تحقيقات أسبوعية

تحت الأضواء | مغاربة يتحسرون على أيام الوزيرين الوردي وأيت الطالب في زمن التهراوي

نموذج لوزارة فاشلة في زمن الكفاءات

الرباط – الأسبوع

    بعد عدة أشهر من تنصيبه على رأس وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، استيقظ وزير الصحة أمين التهراوي من سباته، وخرج من مكتبه لتفقد بعض المستشفيات التي تعيش خارج المراقبة وتعرف اختلالات كثيرة في تقديم الخدمات الصحية، ما يضع المسؤول الحكومي في قفص الاتهام أمام الرأي العام بسبب اهتمامه فقط بإبرام صفقات مع المقربين من الحزب، والسقوط في تضارب المصالح من خلال مشروعه الاستثماري لبناء فندق رياضي لركوب الأمواج في منتجع تغازوت.

في ظل الاختلالات والمشاكل الكثيرة التي تعرفها مختلف المستشفيات العمومية في المدن والأقاليم، سواء المستشفيات الجامعية أو الجهوية أو الإقليمية أو القرب، أطلق المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي نداء إلى الملك محمد السادس، يناشدون تدخله لإنقاذ المنظومة الصحية العمومية وتحسين جودتها وإنقاذ أرواح المواطنين، في ظل معاناة المغاربة أمام أبوابها لطلب العلاج وصعوبة الحصول على الخدمات الضرورية، سواء الفحص بالأجهزة أو المواعيد، والدواء، ونقص الأسرة والعناية المركزة..

تتمة المقال تحت الإعلان

وناشد المغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي الملك، من أجل تحويل وزارة الصحة إلى حقيبة سيادية، تحت وصايته، مثل وزارة الداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية، من خلال “هاشتاغ # يا_جلالة_الملك_نريد_وزارة_صحة_سيادية”، عوض أن تظل حقيبة حزبية للمزايدات السياسية تخدم المقربين والقطاع الخاص، الذي أصبح يستفيد بشكل كبير من الأموال المرصودة للحماية الاجتماعية وصناديق التغطية الصحية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فإن قطاع الصحة يحتاج إلى ثورة حقيقية، على غرار الثورة الرياضية التي يعيشها المغرب على مستوى البنيات التحتية والملاعب والمنتخبات، الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلة المنظومة الصحية وتطوير المستشفيات الجهوية والإقليمية ومستشفيات القرب، والنهوض بها من جميع النواحي، على مستوى الموارد البشرية والأجهزة والمعدات والوسائل التقنية، والرفع من الأسرة وجودة الخدمات ومنح المواعيد في أجل معقول يراعي صحة المرضى، معتبرين أن المغرب بلد للاستقرار والتقدم ومقبل على تظاهرات دولية، ومن غير المقبول أن يظل المواطنون يعانون في المستشفيات بسبب قلة الأطباء أو غياب سرير.

وأمام هذا الوضع، يتحسر معظم المغاربة على أيام وزير الصحة خالد أيت الطالب، الذي نجح في تدبير أزمة “كورونا”، كما يتأسف بعضهم على أيام وزير الصحة السابق اليساري، الحسين الوردي، الذي خاض معارك كبيرة في مواجهة القطاع الخاص وشركات الأدوية من أجل النهوض بالخدمات في المستشفيات العمومية والقطع مع ابتزاز المصحات وتخفيض سعر الأدوية، الشيء الذي جعله يتلقى مضايقات وتهديدات من قبل مجهولين، حيث تم توفير الحماية الأمنية له، لكنه بالرغم من ذلك، واصل عمله وحقق قفزة نوعية في القطاع وتعزيز الخدمات الصحية المجانية في جميع المستشفيات العمومية، عكس اليوم، حيث أصبح فيه المرضى بضاعة وزبناء يرسلون إلى الخواص من داخل القطاع العمومي.

كان الوزير السابق الوردي مثلا، مسؤولا حكوميا شجاعا في مواجهة شبكات المصالح واللوبيات المنتشرة في القطاع، وقاد معركة كبيرة في سبيل صحة المغاربة والتصدي للفساد، وتمكن من تخفيض أسعار العديد من الأدوية، مثل دواء التهاب الكبد وأدوية أخرى للقلب والشرايين، ولأمراض مزمنة أخرى، وفرض نفسه خلال المفاوضات مع المختبرات وشركات الأدوية رغم الانتقادات التي وجهت إليه، إلا أن لمسته كانت واضحة لدى عموم المغاربة، لأنه بروفسور يفقه جيدا المجال، ويعرف عن قرب الاختلالات وألاعيب الخواص.

اليوم، عادت الاختلالات والمشاكل المتعددة في القطاع الصحي إلى الواجهة من جديد، بسبب سياسة الحكومة التي لم تأت بالإصلاح الحقيقي للمنظومة الصحية رغم التشريعات والقوانين وإحداث المجموعات الترابية الصحية والجهوية ووكالات في القطاع، إلا أن الهدف الحقيقي لم يتحقق، وهو تسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية والولوج للمستشفيات العمومية بكل أصنافها بدون قيود أو عراقيل، حيث لا زال المواطن المغربي في زمن الدولة الاجتماعية يبحث عن “الواسطة” أو “المعرفة” للقيام ببعض الفحوصات أو الحصول على موعد قريب للعلاج أو الفحص، في عهد التكنولوجيا الرقمية والإدارة الرقمية الشبه غائبة في الخدمات الصحية.

فالوزير الحالي بعد الاحتجاجات التي عرفها المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير، والملقب بـ”مستشفى الموت”، اعترف بوجود اختلالات وتجاوزات خطيرة بسبب التقصير والإهمال المسجل، الذي اعتبره يستوجب تدخلا عاجلا لإعادة الاعتبار لهذا المرفق الصحي الحيوي، مضيفا أن هناك مشاكل أخرى تتعلق بتغيب بعض الأطر الصحية بصفة متكررة ودون مبرر، وأن المستشفى الذي تجاوز عمره 50 سنة، لم يعد قادرا على مواكبة حاجيات الساكنة، مما دفع الوزارة للعمل على إعادة تأهيله من جديد، لكن الوزير لا يعلم أن وضعية هذا المستشفى هي نفس وضعية المستشفيات الأخرى الموجودة في سلا وطنجة والمحمدية وأسفي ومكناس وتطوان والقنيطرة وأزيلال وسطات، وغيرها من المستشفيات المتواجدة في المدن المتوسطة والصغرى، والتي تتطلب بدورها زيارات ميدانية وإيفاد لجن مركزية لمراقبة العمل فيها وإعداد تقارير حول الخصاص والاختلالات والنواقص والاستماع إلى آراء المواطنين.

وقد ظهرت مطالب من قبل فعاليات جمعوية في مختلف المدن، تدعو الوزير التهراوي إلى زيارة مستشفياتها، التي تعاني وضعا مزريا مثل مستشفى مولاي عبد الله بسلا، ومحمد الخامس بمكناس، ومستشفى المحمدية.. للوقوف على الاختلالات التي تعرفها هذه المستشفيات ورفضها التجاوب مع المرضى وعائلاتهم بسبب غياب التجهيزات الأساسية، والاكتظاظ في أقسام الاستشفاء، وتأخر المواعيد الطبية بشكل يضر بحق المرضى في العلاج.

أمام هذه الاختلالات التي تعرفها المستشفيات العمومية في مختلف المدن وضعف الوزارة في حلها، ومواكبتها وإصلاحها بشكل جذري والقطع معها إلى الأبد، يبقى القطاع الخاص (المصحات، المختبرات، العيادات) هو أكبر مستفيد من الوضعية الحالية للمستشفيات الجهوية والإقليمية، لكون الوضع يدفع المواطنين الفقراء وذوي الدخل المحدود، لإنقاذ أرواح مرضاهم والبحث عن العلاج في أسرع وقت لأقربائهم الذين يصارعون الموت، بسبب إغلاق الأبواب في وجوههم من قبل إدارات المستشفيات وأطبائها.

فالوزير التهراوي قام بإعفاء لمياء الشاكيري، المديرة الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة سوس ماسة، والغريب أن الوزير السابق خالد أيت الطالب سبق له إقالتها من منصبها عندما كانت على رأس مديرية الصحة بمراكش، لكن إعادة تعيينها يطرح تساؤلا كبيرا حول المعايير المعتمدة في التعيينات، هل فقط القرابة الحزبية، خاصة وأن المعنية بالأمر قيادية في نفس الحزب الذي ينتمي إليه الوزير ؟

يرى المراقبون أن خروج الوزير التهراوي للوقوف على الوضع الحقيقي للمستشفيات العمومية، جاء بتعليمات عليا، ومتأخر، بعدما ظل غائبا عن الواقع الذي تعرفه معظم المستشفيات والمراكز الصحية الموجودة في المناطق القروية والجبلية، والتي بدورها تفتقد للكثير من الوسائل والأطر الصحية، لكن هذه الخطوة تطرح تساؤلات كثيرة، هل هناك جدية لدى الحكومة والوزارة الوصية للقيام بإجراءات جديدة وشاملة على مستوى جميع المستشفيات، ومعالجة الأزمة البنيوية التي يعرفها القطاع الصحي على الصعيد الوطني، سواء من ناحية البنى التحتية أو الموارد البشرية أو الحكامة والتسيير والمراقبة، والقطع مع احتكار الخواص ؟

تزامنا مع هذا الوضع، عبرت اللجنة الوطنية للأطباء الداخليين والمقيمين، عن احتجاجها على الوزارة، بسبب استمرارها في سياسة التملص من وعودها وتعطيل الحلول، في خطوة تتنافى مع أبسط قواعد الحوار الديمقراطي والمسؤول، معتبرة أن هذا السلوك يعكس استهتارا بمصالح الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الداخليين والمقيمين، كما يشكل إخلالا صريحا بحقوق المواطنين في خدمة صحية لائقة.

وطالبت اللجنة بإشراكها في جميع النقاشات المتعلقة بالنصوص التطبيقية للقانون 08.22، الخاص بإحداث المجموعات الصحية الترابية، وفي إصلاح السلك الثالث من الدراسات الطبية، والزيادة في تعويض الأطباء الداخليين باعتبارهم يقومون بخدمات مهمة في المصالح الاستشفائية، والمساواة في التعويض بين المقيمين غير المتعاقدين، وإصلاح نظام تقييم امتحان التخصص من خلال “زيادة قيمة معامل نقاط التدريب والتكوين المستمر، وتخفيض وزن امتحان نهاية التخصص”، مع منح الحق في دورة استدراكية للراسبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى