متابعات | مفارقة صادمة.. مدارس الريادة العمومية تخدم مصالح المدارس الخاصة
التعليم في عهد الوزير برادة
لا زال مشروع مدارس الريادة الذي اعتمدته وزارة التربية الوطنية، يخلق جدلا واسعا داخل التعليم العمومي، بسبب أهدافه الحقيقية وماذا بعده.. لاسيما في ظل تراجع مستوى التدريس واعتماد مقررات أقل من مستويات التلاميذ، مما يطرح التساؤل: هل الوزارة تسعى إلى تطوير التعليم، أم إلى تدني المستوى لخدمة التعليم الخصوصي ؟
فبعد سنوات طويلة من التجارب والإصلاحات التعليمية الفاشلة، واختلالات البرنامج الاستعجالي، جاءت وزارة التربية الوطنية بمشروع المدارس الرائدة كوصفة سحرية لشفاء علل التعليم المغربي، فالمشروع لا يشمل كل مدارس البلد، لكن وزارة التربية أكدت أنها ستعمم هذه التجربة “الإصلاحية” على المدارس على نحو تدريجي في ظرف ثلاث سنوات فقط، بحيث يدخل هذا البرنامج ضمن الوصفات التي تعتمدها الوزارة في عهد الحكومة الحالية من أجل الرفع من جودة التعلمات وتطوير مستوى التدريس.
إعداد: خالد الغازي
مشروع مدارس الريادة جاء ليركز على المشاكل التعلمية والتعليمية للتلاميذ المتعثرين، أكثر من الفئات الأخرى، كالمتفوقين والمتميزين، إذ من خلال الأنشطة والاختبارات المتدنية، تبين للأطر التربوية أنها تكرس تهميشا للتلاميذ المتفوقين، الذين لا يجدون صعوبة في التعلمات البسيطة، سواء في الحساب أو القراءة أو التعبير الشفهي والإنشاء، إذ قررت الوزارة اعتماد مقاربة “طارل” الهندية لتحسين مستوى التلاميذ المتعثرين، عوض أن تقوم بفرزهم أو تخصيص أقسام لهم، لكن البرنامج الذي فرض على الأطر التعليمية لم يترك لهم المجال للاجتهاد والعمل خارج البرنامج وفق منهجية مستقلة تراعي ظروف التلاميذ بجميع أصنافهم، بينما تسير الأمور بشكل عادي ومتوازن في المؤسسات العمومية الأخرى التي تعتمد النظام القديم غير نظام الريادة.

بهذا الخصوص، يرى عبد الله اغميمط، الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي)، أن مشروع مدارس الريادة هو مشروع فوقي، لم يتم فيه إشراك النقابات ونساء ورجال التعليم، ولا الأسر والمجتمع باعتبار المدرسة العمومية مجتمعية، وانطلاقا من الملامح الأولى للمشروع والأهداف التي يعلن عنها والتي نعتبرها ليست جديدة، عبر عنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والبرنامج الاستعجالي، الذي لم يحقق تلك الأهداف، ثم الرؤية الاستراتيجية، والقانون الإطار لإعطاء تأطير قانوني للإصلاحات، ومنه يظهر أن خارطة الطريق 2022-2026 تشكل امتدادا موضوعيا لهذه البرامج التي جاءت بها الوزارة على مدى أكثر من عقدين، والتي تبقى بالنسبة للمجتمع – في نظرنا – برامج تخريبية، لأنها فعلا أضعفت المنظومة ونقلت المدرسة والتعليم العمومي من وضع الجاذبية إلى اللاجاذبية، ولهذا نعتبره منهجا تدخل فيه إرادة البنك الدولي، لأن المؤسسات المالية الدولية المانحة هي التي فرضت هذه المشاريع وترهن الدعم والتمويل بمدى تطبيق المضامين والأهداف من المشروع.
واعتبر نفس المتحدث، أن مؤسسات الريادة هي مؤسسات تعمم الفشل، لأن مجموعة من التلاميذ في قسم موزعين بين المسار 1 و2 و3، أغلبهم يوجدون في المسار الأول غير متمكنين بنسبة معينة، ولكن الأطفال الذين في المسارين 2 و3 هم المتمكنون من التعلم، والمتميزون والمتوسطون داخل مدارس الريادة بنسبة 20 في المائة، لكن بفعل هذه البرامج يلاحظ نزول مستواهم إلى المسار 1، وبالتالي، فالتعلمات التي نعتبرها ترفع نسبة التملك وتشجع التميز وتهتم بالتلاميذ المتفوقين، لم تعد موجودة، لهذا أصبح الآباء والأمهات ينقلون أبناءهم من التعليم العمومي إلى التعليم الخصوصي، وهذا نوع من التشجيع على الهروب من التعليم العمومي، بالإضافة إلى أن التلاميذ في أقسام الريادة يجدون أنفسهم أمام إشكالية نزول المستوى من حيث التعلمات التي تقل عن مستواهم، ويصبحون غرباء داخل الأقسام، أو يصبحون في مستوى غير المتمكنين في المسار 1.
وحسب اغميمط، فإن مدارس الريادة هي مشروع فاشل، موضحا أن “مشروع الريادة خطير، لذلك يجب أن يتوقف، إذ سيقضي على المدرسة العمومية، وهذا أقصى هجوم يمارس داخل حقل التعليم، فكل ما يقال من شعارات وتصريحات وادعاءات، غير صحيح، لأن الواقع يقول شيئا آخر، وحتى الأساتذة الذين يشتغلون في الريادة، غير راضين، ويقولون نحن محتجزين، لنرفع الأرقام عبر التقويم رغم مستوى التلاميذ غير الجيد، فلا أحد راض، سواء الأساتذة أو المدراء أو المفتشين والمسؤولين الإقليميين، وبالتالي، فهذا البرنامج يدار مركزيا من قبل أشخاص بعيدين كليا عن منظومة التعليم، قادمين من مجالات أخرى، داعيا الحكومة والدولة إلى إعادة الاعتبار لقطاع التعليم حتى يسترجع عافيته ويقوم بأدواره الطلائعية في التنمية والتقدم في المجتمع”.

من جهته، اعتبر يونس فيراشين، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن مؤسسة الريادة للأسف تحاول تهييئ التلاميذ للمؤشرات الدولية، للإجابة عن الأسئلة التي توضع فيها، وكذلك هناك تحول في النموذج البيداغوجي، حيث مررنا من اختيار استراتيجي لبناء الكفايات إلى اختيار بناء التعلمات أو نوع من الدعم التربوي، أي التعلمات الأساس، والجانب الآخر هو أنها تحد من الإبداع ومن حرية المدرس الذي تحول إلى آلة للتنفيذ بعد تلقيه مجموعة من التعليمات يقوم بتنفيذها.
وأوضح فيراشين، أن المسألة الأخطر بعد خروج الآباء والأمهات للاحتجاج، أن مجموعة من التلاميذ المتفوقين وجدوا أنفسهم أمام مستوى أدنى من مستواهم الدراسي، وبالتالي، فهذا البرنامج يزيد من إضعاف المدرسة العمومية، لهذا سنواصل متابعة الموضوع لإصدار موقف رسمي من مشروع مدارس الريادة، مضيفا أن المشروع هو مجرد فترة تجريبية، حسب الوزارة، رغم توفير التجهيزات وإعادة التأهيل في المؤسسات، والتي تظل فقط نقطة الضوء الوحيدة في هذا المشروع، لكن خلال الموسم الحالي، لم تستفد العديد المدارس المصنفة ضمن الريادة، من تجديد البنيات التحتية وتأهيلها، ولم تتوصل بالكتب المدرسية ولا بالحواسيب واللوازم الأخرى.
وواصل المتحدث ذاته قائلا أن المشاريع التي تطبق في قطاع التعليم ليست مشاريع مبنية على أساس نظري ونقاش مفتوح بين كل الفاعلين، فقط نأتي بمشاريع محدودة في الزمان ودائما لها عنصر تجريبي، ونجرب كل سنة في مؤسسات التعليم العمومي، ولم يبق لنا إلا السقوط في الفشل مرة أخرى، مشيرا إلى أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين سبق أن أصدر رأيا في موضوع مدارس الريادة، وكان من المفروض بالنسبة للوزارة أن تقوم بالاستماع إليه، مطالبا الحكومة بأن ترجع إلى القضايا الكبرى المتفق عليها، ويكون النقاش عموميا بإشراك الجميع، لكي يشمل الإصلاح المنظومة برمتها، وليس بمقاربة تقنية، بل إصلاح برؤية سياسية ولديها طابع استراتيجي.
فقد سبق أن اعتبر تقرير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بشأن تقييم نموذج مدارس الريادة، أن هذا النموذج قد يؤدي إلى تكريس الفوارق بين المؤسسات التعليمية بدلا من تقليصها، حيث أن الفجوة بين الجهات وداخل كل جهة، لا تزال واضحة، ما يستدعي إعادة النظر في آليات تنفيذ المشروع لضمان تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
وحسب التقرير، فإن مشروع المدارس الرائدة يقتصر على تحسين مستوى التحكم في المعارف الأساسية دون أن يأخذ بعين الاعتبار الكفايات التي تعتبرها الرؤية الاستراتيجية أساسية، مثل الابتكار والإبداع والتفكير النقدي، وبالتالي، تظل التعديلات جزئية ولا تضمن تحولا عميقا في النموذج التربوي الوطني، أو إعادة هيكلة شاملة ومنهجية للمناهج والممارسات التعليمية عبر جميع المواد الدراسية.
وأبرز التقرير أن هناك تحديات في المؤسسات الموجودة في المناطق النائية، حيث لا تتم تلبية الاحتياجات الأساسية، مثل الربط بشبكة الكهرباء، وتوفير خدمة أنترنيت موثوقة، أو حتى وجود فضاءات تعليمية ملائمة، علما أن هذه الصعوبات تؤثر في قدرة المدارس على الاستفادة من الابتكارات التربوية والفرص التي يوفرها المشروع، مما يعزز الفوارق في الأداء بين التلاميذ، كما رصد تحديات أخرى منها التأطير التربوي للأساتذة من قبل المفتشين والمفتشات، فعدد هيئات التأطير التربوي غير الكافي، يجعل من الصعب تغطية جميع المدارس بنفس الوتيرة، خصوصا في المناطق القروية حيث تتفاقم هذه الصعوبة بسبب الهدف الطموح للمشروع.
وأشار المجلس إلى قيود قد تعيق تقدم مشروع المدارس الرائدة، لا سيما فيما يتعلق بتوجهات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 وأحكام القانون الإطار 51-17، وتتصل هذه القيود بعدة جوانب، مثل النموذج التربوي، والحكامة، والتقييم، ودرجة انخراط الفاعلين التربويين.

وقد سبق أن أكد الخبير التربوي والوزير السابق خالد الصمدي، أن المشروع هو انزياح غير مفهوم عن مقتضيات الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار الذي اعتبره الملك إطارا تعاقديا ملزما للحكومات المتعاقبة، وأنه جاء ليقطع مع الدوامة الفارغة للإصلاح وإصلاح الإصلاح، معتبرا في تدوينة له، أنه ليست هناك استمرارية ولا تراكم في تنزيل الإصلاح طبقا لمقتضيات القانون، وأن لجنة قيادة الإصلاح التي كان من المقرر أن تعقد 8 اجتماعات في أربع سنوات، لم تعقد إلا اجتماعا واحدا يتيما، مع تعطيل المخطط التشريعي وخارطة تنزيل الإصلاح المصادق عليهما سنة 2021، الشيء الذي جعل الإصلاح يسير بدون بوصلة.
وانتقد الصمدي، منهجية الوزارة بعدما وضعت كل بيض الإصلاح في سلة تجربة مدارس الريادة، التي جاء تقرير المجلس الأعلى ليقول للعاملين على تقييمه، أنها تعاني من أعطاب في الرؤية وصعوبات في التنزيل تجعلها غير قابلة للتعميم، مؤكدا أنه بهذا التقييم الخارجي السلبي الصادر عن مؤسسة دستورية استراتيجية، نكون قد ضيعنا مرة أخرى أربع سنوات من زمن الإصلاح مع كامل الأسف، انتهت بإعفاءات تعيد بعض المسؤولين إلى منازلهم، لكنها لن تعيد بالتأكيد عداد الإصلاح إلى الوراء، بما لذلك من انعكاسات سلبية على المنظومة التربوية برمتها لا تقدر بثمن.
حسب العديد من المحللين والمراقبين، فإن مدارس الريادة ستكون خطوة لتعبيد الطريق نحو خوصصة التعليم العمومي مستقبلا، أو وسيلة لخدمة أرباب التعليم الخصوصي الذين سوف يستفيدون من تخفيض مستوى التدريس لدى التلاميذ، مما سيؤدي إلى هجرة التلاميذ المتفوقين والمتميزين إليها بسبب المقررات الدراسية الضعيفة، التي يدرس بها أطفال القطاع الخاص في الابتدائي، يدرسها تلاميذ العمومي في الإعدادي.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيكون مشروع مدارس الريادة على غرار مشروع البرنامج الاستعجالي، الذي التهم 4 ملايير دولار، وكان مصيره الفشل والخروقات والاختلالات المالية التي أدت ببعض المسؤولين إلى القضاء؟ وهل ستعلن الحكومة عن فشل مدارس الريادة قبل نهاية ولايتها ؟



