المنبر الحر

المنبر الحر | لماذا يحتج ” جيل Z ” ؟

بقلم : حسام بوزكارن

         تحت سماء المغرب الذي يمشي بسرعتين، يخرج اليوم جيل كامل إلى الشوارع. لست دخيلا، فأنا واحد من هذا الجيل الذي ولد في عصر الثورة الرقمية، فشبابنا لم يخرج بحثا عن المجد، بل لأن الصمت لم يعد ممكنا ولا الوضع يطاق، ليس فقط قرارات سياسية تقتل الوطن ببطء، بل أيضا أعباء اقتصادية تخنق أحلام جيلنا وتسرق أبسط حقوقه في العيش الكريم. كيف ننقذ وطنا نحبه؟ وكيف ننقذ في الوقت نفسه حياتنا من الضياع ؟

المشهد المغربي متناقض لأبعد الحدود ملاعب عملاقة تشيد بسرعة، بينما تنتظر المستشفيات العمومية دورها منذ عقود؛ مليارات تصرف على استضافة مونديال 2030، بينما يموت مواطنون بسبب نقص الإمكانيات الطبية الأساسية؛ مشكلتنا ليست في الطموح الرياضي، بل في اختلال البوصلة السياسية التي وضعت الإسمنت فوق أرواح المغاربة.

حين تصبح الحياة رفاهية

تتمة المقال تحت الإعلان

شهد قسم الولادة بمستشفى الحسن الثاني بمدينة أكادير مأساة هزت الضمير الوطني المغربي، حيث فارقت ثماني نساء حوامل الحياة في ظروف كان يمكن تجنبها، ولست ضد القدر، لكن هذه المآسي لم تكن محتومة، عائلات بالكامل تحطمت، وأسئلة تطارد كل مسؤول كانت له يد في هذه الفاجعة أين كنتم ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

وفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2023، يملك المغرب 7.7 طبيب فقط لكل 10000 نسمة، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بخمسة وعشرين طبيبا، وهذه الفجوة ليست رقمية فحسب، بل هي فجوة بين الخطاب السياسي الوردي والواقع الأسود، فعندما يخرج شاب إلى الشارع مطالبا بإصلاح قطاع الصحة، فهو لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحق مشروع له أصلا، لكننا للأسف، انتقلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحق المشروع مطلبا، أما السياسيون الذين أنفقوا المليارات على الملاعب خلال عامين، فيخبروننا أن مشاكل الصحة موروثة منذ عقود، وكل حكومة تلقي اللوم على سابقتها. هذا التناقض مؤلم حقا، فإذا كانت الإرادة السياسية موجودة للإسمنت، فلماذا تغيب عن الأرواح ؟

عندما يقابل السلم بالعنف

خرجت الاحتجاجات سلمية، واضحة المطالب.. لم يكن هناك تخريب، ولا عنف، ولا دعوات للفوضى، فقط أصوات شابة تطالب بإصلاحات في القطاع الصحي والتعليمي، وإسقاط الفساد، إضافة لعيش كريم وعدالة اجتماعية، لكن المقاربة الأمنية التي تبناها المسؤولون كانت الخيار الأسهل والأخطر مشاهد لشباب يجرون في الشوارع، وصحفيون يمنعون من تأدية عملهم، شاب كان يصرح أمام الكاميرات معبرا عن حبه للوطن وحرقته على أوضاعه، ثم يعتقل بعد ثوان معدودة، فأي رسالة ترسل هنا ؟

القمع ليس علاجا للأزمات، بل تعميق لها، والقرارات السياسية القصيرة النظر التي تراهن على الخوف بدلا من الحوار، لا تصنع استقرارا، بل تراكم غضبا، لذا فالمطلوب ليس المزيد من الهراوات، بل مسؤولين سياسيين يملكون الشجاعة للاعتراف بالخطأ، والحكمة لتصحيح المسار، والإنسانية للاستماع لنبض الشارع، فالشباب اليوم ليسوا ثوريين متهورين كما يقال، بل مواطنون يستعملون حقهم الدستوري في التعبير، وعندما يقابل هذا الحق بالعنف، فالمشكلة ليست في المتظاهرين، بل في القرارات السياسية التي اختارت الإخماد على الإصلاح.

بين الوطنية المزيفة والحب الحقيقي

من أكثر ما يؤلم في هذا السياق، ليس القمع نفسه، بل الاتهامات (خونة، عملاء، جيل فارغ، أدوات في يد جهات خارجية).. كلمات تطلق بسهولة من أفواه البعض، علما أن الخيانة الحقيقية ليست في الاحتجاج السلمي، بل في القرارات السياسية التي أفقرت المستشفيات العمومية وأغنت المستشفيات الخاصة، وهم لها مطبلون، الخيانة في ميزانيات تبدد على مشاريع دعائية بينما ينتظر مريض السرطان دوره شهورا للحصول على علاج قد يكون متأخرا وقد يموت وهو ينتظره.

حركة GenZ 212 لم تولد من فراغ، ولم تصنع في غرف مظلمة بتمويل أجنبي كما يحلو للبعض أن يتوهم، بل ولدت من رحم المعاناة اليومية لشبابنا أم تموت لأن المستشفى يفتقر للإمكانيات، طالب يدرس في قسم مكتظ بـ 40 تلميذا، شاب حامل لشهادة عليا يبحث عن عمل لسنوات دون جدوى. ليست الدولة هي العدو، بل القرارات السياسية الخاطئة، ليست الدولة هي المشكلة، بل السياسيون الذين يديرون قطاعاتها بعقلية الأمس، فـجيل Z لا يريد هدم الوطن، بل يريد بناءه على أسس سليمة، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، وأولويات واضحة تضع الإنسان قبل الإسمنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى