تقرير | الملكة إليزابيث عنوان العلاقات بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة

نظرا للعلاقات التي كانت قائمة منذ عهد قديم بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة، كنا متيقنين أن بريطانيا لن يغيب عن ذهنها ما كان يجمع بين المملكتين من روابط واتفاقيات، وتبادل الزيارات، وتمثيل دبلوماسي، وأنها لن تتخلى عن المملكة المغربية وما قدمته لإنجلترا من مساعدات، وأن الوقت سيحين لتخرج من الحياد ومن المنطقة الرمادية لتؤكد رسميا أن الصحراء مغربية بحكم الواقع والبيعة التي تجمع الشعب المغربي بملوكه، ووثائق تعيين الولاة والمكلفين بتدبير الشأن العام، ويعتقد البعض أن العلاقات انطلقت سنة 1600م، بينما تؤكد بعض المراجع الموثوقة، أن العلاقات تعود إلى سنة 1154م، عندما قام الشريف الإدريسي برسم إنجلترا في خريطته الشهيرة، وفي عام 1208م، أرسل الملك جون بعثة يطلب العون من سلطان الموحدين محمد الناصر، لمواجهة التهديد الفرنسي بالغزو من ناحية، ولمواجهة ثورة الإقطاعيين من ناحية أخرى، ولكن السلطان المغربي في ذلك الوقت رفض الخوض في مشاكل أوروبا.
وفي سنة 1551م، قاد قبطان بحري إنجليزي، اسمه وايندهام، رحلة إلى المغرب، وفي سنة 1588، أي خلال عهد الملكة إليزابيث الأولى، توالى إرسال المبعوثين وتعيين سفراء المملكة المغربية لدى المملكة البريطانية، ودون انقطاع.
وفي سنة 1600م، عين السلطان المغربي مولاي أحمد المنصور، كاتبه الأول عبد الواحد بن مسعود بن محمد عنون، سفيرا للمملكة المغربية في بلاط الملكة إليزابيث الأولى، ومن مهام ذلك السفير الترويج لإقامة التحالف الإنجليزي المغربي، وذكرت مصادر تاريخية أن الزيارة التي قام بها عبد الواحد بن مسعود كانت على متن باخرة أبحرت من مدينة الأسد عام 1551، وفي العام 1585 تم تأسيس الشركة الإنجليزية البربرية، والتي كانت تهدف إلى تطوير التجارة بين إنجلترا والمغرب، ثم تطورت العلاقات الدبلوماسية ونشأ تحالف بين إليزابيث والمغرب، كما ذكرت المراجع أن عبد الواحد بن مسعود أمضى 6 أشهر في بلاط إليزابيث الأولى وكان يتكلم ببعض التعبيرات الإسبانية، ولكنه خاطب الملكة بواسطة مترجم، الذي كان يتحدث باللغة الإيطالية، والسفير بن مسعود ازداد سنة 1558 وتوفي سنة 1610، عن عمر يناهز 52 سنة، وذكر البعض بالنسبة لسيرته الذاتية، أن موطنه بالمغرب وديانته الإسلام ومهنته دبلوماسي واللغة الأم هي اللغة العربية مع إلمام باللغة الإنجليزية، وكان موظفا في سفارة.

واعتزازا بالعلاقة التي كانت تربط بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة، احتفلت جامعة برمنغهام بسفير المغرب ببريطانيا قبل 400 عام، حيث ذكرت رئيسة قسم البحث والثقافة في تلك الجامعة، كلير موليت، أن لوحة السفير المغربي لدى المملكة المتحدة كانت واحدة من أكثر الهدايا التذكارية رمزية في التاريخ البريطاني أوائل القرن السابع عشر، وأضافت أن البريطانيين سعداء بعرض تلك اللوحة التاريخية التي تعود إلى عصر تيودور في متحف “باربار”، حيث أنها في مكانها المناسب بين المجموعة الفنية المهمة عالميا، وقد أتيحت للسفير المغربي الحالي، حكيم الحجوي، فرصة للتعرف على إرث سلف دبلوماسي لامع منذ أزيد من 400 عام خلال زيارته لمعهد باربار للفنون الجميلة في جامعة برمنغهام، أما نائب رئيس الجامعة المذكورة، آدم تيكيل، فقد قال ما يلي: ((يشرفنا أن نرحب بسعادة السفير في حرمنا الجامعي الجكيل في برمنغهام، حيث نحتفل بالذكرى السنوية لمرور 125 على تأسيس الجامعة، نحن جامعة مدنية عالمية ملتزمة بتحسين حياة الناس، ونحن فخورون بتقديم تعليم وأبحاث وقيادة مدنية على مستوى عالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال جامعة برمنغهام دبي))، كما عبرت عدة شخصيات لامعة بريطانية، أن اللوحة التي يتجاوز عمرها 400 عام تعود لعبد الواحد بن مسعود، الذي شغل منصب السكرتير الأول للسلطان المغربي مولاي أحمد المنصور، إذ تعتبر هذه اللوحة رمزا بارزا في التاريخ الدبلوماسي بين المغرب وبريطانيا، ومن سفراء المملكة المغربية لدى المملكة المتحدة السفير جودار بن عبد الله سنة 1637، والسفير محمد بن حدو سنة 1682، والسفير عبد القادر بربيز عين سفيرا لمولاي إسماعيل في إنجلترا، كما عين محمد بن علي أبغالي سفيرا للمملكة المغربية لدى المملكة المتحدة سنة 1725، وذكرت بعض المراجع أن سفير المغرب لدى المملكة المتحدة كان يعتبر هو أعلى ممثل دبلوماسي للمملكة المغربية في المملكة المتحدة.
منذ سنة 1588م وإلى سنة 2009، عين المغرب 45 سفيرا لدى الدولة البريطانية في إطار العلاقات المغربية البريطانية، ونشر موقع قائمة السفراء المغاربة لدى المملكة المتحدة البريطانية من عهد السفير الرايس أحمد بن قاسم الذي عين سفيرا سنة 1588، ممثلا للسلطان أحمد المنصور الذهبي لدى الملكة البريطانية إليزابيث الأولى.

ومما يذكر في متانة الروابط التي تجمع بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة، أنه وفي سنة 1980، قامت الملكة إليزابيث الثانية وزوجها فيليب، دوق إدنبرة، بزيارة رسمية للمغرب استمرت أربعة أيام، زارا خلالها مدن الرباط والدار البيضاء ومراكش، وبعد سنوات زار الملك الحسن الثاني لندن، وركب جنبا إلى جنب على متن عربة ملكية وسار مع الملكة وسط شوارع العاصمة لندن، واستمر مقامه هناك من 14 إلى 17 يوليوز من سنة 1987، وقد قال الأستاذ محمد الصديق معنينو، الكاتب والصحفي والمسؤول الإعلامي اللامع، قال في إحدى مداخلاته: ((إن الملك الحسن الثاني قد أعد للملكة إليزابيث استقبالا استثنائيا، سواء في البروتوكول، أو في حفلات الاستقبال أو الحفلات الشعبية، وأعطاها حضورا دبلوماسيا وسياسيا كبيرا في المغرب))، وقد زارت الملكة إليزابيث وزوجها مجلس النواب في ذلك العهد، والذي كان رئيسه الداي ولد سيدي بابا وتقدم للسلام على الملكة عدد من نواب المجلس الذين يمثلون مختلف الفرق التي يتكون منها مجلس النواب في ذلك العهد، ورؤساء اللجان.
يجب الرجوع إلى التاريخ للاطلاع ومعرفة العلاقات التي كانت تربط المملكة المغربية وملوكها بملوك إنجلترا، وكذلك معرفة الشخصيات المغربية التي كانت يعينها سلطان المغرب لتقوم بمهمة ربط الاتصال والتفاوض مع المسؤولين في إنجلترا، والرسائل المتبادلة بين المملكتين، ومن أهم المراجع التي يمكن الاطلاع من خلالها على تلك المراسلات والموضوعات التي كانت تعالجها، كتاب “الوثائق”، وهو مجموعة دورية تصدرها مديرية الوثائق الملكية ـ المجموعة الخامسة (1401هـ / 1981م)، وقد أعد تلك المجموعة المرحوم عبد الوهاب بن منصور المؤرخ السابق للمملكة المغربية، وصورة الغلاف للمرحوم الحاج محمد الزبيدي، وكان قد أرسله السلطان مولاي الحسن سنة 1876م سفيرا إلى دول فرنسا وبلجيكا وبريطانيا العظمى وإيطاليا، لمفاوضة حكوماتها في المشاكل الناتجة عن الحماية القنصلية بالمغرب، والكتاب يحتوي على 548 صفحة، ثم كتاب “السفارة والسفراء بالمغرب عبر التاريخ” للراحل عبد العزيز بنعبد الله، عضو أكاديمية المملكة المغربية، و”المجامع اللغوية” بالقاهرة وبغداد وعمان والهند، حيث ورد في هذا الكتاب القيم السفراء والقناصلة الذين كانوا معتمدين من بريطانيا لدى سلاطين المملكة المغربية.
هذه مداخلة للكشف عن جانب من العلاقات التي كانت تربط مملكتين كانت لهما مكانة مرموقة، وتاريخ دبلوماسي حافل، وليس لأي دولة قيمة ما لم يكن لها تاريخ يشهد على مآثرها وحضارتها ودورها ومكانتها بين دول العالم.



