متابعات | أزمة المقاولات الصغرى بين جشع الشركات الكبرى وفشل سياسة الحكومة

تعاني العديد من المقاولات الصغرى تحديات كثيرة وصعوبات، من أجل الحفاظ على وجودها وتفادي سقوطها في شبح الإفلاس أو التوقف عن ممارسة نشاطها، بسبب السياسة العمومية للحكومة في مجال الاستثمار العمومي او الدعم المخصص لقطاع المقاولات، إذ تستفيد فقط الشركات التي تتوفر على أرقام معاملات كبيرة أو رؤوس أموال مهمة من الصفقات العمومية والعروض الاستثمارية.
إعداد: خالد الغازي
تطرح قضية المقاولات الصغرى العديد من التساؤلات حول غياب استراتيجية حكومية، واضحة المعالم للنهوض بقطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تجد عقبات في الحصول على الدعم او القروض او ولوج الصفقات العمومية، والتنافس حولها في ظل تحكم وسيطرة لوبيات على الصفقات الكبرى والمتوسطة، بحيث تظل نفس الشركات المتعاقدة مع الوزرات هي المحظوظة أكثر في ولوج المناقصة او تقديم العروض والطلبات، بينما غالبية المقاولات الأخرى خاصة في الجهات البعيدة عن المركز التي لا يمكنها الولوج لدائرة الصفقات العمومية
خلال السنة الحالية خصص قانون المالية 2025 حوالي 340 مليار درهم للاستثمارات، إلا أن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة توجد خارج دائرة الاستفادة، من هذه الإستثمارات بسبب عدم اتخاذ أي إجراء بشأن قانون الصادر مند سنة 2013 الذي ينص على تخصيص 20% من الصفقات العمومية لهذه المقاولات، ولكنه لم يُنفذ بعد بسبب عدم صدور المراسيم التطبيقية.
كما أن القطاعات الوزارية والحكومية أصبحت تنتهج سياسة أخرى تكرس الإقصاء الممنهج على المقاولات الصغرى، من خلال اعتماد معايير وشروط صعبة عليها للحصول على الصفقات المتوسطة أو المشاركة فيها، من بينها اشتراط أرقام معاملات كبيرة أو الاشتغال مع الوزارة في برامج أو صفقات سابقة، أو اللجوء إلى عمليات تفاوضية مع بعض المقاولات .
في هذا السياق أكد رشيد الورديغي رئيس الهيئة المغربية للمقاولات الصغرى، على ان المقاولات الصغرى تعيش صعوبة كبيرة في الاستقرار والاستمرار بسبب آجال الأداء مع الإدارات العمومية، إشكاليات الولوج للصفقات والتمويلات البنكية، أيضا الولوج للعقار رهان صعب بالنسبة للمقاول الصغير.
وأضاف ان من بين الصعوبات التي تعاني منها المقاولات، الثقل الضريبي الذي ارتفع من 10 بالمائة الى 20 بالمائة، كلها إكراهات حقيقية ستؤدي الى عدم استمرارية المقاولة، بحيث ان هذه الصعوبات داخل مناخ الأعمال ينتج عنها فقدان مناصب الشغل وبالتالي إفلاس للمقاولة في ظل تزايد الأرقام، مبرزا ان هناك إشكال حقيقي يتطلب إصلاحات مستعجلة لتشجيع المقاول. مبرزا ان الأرقام توضح بالملموس الواقع الذي تعيشه المقاولات الصغرى، بحيث ان 95 بالمائة لا تستفيد من المعارض الدولية وهذا يتطلب الوكالة المكلفة تراجع البرامج والمشاركة في الخارج، حيث ان المقاولات تعاني من القطاع غير المهيكل ويجب وضع برنامج عملي للإجابة عن الاشكالات والمشاكل.
وأوضح ان الرقم في تصاعد وهناك إشكال حقيقي يتطلب اصلاحات مستعجلة لتشجيع المقاول، لأن القطاع غير المهيكل يشكل خطر حقيقي، مشددا على ضرورة تشجيع المقاول الصغير ودعم المقاولة لكي لا يهرب الى القطاع غير المنظم الذي في تزايد، من خلال وضع تحفيزات ضريبية وبنكية وتوسيع ميثاق الاستثمار لكي يستفيد منه المقاول الصغير، عوض ان يظل المقاول الكبير هو من يستفيد منه فقط.
ودعا لعقد مناظرة وطنية للمقاولة الصغرى تضم جميع المصالح والادارات العمومية، لكشف الحقيقة ووضع نموذج لكي للمقاولة التطور والجميع يشارك فيها سواء الحكومة والأبناك، للدفع بالمقاول الصغير نحو الأمام واستمراره في المجال، مشيرا الى ان الهيئة تفكر رفقة بقية الفاعلين لتشكيل الشبكة للحضور والحصول على التمثيلية في المجالس الادارية والترافع من أجل قوانين تحمي المقاولات الصغرى، القيام بالوساطة لدى ادارات العمومية سواء الضرائب والضمان الاجتماعي، التي تخرج قوانين المتعلقة بالمقاول الصغير.
من جانبه أكد المحلل الاقتصادي محمد جدري على أن وضعية المقاولات الصغرى والمتوسطة في المغرب تبعث اليوم على القلق، خاصة في ظل ارتفاع حالات الإفلاس وصعوبة الولوج إلى التمويل والصفقات العمومية، إضافة إلى المنافسة غير المتكافئة مع الشركات الكبرى ومع القطاع غير المهيكل.
وقال جدري أن أكثر من 90% من المقاولات التي تشكل النسيج الاقتصادي الوطني، تُعاني من هشاشة بنيوية تُفاقمها الأوضاع الاقتصادية العالمية، وغياب حماية فعلية داخل السوق الوطنية.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص في التمويل أو التكوين، بل في ضعف العدالة التنافسية داخل السوق. فبعض المقاولات الكبرى تلجأ إلى تأسيس شركات “صغيرة على الورق” فقط، من أجل الاستفادة من برامج دعم أو من التمييز الإيجابي الموجه أصلاً للمقاولات الصغرى، ما يُفرغ هذه السياسات من فعاليتها، ويضع المقاولات الحقيقية في موقع ضعف مستمر.
وشدد المحلل على ضرورة تبني الحكومة سياسة واضحة لتخصيص قطاعات أو مجالات معينة لفائدة المقاولات الصغرى، خاصة في مجالات تتطلب كثافة يدوية أو تكنولوجية معتدلة (كالصناعة التقليدية المهيكلة، الرقمنة، اللوجستيك المحلي، الطاقات المتجددة المصغرة، وغيرها). و إقرار ميزانيات استثمارية موجهة، بشروط تفضيلية، لهذه الفئة من المقاولات، مع تفعيل حقيقي للأفضلية الوطنية ليس فقط في النصوص، بل في التطبيق الميداني للصفقات العمومية.
وتابع أنه لا يمكن دعم المقاولات الصغرى دون التصدي الجدي للقطاع غير المهيكل، الذي يُقوّض الجهود التنموية ويُضعف مناخ المنافسة السليمة. نحتاج إلى إجراءات جريئة، وربما تمييز ضريبي واجتماعي مرحلي، يشجع هذا القطاع على الاندماج التدريجي في الاقتصاد الرسمي.
بحسب المهنيين فإن الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش وضعت سياسة ضريبية جديدة، تزيد من تفاقم وضعية المقاولات الصغرى وتهدد استمرارها، من خلال قانون مالية 2023 الذي تضمن زيادة الضريبة على المقاولات الصغيرة من 10% إلى 20% على مدى أربع سنوات إلى تأثيرات سلبية كبيرة وغير عادلة على هذه الفئة، بحيث أصبحت هذه المقاولات تدفع نفس نسبة الضريبة المفروضة على الشركات الكبيرة، بدعوى توحيد النظام الضريبي. ويرى الخبراء والمقاولين أن الحكومة تفتقر إلى تدابير ضريبية محددة تشجع على تطوير المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين.
وسجلت دراسة للهيئة المغربية للمقاولات الصغرى وضعية مقلقة عن المقاولات الصغرى، حيث رصدت إفلاس33 ألف مقاولة خلال السنة الماضية 2024، متوقعة ان يتجاوز الرقم 40 ألف حالة خلال العام الحالي. مبرزة ان 90 في المئة من المقاولات تعاني من صعوبات كبيرة في ولوج التمويل، وذلك بسبب كثرة الشروط والضمانات المفروضة من طرف مؤسسات الإقراض، بحيث أكدت 76 في المائة منها أن التحملات الاجتماعية، والضريبة على الدخل، والنظام الجبائي وتعقيد المساطر، لا تتناسب مع واقعها المالي.
وأضافت الدراسة ان 70 في المائة من المقاولات تشتكي من معضلة تأخر آجال الأداء، ما يؤثر سلبا على سيولتها وقدرتها على الاستمرار، كما صرحت أنها لم تشارك قط في صفقات عمومية، ما يبرز ضعف إدماجها في منظومة الطلب العمومي، بالإضافة الى ان 97 بالمائة منها لم يسبق لها المشاركة في المعارض الدولية، فيما لم تستفد 52 في المئة منها من أي برامج للتكوين أو تقوية القدرات.



