المنبر الحر | التحول في الذائقة الفنية عند الشباب بين الحرية والذوق العام


عندما كان الروائي السعودي أسامة المسلم، صاحب رواية “بساتين عربستان”، بمعرض الكتاب الدولي بالرباط سنة 2024، ورأيت تلك الجحافل من الشباب والمراهقين يضربون عليه طوقا ليظفروا بتوقيع منه لإحدى رواياته، ولاحظت ذلك التدافع الكبير، قلت أن شيئا ما يحدث في المجتمع، فهذا المشهد الفريد أثار انتباهي مثلما أثار انتباه الكثيرين، وخلف ردودا متباينة، وإذا كان بالإمكان اعتبار هذا الحادث ظاهرة عابرة، فإنه لا يبدو كذلك عند البعض، لأن ما وقع يجيب عن العديد من الأسئلة، ويفند مجموعة من الفرضيات والانطباعات التي كانت تعشش في أدمغتنا، وهو ما صدم الكثير من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي في المغرب، الذين اكتشفوا أن هؤلاء الشباب اليوم لهم اهتمامات وعوالم خاصة بهم، ليس بالضرورة أن تكون متشابهة مع اهتمامات الأجيال السابقة، فلكل جيل خصوصياته السيكولوجية والسوسيولوجية، وربما استطاع أسامة المسلم أو غيره أن يقتحم هذه العوالم، وبالتالي، صار قريبا من ميولات هذا الجيل ومن نزعاته النفسية والفكرية والوجدانية، إذ وجد هذا الجيل ضالته في كتبه ورواياته، التي يمكن اعتبارها رجع صدى لكل ما يخالج هذا الجيل من أفكار وهواجس وتمثلات للحياة والعيش والمستقبل.. وهو ما ينطبق كذلك على الغناء، فاليوم نجد الشباب يحبون ألوانا فنية بعينها تنم عن تحول كبير في الذوق الفني، فلم يعد أحد منهم يسأل عن الأنماط الغنائية التي كانت سائدة، والتي هيمنت في وقت من الأوقات على الساحة الفنية شرقا وغربا، وأصبحت اليوم محصورة في فئات تنتمي لأجيال ما قبل الرقمنة والأنترنيت، وبدأ نجم فنون أخرى يصعد بوتيرة تطرح أكثر من علامة استفهام، ويوما عن يوم تجلب جمهورا واسعا من مختلف شرائح المجتمع، حيث تجد الأمر غير مقتصر على فئة المراهقين والشباب، بل يتعداه إلى فئات اجتماعية طاعنة في السن .
هذا التحول في الذائقة الفنية لدى الشباب والمراهقين، والتي استقرت على فنون أو فن بعينه (الراب)، هو أولا مؤشر على أن المجتمع المغربي يعرف تحولات عميقة وجوهرية على المستوى الثقافي بشكل خاص، وأنه متأثر أشد ما يكون
بكل ما يدور حوله داخليا أو خارجيا، وهناك تحول قيمي خطير فيه لا يمكن إخفاؤه أو تجاهله، فكان من الأجدر من علماء الاجتماع أن يرصدوا هذا التحول والبحث عن مسبباته، لا أن يباغتهم المشهد ومن ثم يتم البحث عن الأسباب والدوافع، هم لن يستطيعوا إيقاف هذا التحول الذي أصبح ظاهرة بدون شك، لأنه تولّد من رحم المجتمع وتظافرت في تشكيل معالمه الكثير من الظروف والمعطيات والسياقات الثقافية والاجتماعية وحتى الاقتصادية..
فنحن أمام تحول يستدعي وقفة تأمل حقيقية، ويحتاج لمقاربة موضوعية ونقاش هادئ لفهم خيوطه الناظمة، هذه الظاهرة التي أصبحت واقعا، لا يماري أحد في كون المجتمع منقسم حيالها فسطاطين، الفسطاط الأول يعتبر هذه الفنون طارئة ودخيلة على المجتمع لا تمت بصلة إلى ثقافته وتقاليده وتاريخه وموروثه، وهي بالتالي ليست نتاج سيرورة ثقافية طبيعية محلية، والذين يؤيدون ويشجعون هذه الألوان الغنائية إنما هدفهم تلويث البيئة الفنية وترويج السموم ونشر قيم فاسدة بين أبناء المجتمع، وهم نتاج لتيار إيديولوجي في المجتمع همه معاكسة القيم المحافظة النبيلة والراقية، ومحاولة زرع مكانها أفكارا مريضة ومستوردة لا يمكن أن تقدم أي فائدة أو قيمة مضافة للمشهد الغنائي والفني عامة.. لباس خليع وكلمات نابية ورديئة خارجة عن نطاق الأخلاق والسلوك القويم، تفوح منها رائحة المجون والمخدرات، هدفها، حسبهم، إفساد المجتمع وتحطيم قيمه لا غير، وهم بهذه التوصيفات يرفضون هذه الألوان الموسيقية جملة وتفصيلا، ويعتبرونها انحرافا خطيرا عن الذوق العام، ولا شك ستكون له عواقب وخيمة على هذه الفئة المهووسة بهذه الفنون أولا وعلى المجتمع برمته ثانية، وبالتالي، تجد أنصار هذا الفسطاط يدعون إلى التصدي لهذه الألوان الغنائية وإغلاق المجال أمامها والعودة إلى الفنون الأخرى التي على الأقل فيها كلمات معبرة وهادفة لا تخدش الحياء، ولا تروج لمعجم لغوي ساقط.
أما الفسطاط الثاني، فيقول أن ذلك نابع من ثقافة اجتماعية منبثقة من رحم معاناة المجتمع، ومن وعي جديد تبلور لدى فئات واسعة من الجمهور المغربي الذي يعشق هذه الألوان، التي ربما تجسد أحلامه وطموحاته، وتحقق له إشباعا نفسيا وعاطفيا، الشيء الذي لا يجده في الأنواع الغنائية الكلاسيكية والعصرية، كما حدث مع روايات أسامة المسلم، الذي يبدو أنه قلب الأمور في الرواية رأسا على عقب، وربما يعود ذلك بالأساس إلى أن المواضيع التي تطرقها هذه الألوان الغنائية قريبة من هموم المجتمع، ومن فئة المراهقين والشباب خصوصا، إذ يبدو أنهم يعيشون نوعا من التمرد على ما هو سائد، ولهم نظرة مغايرة للواقع على المستوى الاجتماعي والاقتصادي بالخصوص.
نحن لا نختلف في كون هذا التطور الذي يعرفه الحقل الغنائي المغربي نابع من سيرورة ثقافية متحركة، منفتحة على الثقافات الأخرى غربية أو غيرها، وأن ظهور ألوان غنائية جديدة اليوم أو غدا أمر تفرضه سياقات اجتماعية وثقافية معينة وتحولات تاريخية لا يستطيع أحد أن يتحكم فيها، وبالتالي تصبح واقعا، خاصة حينما تستقطب هذه الألوان الغنائية جمهورا عريضا، والذي تبقى له حرية اختيار اللون الغنائي الذي يعجبه، لكن في المقابل، يجب تحصين هذا الجمهور من مجموعة من الانفلاتات والسلوكات غير الأخلاقية التي تأتي من أهل هذا الفن أو ذاك، حتى لا يتم التطبيع مع جملة من الممارسات التي تهدد المجتمع وبالأخص الانحلال الخلقي، وإفساد الذوق العام، فأحببنا أو أبينا فنحن نعيش في مجتمع محافظ ومسلم، وتربية أبناء المجتمع تستمد الكثير من مبادئها من الدين الإسلامي، فلا يجوز ضرب كل القيم الدينية بعرض الحائط باسم الفن والحداثة وما إلى ذلك، وهذا ما يجعل الكثير من فئات المجتمع لا تستهويها هذه الألوان الغنائية شكلا ومضمونا، وعليه يتم اتهامها بالتخلف والرجعية، وأنها لا تساير العصر.



