تحقيقات أسبوعية

للنقاش | أطفال غزة..  كارثة إنسانية أمام العالم

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيئة وجدة

ضحايا الجوع في قطاع غزة فاجعة مهولة ومؤلمة جدا.. وفاة أطفال ومعاناة عشرات الآلاف من سوء التغذية الحاد، في كارثة إنسانية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية.

نداءات تناشد الدول العربية الإسلامية من أجل وقف العدوان، وقالت إحدى الأمهات في غزة أن ابنها عاش على الماء لمدة خمسة أيام وتوفي نتيجة الجوع الحاد، وأمهات غزة يناشدن العالم لإنقاذ حياة أطفالهن من الموت بسبب الجوع، إذ تواصل المجاعة حصد الأرواح مع تفاقم سوء التغذية الناجم عن النقص الكبير في المواد الغذائية بسبب الحصار الصهيوني الظالم أمام أنظار العالم.

تقع هذه الكارثة الإنسانية في قلب الدول العربية الإسلامية الغنية بالبترول والغاز الطبيعي، حيث كشفت بيانات حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة ومقرها واشنطن، أن إيرادات المملكة السعودية النفطية خلال المدة من 2010 إلى 2024 سجلت نحو 10.56 تريليون ريال، ما يعادل 2.81 تريليون دولار، كما تتراوح تقديرات إيرادات السعودية من الحج والعمرة بين 17 مليار دولار سنويا مع توقعات بزيادة هذه الإيرادات تصل إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2030. هذه الإيرادات تأتي من رسوم الحج والعمرة وخدمات إقامة الحجاج ضيوف الرحمان هذا مع العلم أن مكة المكرمة هي ملك لجميع المسلمين لكن مداخيل الحج والعمرة تذهب إلى جهات أخرى منها الخزانة الأمريكية التي تحولها مباشرة إلى الكيان الصهيوني لقتل الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين، ويبلغ عدد الحجاج سنويا مليونا و800 ألف حاج بينما عدد أفراد الجيش الإسرائيلي الذي يقتل أطفال غزة، لا يتعدى 120.000 جندي يستطيع هؤلاء الحجاج أن يدوسوهم تحت أقدامهم بدلا من رمي الجمرات على إبليس.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن حيث القوة العسكرية، دخلت مصر التي تقع على بعد بضعة أمتار من قطاع غزة، قائمة أقوى 10 جيوش في العالم، وهي أقوى دولة عربية في السلاح، حيث تحتل المرتبة الأولى عربيا والمرتبة 15 عالميا، بالإضافة إلى ذلك، تظهر التقارير أن السعودية والجزائر والإمارات تأتي أيضا ضمن أقوى الجيوش العربية لكنها لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل التي تمارس الإبادة الجماعية ضد سكان قطاع غزة وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ بجميع الوسائل المحرمة دوليا، وعلى سبيل المثال، لو أن دولة أوروبية تعرضت لاعتداء مسلح خارجي لقامت قوات الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي بالتصدي لهذا العدوان، لأنها تنفذ سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي طبقا للمادة 3.42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، مثل الفيلق الأوروبي وكذلك مجموعات القتال التابعة للاتحاد الأوروبي.

تتمة المقال تحت الإعلان

في القمة العربية سنة 2007، قرر الحكام العرب تفعيل النشاطات العسكرية وإنشاء قوات طوارئ لحماية المناطق الساخنة التي يقل فيها الأمن مثل العراق والسودان والشام والقرن الإفريقي، هذه القوات العسكرية العربية ذات الهيبة في المكانة العالمية يجعلها في المركز الثالث بعد الصين والولايات المتحدة والهند، ظلت في ثكناتها ولم تفعل شيئا لإنقاذ أطفال قطاع غزة الذين يموتون بالآلاف بسبب الجوع  الحرب الإسرائيلية المدمرة التي تهدف إلى إبادة الشعب الفلسطيني، القوات العسكرية الأمريكية جاءت من وراء المحيط الأطلسي، قطعت آلاف الكيلومترات بجميع الأسلحة الفتاكة لإبادة الشعب الفلسطيني وتغيير الخريطة الجغرافية والسياسية في المنطقة، في حين أن الدول العربية الإسلامية المجاورة لفلسطين وللقدس العربي مسرى الرسول (ص)، ظلت تتفرج على هذه الإبادة الجماعية، إذ كان على دول الجامعة العربية أن تطلب من أمريكا عدم التدخل في حرب غزة والالتزام بالحياد في هذا النزاع المسلح، وفي حالة تدخل أمريكا فإن القانون الدولي سيكون إلى جانب الدول العربية المهددة بحرب الإبادة وقتل الأبرياء لأن من واجب الجامعة العربية الدفاع عن المواطنين العرب وحماية دينهم وأراضيهم.

فرغم السياسة المنحازة لأمريكا، ورغم ما تقدمه الدول العربية البترولية من أموال لأمريكا، فإن الرئيس دونالد ترامب هدد الدول العربية الإسلامية بطريقة علنية عدة مرات بشن حرب جهنمية ضدهم دفاعا عن وجود إسرائيل، فهذا التصريح العدواني يدل على النزعة الحربية التي تعتبر توجها سياسيا أمريكيا في العالم منذ نشأتها إلى يومنا هذا، كما يدل على أن إسرائيل ليست سوى حارسة لمصلحة أمريكا وحلفائها الغربيين في المنطقة العربية، فبدون أمريكا لا يمكن لإسرائيل أن تقاوم وتستمر في وجودها أكثر من أسبوع واحد.

إن السبب الرئيسي الذي أدى إلى تدخل أمريكا المباشر في شؤون دول منطقة الشرق الأوسط وتهديداتها المتكررة، هو انهيار مشروع الوحدة العربية الفاشل القائم على الأوهام والانقسامات والخلافات، والحروب الدموية والافتراءات والأكاذيب والتجني والتهريج والاتهامات المتبادلة داخل جامعة الدول العربية، التي تكلف مصاريف باهظة تؤدى من جيوب المواطنين العرب وتنتهي بتوصيات لا تطبق على أرض الواقع ولم تقدم للمواطنين العرب أي مشروع إيجابي يمكن ذكره، إذ فشلت في حل كافة القضايا العربية العالقة من المحيط إلى الخليج وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث أن منظمة الأمم المتحدة اعترفت بإسرائيل فور قيامها  وأنكرت حق الفلسطينيين، ولم تستطع جامعة الدول العربية إيقاف الحروب الدموية والنزاعات المسلحة بين الدول العربية، ومن المؤلم أن أمريكا تدخلت سياسيا وعسكريا في جميع النزاعات في المنطقة العربية كما تدخلت بشكل مباشر في الحرب على غزة تحت أنظار 22 دولة عربية دينها الإسلام، الذي يحثها على القتال لنصرة المسلمين وعلى الجهاد في سبيل الله، وظلت هذه الدول تتفرج على الإبادة الجماعية ضد شعب مسلم أعزل لا يتوفر على أسلحة ولا على قوة متوازنة مع العدو الصهيوني، لكنه يتوفر على قوة الإيمان بعدالة قضيته التي تخلى عنها العرب، فهذا السكوت عن الحرب العدوانية ضد الشعب الفلسطيني يعتبر استسلاما أمام العدوان الصهيوني وإهانة واضحة لكرامة الأمة الإسلامية، وهو ما يؤكد المقولة التاريخية المشهورة: “اتفق العرب على ألا يتفقوا”.

لقد جاء في القرآن الكريم: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس))، فهل الأمة التي تتفرج على أطفال غزة وهم يموتون جوعا وعطشا وعلى قتل النساء والشيوخ، هي فعلا خير أمة أخرجت للناس؟ هل الأمة التي تعيش في الترف والبذخ وتقيم السهرات والحفلات مع الصهاينة والأمريكان قتلة أطفال غزة يمكن اعتبارها خير أمة أخرجت للناس؟ وهل الأمة التي تقتل بعضها البعض وقتلت خيرة رجالها وأئمتها وعلمائها منذ فجر الإسلام وشنت حروبا دامية فيما بينها، يمكن أن تكون خير أمة أخرجت للناس ؟

