تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | ذوو الاحتياجات الخاصة.. لا تعليم لا شغل لا صحة

يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة والأشخاص في وضعية إعاقة، إقصاء ممنهجا من قبل الحكومة على مستوى الحق في التعليم والحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي والشغل في ظل شعار “الدولة الاجتماعية”، الذي يتغنى به وزراؤها في البرلمان وفي القنوات العمومية، حيث أن المنظومة التعليمية والتربوية والوزارة الوصية على القطاع في بلادنا لا تؤمن بحق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في التمدرس في المدرسة العمومية، كما أن الحق في الصحة غير متاح لهذه الفئة بسبب حرمانها من الاستفادة من التغطية الصحية و”أمو-تضامن” والدعم المباشر، إلى جانب الحق في الشغل الذي يبقى صعب الرهان بسبب الحرمان من التكوين المهني وضعف نسبة الولوج للوظيفة العمومية.

إعداد: خالد الغازي

    يرى يدير اكيندي، خبير في التنمية الشاملة والإعاقة وأستاذ العلوم الاقتصادية والاجتماعية، أن العديد من الأطفال في وضعية إعاقة في سن التمدرس مازالوا خارج المؤسسات التعليمية، وحاليا لدينا 42 في المائة من الأطفال في وضعية إعاقة في سن التمدرس هم المتواجدين في المدرسة، وهذا يسائلنا، وأضاف أن الحق في التعليم يتطلب مواكبة وتوفير الموارد البشرية والمادية، وتغير العقليات لدى العاملين في المؤسسات التعليمية، لدى المدراء والنواب والمفتشين والمجتمع بشكل عام، لأن المشكل ليس في ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن في المجتمع، وفي المجتمع نضع العراقيل أمامهم وننظر إليهم نظرة نمطية ونضعهم في درجة دنيا، مشيرا إلى أن هناك ملاحظة سجلتها اللجنة الأممية لحقوق الإنسان في تقريرها حول المغرب سنة 2017، كون الأطفال في وضعية إعاقة يلجؤون إلى مراكز مختصة أو الجمعيات لكي ينالوا الحق في التربية والتعليم، عوض أن يتم فتح مجال التدريس أمامهم لكسر الصورة النمطية والمساهمة في ولوج هذه الفئة للتعليم.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقال نفس المتحدث، أن الدولة ووزارة التضامن في إطار صندوق التماسك الاجتماعي، لديها برنامج لدعم تمدرس 30 ألف طفل بشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، معتبرا أن وزارة التربية الوطنية غير مؤهلة لاستقبال هؤلاء الأطفال في المؤسسات التعليمية، لأنها لا تتوفر على البنية التحتية اللازمة والموارد البشرية، ويجب أن تكون هناك فترة انتقالية لمدة خمس أو ست سنوات، يكون فيها العمل بالتدريج وإتاحة الفرصة لوزارة التعليم لتحضير الموارد البشرية والمؤسسات، وتوفير الولوج بشكل عادل للمصالح والبرامج والمقررات، ويكون هناك عد تنازلي لعدد الأطفال الذين يعودون للمدرسة العمومية، وتوعية أطر التربية الوطنية بالحق الأساسي للتلميذ، لأن هناك أطرا لا يستوعبون أن الأطفال في وضعية إعاقة ومن حقهم التمدرس، وهناك حواجز نفسية وهناك رفض البعض لهؤلاء الأطفال، وكلها عراقيل تقف أمام الحق في الولوج إلى التعليم، وقال: “مشكل الأشخاص في وضعية إعاقة مترابط، حيث أن 42 في المائة من الأطفال لا يلجون للتعليم، و62 في المائة لا يستطيعون الولوج إلى الخدمات الصحية حتى لو كانت متواجدة حسب البحث الوطني الثاني لسنة 2014، لعدة أسباب، منها العراقيل المادية، كون أغلبية الأشخاص في وضعية إعاقة (80 في المائة)، يعيشون تحت مستوى الفقر، وهناك فئات في العالم القروي هذه الخدمات لا يصلون إليها، وهناك نقص كبير في الموارد البشرية المؤهلة في مجال الصحة التي تشتغل إلى جانب الأشخاص في وضعية إعاقة، بتواجد أقل من 200 طبيب فقط في الترويض البدني والرياضي، ونقص في الترويض الذهني والبدني والنطق والمواكبة الحياتية لهم، وبالتالي، فهذا العجز في الخدمات الصحية والعجز في الخدمات التربوية والتعليمية، لا يمكن أن يكون هناك أشخاص في وضعية إعاقة مؤهلين للولوج للشغل لأنهم لم يدرسوا، لهذا فمعدل الأشخاص في وضعية إعاقة يفوق ست مرات المعدل الوطني 12.8 في المائة، يعني أن أكثر من 65 بالمائة معدل البطالة الاشخاص في وضعية إعاقة، مؤكدا أن الولوج إلى ميدان الشغل فيه مشكل كبير بالنسبة لهذه الفئة رغم وجود القانون الإطار للقطاع العام، حيث لدينا 1050 موظفا فقط والغالبية من الأشخاص في وضعية إعاقة ليست لهم شواهد، وبالتالي تقع المسؤولية على الدولة والحكومة، هذه الأخيرة عليها أن تفتح مجال الشغل للأشخاص الذين ليست لهم شواهد، لأنه خطأ الدولة التي لم توفر لهم الولوج إلى المدرسة ولم توفر لهم الإمكانيات للولوج للمجال الصحي، كمثال على ذلك، التسقيف في 40 سنة من قبل وكالة التشغيل “أنابيك” مثل الأسوياء، بينما المفروض رفع السن إلى 45 سنة بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة تعويضا عن العراقيل التي وجدوها في الولوج للتعليم والتكوين.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأشار المتحدث ذاته إلى أن المشكل في المغرب يكمن في تنزيل القوانين رغم وجود نصوص متقدمة، حيث أن قانون الولوجيات الموجود منذ سنة 2003 غير مفعل حتى اليوم، وقانون الإطار الصادر سنة 2016، يتضمن 26 فصلا، 41 في المائة من النصوص غير مفعلة، وقانون الحماية الاجتماعية 09-21 الذي يحدد أربعة مخاطر فقط للاستفادة من التغطية الصحية، لا تتضمن الإعاقة بينما تحدد منظمة العمل الدولية تسعة مخاطر، لذلك نجد أشخاصا في وضعية إعاقة لا يستفيدون من الدعم الاجتماعي، معتبرا أن المشكل ليس في القوانين، لكن في تنزيلها وتفعيلها على أرض الواقع، عبر توفير الموارد المالية والبشرية، والتحسيس بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، للخروج من الصور النمطية عند الناس.

من جانبه، يقول الحقوقي إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن وضعية الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب لا تزال بعيدة عن المعايير الدولية رغم المجهودات المبذولة، لأن الأرقام تكشف أن السياسات العمومية ما تزال بعيدة عن ضمان الحقوق الأساسية لذوي الاحتياجات الخاصة، على مستوى التعليم والصحة والشغل، داعيا إلى إرادة سياسية قوية لتفعيل القوانين وتخصيص ميزانيات كافية، لأن احترام حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ليس منّة أو إحسانا، بل هو التزام قانوني ودستوري وأخلاقي، وأن إقصاء هذه الفئة يكرس التمييز ويناقض مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية، مع ضرورة إشراك منظمات الأشخاص في وضعية إعاقة في بلورة وتتبع السياسات العمومية.

وأضاف المتحدث ذاته، أن الرابطة تتابع باهتمام بالغ وضعية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إدراكا منها بأن كرامة هؤلاء جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن، وأن احترام حقوقهم هو معيار أساسي لمدى التزام الدولة المغربية بتعهداتها الوطنية والدولية في مجال حقوق الإنسان، وانطلاقا من دستور 2011 الذي نص في فصله 34 على إلزام السلطات بوضع سياسات عمومية موجهة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، والقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب سنة 2009، موضحا أن نسبة كبيرة من الأطفال في وضعية إعاقة خارج المدرسة بسبب غياب المدارس الدامجة وضعف الوسائل البيداغوجية، إلى جانب غياب التجهيزات والولوجيات في المؤسسات التعليمية التي ما زالت غير كافية، مع قلة الأساتذة المكونين في التربية الدامجة، مشددا على أن التعليم الشامل هو المدخل الأساسي لضمان تكافؤ الفرص، وذلك من خلال تعميم المدارس الدامجة المجهزة بالوسائل البيداغوجية والتكنولوجية، وتكوين المدرسين في التعامل مع الإعاقات المختلفة، وتخصيص منح دعم للأسر الفقيرة التي لها أبناء في وضعية إعاقة.

وقال نفس المتحدث، أنه على مستوى التشغيل، فالغالبية الساحقة من الأشخاص في وضعية إعاقة هم خارج سوق العمل أو في وضعية بطالة طويلة الأمد، رغم التنصيص القانوني على نسبة 7 % في مباريات التوظيف العمومي، وأيضا في القطاع الخاص، لأن تطبيقها يعرف اختلالات كبيرة، مشيرا إلى أن هذه الشريحة تعاني في الولوج إلى الخدمات الصحية، سواء من حيث التجهيزات الطبية أو الولوجيات داخل المستشفيات، وارتفاع ثمن الأجهزة التعويضية (كالكراسي المتحركة والأطراف الاصطناعية)، والتي لا تغطيها صناديق الضمان الاجتماعي بشكل كافي، مطالبا بمجانية العلاجات الأساسية الخاصة بذوي الإعاقة، وإدماج أجهزة المساعدة الطبية ضمن التغطية الصحية، وتجهيز المراكز الصحية والمستشفيات بفضاءات وخدمات ميسرة.

فقد سبق أن أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عدة توصيات، يوصي فيها الحكومة بضمان تربية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في نظام التربية الوطنية على قدم المساواة مع الأطفال الآخرين، بما في ذلك أقسام الإدماج المدرسي والمؤسسات التعليمية المتخصصة، وجعل الولوجيات في المدارس العادية إلزاميا، وتنفيذ إجراءات زجرية عند منع أي طفل في وضعية إعاقة من التسجيل في المدارس، وتهيئ وتجهيز عدد كاف من مدارس الادماج المدرسي والمؤسسات الخاصة، وضمان سيرها، وتوفير المساعدات الضرورية في حال تسييرها من طرف الجمعيات عبر عقود إلزامية واضحة.

ودعا المجلس الحكومة إلى تعزيز ولوج الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الشغل والبرامج العمومية للتكوين المهني والدراسات العليا، وتشجيع مبادرات التشغيل الذاتي ودعم الأنشطة المدرة للدخل، وتوفير المنح الدراسية لفائدتهم، وإصلاح قانون الحصص (الكوطا) للولوج إلى الشغل المخصص للأشخاص في وضعية إعاقة في الوظيفة العمومية، ووضع إجراءات تحفيزية لفائدة المقاولات التي تسعى لتشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة، والتسريع بتفعيل مقتضيات المادة 19 من القانون 07-92 المتعلق بالمهن، التي يمكن إسنادها لهذه الفئة، مطالبا بتقوية الولوج إلى الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، في ظل صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية الخاصة، نظرا لارتفاع كلفتها بالنسبة لمعظم الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة الذين لا يتوفرون على التغطية الصحية.

وحسب البحث الوطني الثاني حول الإعاقة في المغرب سنة 2014، فإن عدد الأشخاص في وضعية إعاقة يقارب 2.264.672 شخص، بحيث أن نسبة تمدرس الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 سنة هو 41.8 في المائة و66.1 في المائة، في حين تمثل نسبة تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة من خفيفة إلى عميقة جدا 55.1 في المائة، أما نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة ممن لديهم مستوى التعليم الثانوي إعدادي وتأهيلي، فلا تتجاوز 9.5 في المائة، بينما نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة ممن لديهم مستوى التعليم العالي تقف عند حدود 1.8 في المائة، كما أن معدل بطالة الأشخاص في وضعية إعاقة بلغ 67.75 في المائة، وهو أعلى بستة أضعاف من معدل البطالة الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى