تقرير | حكاية مؤلمة لستة مغاربة عالقين في الصومال ويواجهون مصير الإعدام
هل تتدخل الحكومة لحل هذا الملف ؟

في العديد من الدول تقوم الحكومات بمتابعة مشاكل مواطنيها العالقين والمحكومين في الدول الأخرى، نظرا لاهتمام هذه البلدان حتى لو كانت من دول العالم الثالث، بمواطنيها انطلاقا من الجانب الحقوقي والإنساني والدستوري، وذلك من خلال إبرام الاتفاقيات القضائية والأمنية، إجراء الاتصالات وإرسال موظفين من السفارة للاطلاع على ظروف اعتقالهم، قصد مباشرة مسطرة الترحيل لاستكمال عقوبتهم أو إطلاق سراحهم، حسب ملف القضية.
الرباط. الأسبوع
الملاحظ في المغرب أن هناك تجاهلا شبه تام من قبل وزارتي العدل والخارجية، لملفات المغاربة المعتقلين أو المفقودين في الصومال أو ليبيا أو سوريا، ومعتقلي العراق، الذين قضوا سنوات في السجون بدون محاكمة عادلة، بالرغم من شكايات ومراسلات ونداءات أسرهم وعائلاتهم للمؤسسات الحكومية، من أجل إنقاذ أبنائهم من السجون المظلمة، في دول مثل الصومال وسوريا والعراق واليونان وتركيا، وفي دول آسيوية.
الحكاية التالية تتعلق بقضية ستة مغاربة معتقلين منذ أكثر من سنة تقريبا في سجن ولاية بوتلاند التابعة للحكومة الفيدرالية الصومالية، رغم حصولهم على البراءة من القضاء الصومالي، إلا أن استمرار اعتقالهم يطرح تساؤلات كثيرة حول الأسباب وراء ذلك، خاصة في ظل صمت وزارة الخارجية وعدم تواصلها مع السلطات الصومالية من أجل ترحيلهم، رغم توصلها بشكايات من أقرباء هؤلاء الشباب المعتقلين.
وحسب أقرباء هؤلاء الشباب، فقد هاجروا إلى الصومال للعمل في قطاعات مختلفة أو شركات أجنبية لجني آلاف الدولارات والحصول على أجور مرتفعة في منطقة بورتلاند المليئة بالثروات المعدنية والزراعية، والتي تعتبر قبلة للشركات البريطانية والفرنسية والصينية، إلا أن هؤلاء المغاربة فوجئوا من اعتقالهم واتهامهم بالإرهاب والحكم عليه بالإعدام، لكن بفضل مجهودات المحامين، تمكنوا من الحصول على البراءة، الشيء الذي أعاد لهم الأمل في الحياة والحرية.
اليوم، يعيش هؤلاء الشباب محنة الاعتقال في ظروف لاإنسانية بسبب عدم تجاوب وتفاعل الحكومة ووزارة الخارجية بقضيتهم وعدم التواصل مع السلطات الصومالية من أجل ترحيلهم وتنفيذ الإجراءات المواكبة لذلك، رغم توصلها بالخبر عن طريق العائلات أو عبر وسائل الإعلام.
يقول أحد الشباب المعتقلين: “نحن ستة مغاربة معتقلين في الصومال، كنا متهمين بالانتماء لجماعة إرهابية وتجارة الذهب والممنوعات، والكثير من التهم الملفقة، بدون أدلة ولا أي شيء، وبدون ترجمان خلال التحقيق، تم اعتقالنا والحكم علينا بالإعدام وإرسالنا للسجن في محاكمة سريعة بدون محامين ولا هيئة دفاع، ودون الاستماع لأقوالنا، لكن في المحكمة طلبنا من القاضي الترجمة والاستماع إلى أقوالنا لمعرفة الحقيقة والتواصل مع محامينا في إسبانيا والمحامية الصومالية، قصد توضيح الأمر من البداية حتى النهاية، مؤكدين له أننا أشخاص عاديون قدمنا إلى الصومال من أجل العمل، ولا علاقة لنا بالجماعة الإرهابية أو أي منظمة متطرفة”، وأضاف أنه “رغم الحصول على البراءة، ما زلنا معتقلون بدون سبب، وبدون أكل ولا ماء ولا نوم، محبوسون تحت الشمس والبرد والأوساخ، نتساءل ما هو المشكل؟ لماذا نحن معتقلين هنا؟ يقولون لنا لا بد أن تأتي السلطات من بلادكم لكي نطلق سراحكم لأنه ليس لديكم بطائق، طلبنا وثيقة للمغادرة والترحيل من المطار فلم يوافقوا بدعوى قد يحصل لنا مشكل أو مكروه، ويجب تسليمنا إلى جهة مسؤولة أو منظمة، كما طلبنا وساطة الصليب الأحمر”، مشيرا إلى أن ولاية بوتلاند تعتبر نفسها مستقلة ولديها مشاكل مع الدولة ومع العاصمة مقديشيو، وتطلب تسليمنا إلى كينيا أو المغرب أو منظمة حقوقية، وبهذا الشكل تضيع حياتنا في السجن”.
بدوره، أحمد البالغ 37 سنة من عمره، وهو أحد الشباب المعتقلين في سجن الصومال، يروي قصة سفره إلى الصومال ويقول بأنه “فلاح خبير في المجال الزراعي من ضواحي بني ملال، ظل يشتغل لعدة سنوات في الميدان وحقق منه أرباحا مالية مهمة، لكن مع توالي الجفاف وقلة المياه الجوفية وتراجع صبيب نهر أم الربيع، دخل في أزمة صعبة، مما جعله يفكر في العمل في مجال آخر، وبعد أن تلقى اتصالا من صديق يشتغل في الصومال، طلب منه المجيء إلى إفريقيا للعمل في إثيوبيا دون تحديد الوجهة الحقيقية (الصومال)، والعمل في المجال الفلاحي مع أشخاص لديهم نفوذ وأراضي لإقامة مشروع زراعة البرسيم الأخضر ومزروعات أخرى، وتحقيق أرباح مالية كبيرة”، ويضيف المعتقل: “سافرت إلى هناك لقضاء 15 يوما فقط ثم العودة للمغرب، ولم أخبر زوجتي بذلك، لكني فوجئت بنقلي إلى جماعة متطرفة في الصومال، ثم إلى منطقة بعيدة معزولة، وتم سحب هاتفي وأغراضي وجواز سفري، ثم تعرضت لضغوطات ومضايقات من قبل أفرادها، الذين قلت لهم إنني جئت للعمل الزراعي فقط ورفضت الانضمام إليهم أو القتال، ثم وافقوا على تجهيز أرض زراعية للعمل فيها وزراعة الخضر تحت المراقبة، لكني بعد شهر فكرت رفقة أصدقائي في الهروب منهم، ثم اتخذنا القرار وهربنا ليلا لعدة أيام وليالي إلى قرية بعيدة بعد معاناتنا مع الجوع والعطش، حيث ساعدنا زعيمها للوصول إلى أقرب نقطة عسكرية لطلب الحماية”، مردفا أن “شيخ القرية جهز لهم سيارة لنقلهم إلى منطقة قريبة من النقطة العسكرية قرب الحدود، وعند وصولهم إلى المنطقة طلبوا الحماية من عقيد في الجيش الذي يرأس القاعدة، والذي استضافهم وسمح لهم بالمبيت في غرفته تلك الليلة، قبل أن يقوم بتسليمهم إلى مصالح الشرطة الصومالية في ولاية بورتلاند، الذين لم يكونوا في مستوى الثقة، ولفقوا لهم تهمة الانتماء للإرهاب وداعش، وحرروا لهم محاضر مزيفة قبل نقلهم إلى المحكمة العسكرية والحكم عليهم بالإعدام بدون أي دفاع أو الاستماع إليهم، ليتم إعادة النظر في المحاكمة بعدما طلبوا من القاضي استدعاء الشهود وإعادة النظر في الأقوال والإنصات إليهم لمعرفة الحقيقة”.
وقد وجه والد أحد الشباب شكاية إلى وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي، من أجل التدخل لإنقاذ ابنه وإعادته إلى أرض الوطن، بعدما حكم عليه بالإعدام بالمحكمة العسكرية بالصومال ونال البراءة ثم لا زال قيد الاعتقال، مضيفا أن ابنه توجه رفقة بعض المغاربة إلى الصومال من أجل العمل وكسب المال لإعالة أسرهم، فتم اعتراض طريقهم من قبل مجموعة إرهابية قصد استغلالهم، لكنهم تمكنوا من الفرار بعدما سلموا أنفسهم للسلطات العسكرية طلبا للحماية، إلا أنه بعد استكمال التحقيق معهم، تم إجبارهم على التوقيع على محاضر تقر بانتمائهم لجماعة “داعش” واحتجازهم إلى غاية صدور حكم الإعدام، ملتمسا تدخل الوزارة من أجل إرجاع ابنه للمغرب.
من جانبه، قال محمد حمين، والد أحد الشباب، أن ابنه ذهب للعمل لكن الاتصال انقطع معه بشكل مفاجئ بعد شهر، حيث فوجئ باعتقاله في الصومال رفقة شباب آخرين محكومين بالإعدام، لكن بفضل تدخل جمعيات حقوقية والصليب الأحمر، تمت إعادة النظر في الحكم والتحقيق من جديد في القضية، لينالوا البراءة، مشيرا إلى أن الشباب تعرضوا للاحتيال بعدما قالوا لهم أن الهدف هو العمل مقابل أجور مرتفعة في مجالات مختلفة، غير أنهم فوجئوا بنزع ملابسهم وتجريدهم من أغراضهم وهواتفهم من قبل الجماعة المتطرفة، ثم تم احتجازهم وحرمانهم من التواصل مع أهاليهم، مما جعلهم يفرون طلبا للحماية، ملتمسا تدخل السلطات المغربية من أجل إعادة هؤلاء الشباب للمغرب بعدما حصلوا على البراءة التامة.
وحسب بعض المصادر، فإن قضية هؤلاء الشباب وصلت إلى الصليب الأحمر ووزارة الخارجية الصومالية قصد ترحيلهم، لكن المشكل لا زال في السلطات المغربية ووزارة الخارجية التي لم تتفاعل مع الطلبات، ولم تجر أي اتصال مع نظيرتها الصومالية أو مع الصليب الأحمر من أجل التفاوض حول طريقة الترحيل، أو إرسال مبعوث من السفارة المغربية قصد القيام بالإجراءات القانونية قصد ضمان عودتهم للمغرب.



