خاص | القيدوم مصطفى العلوي.. مدرسة عمرها أكثر من 60 سنة
بخلاف كل الصحفيين.. كان للصحافي والمؤرخ مصطفى العلوي طريقته الخاصة في التفوق على الجميع، وبخلاف ما يعتقده كثير من المدعين(..)، بمن فيهم الذين يدعون الانتماء إلى مدرسته دون أن يحصلوا على شرف دخولها في يوم من الأيام(..)، وكانت الوصفة تتكون من “غرفة قيادة” لا يدخلها إلا هو بنفسه، وفي تلك الغرفة كان يرتب أدواته بانتظام، بعض هذه الأدوات صنعها بنفسه، والبعض الآخر امتلكه بطريقة أو بأخرى(..)، كان يملك كل الأدوات لتحليل الأخبار، وتنقية المنتوجات الإعلامية، والأهم من هذا، فقد كان يملك آلة عابرة للزمن، خبأها بإحكام داخل ذاكرته..
الرباط. سعيد الريحاني
اليوم، تحتفي جريدة “الأسبوع الصحفي” بذكراها الستون (60 سنة)، لكن مدرسة مصطفى العلوي أكبر بكثير (بحكم التجارب الإعلامية الأخرى).. ومثل كل الكبار.. فرغم وفاة المؤسس مصطفى العلوي، إلا أن حجم المدرسة وتعدد أقسامها، وتعدد القراء والمعجبين، والمتطفلين، والجواسيس الذين يشتغلون بأثر رجعي، فإن الرجل يبدو وكأنه لازال حيا يرزق(..) حتى أن واحدا من قراء “الأسبوع” اتصل يسأل عن الراحل، فأخبروه أنه رحل إلى دار البقاء، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكنه عاد ليسأل: “.. وكيف حاله”، ليتراوح السؤال بين الجانب الدنيوي والجانب الأخروي، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر(..).
القيدوم الراحل عايش ثلاثة ملوك، وأول الملوك هو السلطان محمد الخامس، وتجربته تفوق عمر “الأسبوع” (بحكم تعدد التجارب الإعلامية التي قادها)، والذي كان يشرب الشاي في مكتب “الأسبوع”، ويدعو لطاقمها بالنجاح، وقد عرف هذا السلطان بقربه من هموم الشعب، حتى أنه كان يقوم بجولته المعتادة كل يوم في شارع محمد الخامس بالرباط، بكل أريحية.. كما عايش مصطفى العلوي، صاحب كتاب “صحافي وثلاثة ملوك”، الملك الحسن الثاني، بل إنه كان صديقا لهذا الملك العبقري، ما جعل الصحافي يكتب عنه كتابا سماه “الحسن الثاني الملك المظلوم”، وقد كان العلوي يتحول بين الفينة والأخرى إلى مؤرخ دون حاجة إلى باحثين(..)، لا سيما وأنه كان صديقا لرئيس الدولة(..).
يحكي الراحل مصطفى العلوي: ((أثناء إحدى القمم العربية، وكان الحسن الثاني قد صرف عليها من ماله الخاص دون أن يحصل على أي مساهمة من أي دولة عربية في التمويل، وأثناء عقده للندوة الصحفية الختامية، بحضور مئات الصحفيين العرب الذين رافقوا رؤساء دولهم، كنت جالسا بين الصحفيين بجانب المرحوم عيسى بن شقرون، وكان وقتها نائبا لمدير وكالة المغرب العربي للأنباء، وأثناء إلقاء الصحفيين لأسئلتهم، فوجئت بأحد المخازنية بزي مدني، يأتي عند عيسى بن شقرون وينحني عليه قبل أن يقدم له بعيدا عن الأعين ورقة.. سرعان ما سلمها لي عيسى بعد أن فتحها، لأنها كانت موجهة لي ومكتوب بها “ضع سؤالا حول المساهمة العربية في التحضير لهذا المؤتمر”، وفعلا وضعت السؤال، ليجيب عنه الملك الحسن بسرعة قائلا: انظر إلى سحنة وزيري في المالية لترى علامات الأزمة التي خلقها التحضير لهذا المؤتمر))..
قصص الصحافي الراحل مصطفى العلوي مع الملك الحسن الثاني كثيرة.. وقد حكى القيدوم كيف أن الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، وقف على رأس الملك الراحل الحسن الثاني بينما كان هذا الأخير يراجع لائحة مرافقيه إلى الصين، ليعثر بين الأسماء على اسم مصطفى العلوي، فقال الملك لعبد الرحمان اليوسفي: لماذا تأخذ معك العلوي؟ فقال له: هذا مصطفى العلوي الصحفي المعروف، لماذا تأخذه معك؟ فقال له: إنه ليس الصحفي الوحيد، فوافق الملك على حضوره في هذا الوفد.. وقد كان الملك الحسن الثاني يتتبع عمل الصحافي مصطفى العلوي عن قرب.. فـ((في جلسة عمل بينه وبين وزيره القوي في الداخلية والإعلام إدريس البصري، وحين كان يدرس معه تفاصيل تنظيم المناظرة الوطنية للإعلام سنة 1993، وبعدما أطلعه البصري على كل التفاصيل، وعلى لائحة الذين أنعم عليهم بالأوسمة من رجالات الإعلام، فاجأه الملك الحسن الثاني بقوله: وبالمناسبة، وشح صدر الصحافي مصطفى العلوي بوسام العرش من درجة فارس، ليبتلع الوزير البصري ريقه، وينادي كاتبه العام الصديق معنينو، ليقول له: أخبر مصطفى العلوي بضرورة حضور الجلسة الختامية، لأوشحه باسم جلالة الملك)) (المصدر: مقال “عندما يصبح الصحافي صديق رئيس الدولة”/ الكاتب: سعيد الريحاني).
مصطفى العلوي مدرسة، والدليل على قيمة المدرسة هو أن الراحل كانت مقالاته تقرأ من طرف الملك والحكومة والشعب، في معادلة صعبة انتهت في بعض الأحيان بمحن غير متوقعة أوصلته إلى غياهب السجون(..)، ولكنه نال وسام الثقة من طرف الملك (وسام من درجة فارس في عهد الملك الحسن الثاني)، والشعب على حد سواء، أما الملك محمد السادس، فقد أعلن في برقية التعزية، بأن الراحل مشهود له بـ((دماثة الخلق وبالكفاءة المهنية العالية، المفعمة بالغيرة الوطنية الصادقة، وبالالتزام بمقدسات الأمة وثوابتها)) (المصدر: تعزية الملك محمد السادس في وفاة مصطفى العلوي).
كان العلوي يملك مفاتيح إعلامية لكل مرحلة(..)، حتى أنه نقل عن الملك الراحل الحسن الثاني عشر وصايا ملخصة، بعضها أطر مرحلة حكم الملك محمد السادس، منها، قول الحسن الثاني: ((لقد كان شاه إيران بهلوي، صديقي، ولكني شعرت بأنه أصيب بداء الغرور(..)، فبدأ يخرج عن الجادة، وعندما أقام الاحتفالات الخيالية في بيرسيبوليس، واستعرض فيها أمجاد أجداده على مدى ألف سنة، وتناسى أمجاد الإسلام والحضارة الإسلامية التي بنت أمجاده، قررت أن لا أحضر تلك الحفلات، وغضب الشاه، وعندما جاء للمغرب بعد تنحيته، ذكرته بذلك، فاعترف، ثم إنه ارتكب غلطا آخر حينما كون حول شخصه بورجوازية سرعان ما انقلبت ضده، وأعطى النساء حقوقا أكثر من اللازم تمتعن بها قبل أن ترجعن جميعا إلى لبس الحجاب والتشادور.. لتأييد الخميني، أما الملك الآخر الذي أبعد عن عرشه، الملك الليبي إدريس السنوسي، فإن سقوطه لم يفاجئني، فقد كان رجلا مسالما مستقيما نبيلا يصلي طول النهار، ولكنه لا يعرف ما يجري حوله))..
من وصايا الحسن الثاني، يمكن أن نقرأ على لسان الراحل مصطفى العلوي: ((منذ ظهور الإسلام كانت هناك المعجزة المغربية، لا أقول أنها متمثلة في العلويين، أو الأدارسة، أو الموحدين، وإنما هي الإرادة الإلهية التي أرادت هذا الاستمرار، وفي اليوم الذي يقرر فيه سبحانه العكس، مهما كانت حالة من سيخلفونني، فإن ذلك الاستمرار لن يبقى.. يجب إذن الإيمان بذلك.. يجب إذن الإيمان بالقضاء والقدر))..
((إن حقوق الإنسان عندنا، تتوقف عند قضية الصحراء، وكل شخص يدعي أن الصحراء ليست مغربية يجب أن لا يتمتع بحقوق الإنسان)).. هكذا كان الحسن الثاني صارما كما نقل ذلك عنه الراحل مصطفى العلوي، الذي طبع حياته بصرامة إعلامية، كانت وراء كتابته لمجموعة من المقالات وهو في طريقه إلى إجراء عمليات جراحية في اللحظات الأخيرة.. إنها عزيمة الرجال، والرجال يمكن أن يرحلوا لكن المدارس باقية، ومن ذلك مدرسة مصطفى العلوي، إنا لله وإنا إليه راجعون.