فمنذ 14 قرنا مضى على هذه الأمة، لم يشاهد فيها المسلمون خيرا سوى الحروب والاقتتال والتفرقة والنزاعات والأحقاد والفقر والجوع والمرض والتشرد والهجرة إلى البلدان الغربية التي يسمونها بلاد الكفار.. هذا الواقع المأساوي في الدول العربية الإسلامية يذكرنا بما قالته غولدا مائير، التي كانت تدرك جيدا أن العرب المسلمين متفرقين مشتتين لا يقدرون على فعل شيء فقالت سنة 1967: “عندما أحرقت القدس لم أنم طوال الليل، كنت أعتقد أن العرب سينزحون إلى إسرائيل من المحيط إلى الخليج لرمينا في البحر، وفي الصباح لم يقع أي شيء فتأكدت حينئذ أن العرب نائمون لا يستطيعون فعل شيء”.. فمن الموقف المخادع الذي كان يردده الحكام العرب وهو إزالة إسرائيل من الوجود ورميها في البحر إلى الاستسلام والتطبيع مع هذا الكيان الغاصب دون مقابل، في حين ظلت إسرائيل ثابتة على مواقفها منذ عهد هرتزل مهندس المشروع الصهيوني الاستيطاني لإقامة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي، وجاء رد شارون، مجرم مجزرة صبرا وشاتيلا على مبادرة السلام العربية المعلنة في قمة بيروت، بمذبحة جنين ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقال مخاطبا العرب: “أنا شارون الذي تعرفونه جيدا، لست هازلا عندما أقول على لسان الشعب الإسرائيلي أن الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط هي أرض إسرائيلية، فاعترفوا بنا مجانا بلا مقابل وافتحوا أبوابكم وأسواقكم”، وأضاف: “نحن أخذنا الأرض بالقوة وأنتم العرب تقولون في كل مناسبة: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”، فانزلوا إلى الميدان إذا شئتم وجربوا مرة أخرى عضلاتكم إذا لم تكونوا قد شبعتم من الضرب والإذلال، وكان الرد العربي هو الهرولة إلى التطبيع بلا مقابل مع الكيان الصهيوني خفية وعلانية فأصبحت أجساد الحكام العرب واهنة وإرادتهم ضعيفة فتحولت حقوق الشعب الفلسطيني إلى تنازلات وتحول الممكن إلى أمنية، وربما إلى مستحيل حتى صارت الأمة العربية لا تعي أن التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني يجر إلى تنازلات أخرى، وأن التنازل يدفع إسرائيل إلى العناد والتشدد لتحقيق أطماع أخرى والمزيد من المكاسب والانتصارات السياسية والعسكرية، ثم إن التطبيع هدفه هو إنشاء علاقات مع إسرائيل في جميع المجالات، وهذا الوضع أدى إلى منتهى التنازلات عن القدس وعن القضية الفلسطينية ونسيان نكبة 1948 وما تلاها من جرائم إنسانية بشعة ضد الشعب الفلسطيني إلى اليوم دون محاسبة ولا عقاب، فبعض الدول المطبعة علانية تقيم علاقات مع إسرائيل تحت غطاء أهداف استراتيجية استنادا إلى حجج مخالفة للشريعة الإسلامية، فالتطبيع مع إسرائيل ينقسم إلى نوعين: صريح وخفي، والمطبعون علانية ينادون بضرورة إنشاء علاقات مع الكيان الصهيوني من أجل أهداف استراتيجية، أما المطبعين خفية فرغم زعمهم مساندة ودعم القضية الفلسطينية، إلا أنهم يرون أن زيارة إسرائيل والتعامل معها اقتصاديا وثقافيا وسياسيا لا يعتبر عملا تطبيعيا، وتعتقد الدول المطبعة علانية أن التطبيع مع إسرائيل يقوم على مخاوف استراتيجية مشتركة بين الدول العربية وإسرائيل وتستخدم إيران ذريعة لتبرير التطبيع معتقدين أن تدخل إيران في عدة دول عربية، مثل سوريا والعراق واليمن وكذلك العداء التاريخي بين ملكيات الخليج العربي وإيران، يفرض وجود وحدة في المصالح بين الدول العربية وإسرائيل لمواجهة ما يسمى بـ”الخطر الإيراني”، فهذه الحجة التي يستند عليها المطبعون العرب علانية مخالفة تماما لمقاصد الشريعة الإسلامية وللقانون الدولي على اعتبار أن إيران دولة إسلامية من المستحيل أن تشكل الخطر الأكبر على الدول العربية حتى تكون سببا للتطبيع مع إسرائيل، وحتى في حالة تدخل إيران في شؤون بعض الدول العربية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن إيران هي أخطر من إسرائيل، لأن المبدأ العام في الشريعة الإسلامية هو: “الأمة الإسلامية أمة واحدة”، وإيران هي جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، ولهذا لا ينبغي القول أن إيران هي الخطر الأكبر الذي ينبغي أن يقرب الدول العربية من إسرائيل، فهذا المفهوم خاطئ وخطير جدا سيؤدي إلى احتلال جميع الدول العربية من طرف إسرائيل بعد الانتهاء من حرب الإبادة في غزة، ومن الناحية الإسلامية، فإن القرآن الكريم الذي هو دستور الأمة الإسلامية، يعتبر الدول الإسلامية أمة واحدة ولقد جاء فيه: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) (الأنبياء: 92)، وقال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) (المائدة: 51)، وفي نظر الشريعة الإسلامية، فإن الفلسطينيين هم المظلومين المطرودين من ديارهم وأراضيهم بغير حق، هدمت بيوتهم بقوة السلاح وإسرائيل هي المعتدية والقرآن الكريم أذن للمسلمين كافة بالقتال دفاعا عن بلادهم ودينهم وعن المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها القدس الشريف مسرى الرسول، والجهاد في سبيل الله، ولذلك فإنقاذ أطفال غزة من الجوع أفضل من جميع العبادات، أفضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والزكاة، فهؤلاء الحجاج أولى بهم من الناحية الإسلامية مساندة ودعم إخوانهم الفلسطينيين المحتاجين في غزة قبل الذهاب إلى العمرة والحج.

وفي كلمة ألقاها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين :  علي القرة داغي، أكد بأن “المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ليست إرهابا لا في القوانين الدولية ولا في الشرائع السماوية”، وقال: “ما حدث في 7 أكتوبر لم يكن إرهابا، بل كان عملا جهاديا وتحريرا بكل ما تعني الكلمة، والعالم اليوم يحتاج إلى نظام عالمي جديد يحقق السلام والأمن للجميع وليس لفئة معينة”، وطالب بتشكيل منظمة دولية لحماية المظلومين على غرار حلف الفضول عند الجاهلية لحماية المظلومين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى