدين الميداوي يسير على نفس نهج سلفه السابق عبد اللطيف الميراوي، إذ سجل القطاع مع بداية الموسم الجامعي والسياسي احتقانا كبيرا لدى الأساتذة الباحثين والموظفين، بسبب مشروع قانون التعليم العالي 24-59 الذي يحمل تناقضات وتراجعات كثيرة تحول الجامعات العمومية إلى شركات مدرة للربح، مقلصا من تمثيلية الأساتذة والطلبة داخل مجالس الجامعات ومجلس الأمناء الذي ستكون له الكلمة الفصل مستقبلا.
فالوزير الميداوي لم يتوقف عند إصدار مشروع قانون جديد مثير للجدل، بل فرض رسوما جديدة على المغاربة من الأجراء والموظفين والطبقة العاملة الراغبين في الدراسات العليا لولوج الإجازة والماستر والدكتوراه، وترك الخيار لرؤساء الجامعات في تحديد السعر حسب كل شعبة، مما يحول الجامعة من فضاء للتعلم والمعرفة المجانية، وللنهوض بالمستوى الاجتماعي والمعرفي للمواطنين، إلى فضاء للتجارة.
وانتقدت هيئات نقابية فرض رسوم مالية على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم العليا، معتبرة أن هذا الإجراء يشكل مساسا بمجانية التعليم العالي، ويخل بمبدأ المساواة في الفرص، ويجعل من الحق في التعليم امتيازا لفئة القادرين ماديا فقط، رافضة القرار المتعلق باعتماد نظام التوظيف بالتعاقد داخل مؤسسات التعليم العالي، محذرة من تداعياته على استقرار الوظيفة العمومية وجودة منظومة التعليم العالي، وحملت الوزير الميداوي المسؤولية لعدم التزامه بالمقاربة التشاركية، وعدم احترام اتفاق 24 يوليوز، خصوصا فيما يتعلق بتسريع إصدار نتائج الترقية لسنة 2023، والعمل على معالجة ملفات الترقيات لسنوات 2024 و2025، وعدم اقتراح حل عادل لملف الأقدمية العامة المكتسبة.
ورفضت النقابة المغربية للتعليم العالي مشروع القانون المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي 24-59 في صيغته الحالية المتداولة، مع تأكيدها على ضرورة سحبه من أجل التعديل والتشاور لأنه لا ينسجم، وفق تعبيرها، مع قيم الجامعة واستقلاليتها، وينذر بهيمنة كاسحة للقطاع الخاص، ويهدد الجامعة العمومية في وجودها ووظائفها ويعزز مناخ التمييز والإحباط والتفاوت المجالي والاقتصادي والمجتمعي، ودعت إلى “توسيع دائرة التشاور بشأن الإصلاح البيداغوجي، من أجل التجويد والتطوير داخل الهياكل الجامعية المختصة، بما يسهم في تكريس الشرعية والمصداقية، ويضمن جودة التكوين مع ضرورة تعجيل البت في بعض قضايا الملف المطلبي الوطني الملحة”.
وبالنسبة لوزير الصحة أمين التهراوي، فلم يتوقع أن يجد نفسه أمام احتقان شعبي وداخلي كبير جعله يندم على قبول قطاع مليء بالتجاوزات والمشاكل المتراكمة، لعدة أسباب، منها تراكم الملفات وتهاون المسؤولين وتدخل اللوبيات، حيث وجد نفسه مضطرا للنزول من مكتبه إلى الميدان وتفقد المستشفيات التي تعيش على وقع اختلالات وأوضاع جد مزرية لا تليق ببلد يستعد لتنظيم المونديال و”الكان” واستقبال المشجعين.
فالوزير التهراوي ظل منذ عدة أشهر داخل قلعة الوزارة بالرباط مهتما بالصفقات، بعيدا كل البعد عن المشاكل والاختلالات التي تعرفها المستشفيات الإقليمية والجهوية والجامعية، والاحتقان المتزايد في صفوف المواطنين والأطر الصحية، بسبب قلة الإمكانيات وغياب التجهيزات وضعف الخدمات، بينما القطاع الخاص تتوفر فيه جميع الموارد البشرية والتجهيزات، بالإضافة إلى السماح لأطباء المستشفيات العمومية بالعمل فيه بترخيص من الوزارة، مما يزيد من تدهور الخدمات الصحية في القطاع العام.
فقد اصطدم الوزير التهراوي بكثرة شكايات المواطنين حول الأوضاع المزرية داخل المستشفيات، بعد احتجاجات أكادير، التي ظهرت في مدن أخرى بسبب تردي الأوضاع الصحية في القطاع العام، والتي تؤكد أن الوزارة ظلت خارج التغطية وغير مهتمة بما يحصل في القطاع العام بسبب الجمود الذي أصاب لجن المراقبة، والمفتشية العامة، التي لا تهتم بما يحصل للمواطنين من تجاوزات وخروقات متعددة كانت تستدعي فتح تحقيقات مثل حالات وفيات الحوامل التي حصلت في أكادير.
بدورها، خرجت النقابات الصحية عن صمتها مطالبة بتسوية المطالب العالقة، من بينها صرف تعويضات البرامج الصحية المستحقة للشطر الأول من سنة 2024 للأطر الصحية العاملة بالمستشفيات، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بصرف باقي أشطر سنتي 2024 و2025 في آجالها المحددة ولجميع الأطر الصحية بالإقليم، داعية الوزارة إلى ضرورة تحسين ظروف الاستقبال والعلاج داخل المستشفيات العمومية، ورفض أي ممارسات استغلالية تؤثر على كرامة الموظفين، مؤكدة أن إصلاح المنظومة الصحية مسؤولية جماعية تتجاوز السياسات الحكومية.

في هذا السياق، اعتبر الوزير السابق مصطفى الرميد، أن المنظومة الصحية تعاني من اختلالات جسيمة بالرغم من الجهود المبذولة، وهو ما جعلها في مواجهة احتجاجات عارمة ضد أوجه الخصاص المتعددة، وضعف الحكامة، وسوء التسيير، خاصة في المستشفيات العمومية، والتي تستدعي من المسؤولين رسم خارطة طريق لإصلاحها بشكل شامل وعميق بعيدا عن الإصلاحات السطحية والمحدودة.
وقال الرميد أن واقع الصحة يحتاج إلى وضع أهداف محددة، ورصد الإمكانات اللازمة لتحقيقها، وإنجاز تعاقدات بين الإدارة المركزية والجهوية مع جميع الوحدات الاستشفائية عبر ربوع المملكة، لتحقيق تلك الأهداف، وتتبع مستمر ومحاسبة دائمة، مؤكدا على ضرورة تمكين الوحدات الاستشفائية من كل الوسائل اللازمة لإنتاج الخدمات الصحية بالجودة المطلوبة، بدءً من البنايات، من حيث صلاحيتها لتقديم الخدمات الصحية الجيدة، ما يستتبع إصلاحها وفق معايير دقيقة. وأوضح الرميد أن هذه التصنيفات ليست هدفا في حد ذاتها، بل الغاية منها تمكين كافة المتدخلين من معرفة مستوى أداء كل مستشفى بكافة مكوناته، ودراسة أسباب تخلف أي مستشفى عن الرقي إلى مستوى اللون الأخضر، مشيرا إلى أن الأمر قد يتعلق بمحدودية الموارد البشرية أو الوسائل اللوجستيكية، وهي مسؤولية الإدارة المركزية والجهوية، أو بسوء حكامة وتدبير، وهو ما يتطلب تجديد المسؤولين عن تدبير تلك الوحدات، داعيا الوزير إلى العمل ليل نهار على تحقيق التزاماته وأن لا ينتظر اشتعال الحرائق ليبدأ في رحلات “دونكيشوطية” للقيام بعملية الإطفاء.



