متابعات | مؤسسات الحكامة والحكومة بين المعارضة النقدية ومحاباة السياسات العمومية

لمؤسسات الحكامة دور أساسي ومحوري داخل النظام المؤسساتي المغربي، لترسيخ الشفافية والنزاهة والاستقلالية عن السلطة التنفيذية، ولها مكانة اعتبارية مهمة داخل الدستور، الذي يضعها ضمن إطار “الحكامة الجيدة”، في تعبير صريح عن إحداث التوازن بين السلط وتقوية دور الهيئات والمؤسسات المستقلة في مراقبة وتقييم السياسات الحكومية، والمشاركة في رسم توجهات المملكة والمساهمة في تنفيذ مشروع النموذج التنموي الذي يعيش الجمود في عهد الحكومة الحالية.
فهذه المؤسسات تعمل منذ سنوات على إصدار تقارير مختلفة، سواء المرتبطة بالاقتصاد الوطني، أو بالتعليم، أو الصحة، أو المال العام، قصد توجيه الحكومة للقيام ببعض الإصلاحات ومعالجة الإشكاليات المطروحة، أو القضايا المرتبطة بالمجتمع، لكن الملاحظ أن حكومة أخنوش غير مرتاحة لتقارير هذه المؤسسات، رغم تعيين مسؤولين جدد على رأسها، والتي غالبا ما تكون موضوعية ومبنية على أرقام وأبحاث ميدانية، أو انطلاقا من تقارير دولية، ثم لكون المؤسسات المعنية تمارس معارضة نقدية بناءة مبنية على معطيات علمية وأبحاث تكشف ضعف الحكومة وسياستها، عكس الأحزاب.
إعداد: خالد الغازي
خرجت تصريحات العديد من مسؤولي الحكومة تشكك في تقارير مؤسسات الحكامة، على رأسهم عزيز أخنوش، الذي شكك في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي بخصوص نسبة 4 ملايين شاب يعيشون العطالة ولا يتابعون الدراسة ولا تكوين لهم، بينما هاجم وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مؤسسات الحكامة بخصوص إشراك المجتمع المدني في مكافحة الفساد، سواء الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، فيما وجه الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، انتقادات لرئيس هيئة محاربة الرشوة السابق، محمد البشير الراشيدي، بخصوص محاربة الفساد، أما الوزير السابق والقيادي في حزب الأحرار، محمد أوجار، فقد اعتبر مؤسسات الحكامة تمارس السياسة الحزبية، في إشارة إلى انتماء مسؤوليها إلى حزب الاتحاد الاشتراكي.
اليوم، انقسمت مؤسسات الحكامة إلى صنفين مختلفين، صنف يجامل ويوازي الحكومة، من خلال تقارير تخدم شيئا ما وتساير سياسات الحكومة المتناقضة، وتحاول أن تجمل العمل الحكومي، وصنف ثاني اختار النقد البناء ومعاكسة توقعات الحكومة في مجالات الاقتصاد والتعليم والتشغيل، من خلال تحليل الواقع والسياسات، وتقديم دراسات أو أبحاث تكشف عن عيوب القطاعات الحكومية.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد شقير، أن مؤسسات الحكامة جاءت بإرادة ملكية قصد تحقيق التوازن بين مختلف المؤسسات والحكومة، ولكي لا تكون التقارير صادرة من جانب واحد، بل الهدف أن تكون هناك تقارير مختلفة في التوجهات والأفكار والأرقام، حتى يتم الحفاظ على التوازن بين مؤسسات الدولة، بحيث أن هناك رغبة أكيدة لدى صانع القرار بضرورة عقلنة ومراقبة المال العام، بمعنى أن هذا يدخل في إطار ما يسمى بباب تخليق الحياة العامة، وما يجري حاليا من ملاحقات ومتابعات قضائية… إلخ، يظهر بأن هناك رغبة سياسية متواصلة في ضبط تدبير المال العام ومراقبة هذا التدبير، مضيفا أن التضارب الحاصل في الأرقام بين مؤسسات الحكامة والحكومة قبل التعيينات الأخيرة، أمر مرتبط بصراع التوجهات أو صراع الأجيال بين جيل لحليمي والمالكي، وجيل أخنوش وبنموسى، وبالتالي، برز هناك نوع من التصادم في العقليات، وإن كان هذا الاختلاف قد بدأ يخفت ويتناقص مع الرؤساء الجدد لهاته المؤسسات، نظرا لأن عملها أصبح الآن يندرج ضمن التحرك ودينامية مؤسسات الدولة.
وأوضح نفس المتحدث، أن رئيس الحكومة فهم أن لهذه المؤسسات دورها واختصاصاتها التي يجب أن تقوم بها، ما جعله يخضع لهذا المنطق، خصوصا وأن مسؤولي هذه المؤسسات لهم تجربة وخبرة في عدة مجالات، وتم تعيينهم بقرار ملكي، ما جعل رئيس الحكومة يفهم أن الاصطدام بأرقام وتقارير هاته المؤسسات هو بشكل أو بآخر اصطدام مع الإرادة الملكية، وهذا الفهم هو الذي أصبح لدى رئيس الحكومة، وبالتالي، أصبحت لديه قناعة بأنه من حق هاته المؤسسات من الناحية الدستورية ومن الناحية الواقعية، أن تقوم بأدوارها، وأن تصدر تقارير يمكن أن يستفاد منها، بدل أن تتم مواجهتها، قائلا: “هذا هو التوجه الحالي الذي يفسر العقلية والقناعة الجديدة، والأكيد أن هذه المسألة أصبحت تمرينا سياسيا سيتواصل مع الحكومات المقبلة، نظرا لأن هاته المؤسسات أصبحت جزء لا يتجزأ من المنظومة السياسية داخل المملكة”.
وتابع شقير توضيحه بأن المؤسسات بمسؤوليها الحاليين، سواء عبد القادر اعمارة أو محمد بنعليلو أو حسن طارق، وغيرهم، لا يمكن لأي مؤسسة منهم أن تصدر تقارير لكي ترضي الحكومة أو أي وزير، لأن هذه المسألة غير مطروحة، كون بعض الوزراء ينتقدون بعض التقارير وهذا حقهم، وبالتالي، فمسألة الانتقاد والانتقاد المضاد جزء من المنطق الذي يحرك نظام التدبير السياسي بالمغرب، والمهم أن مؤسسات الحكامة أصبحت جزء لا يتجزأ من النظام، وتقاريرها تأتي بشكل ممنهج ومتواصل، وبالتالي، فهذه العملية طبيعية لأن مؤسسات الحكامة لها دور أساسي في مراقبة ما تدلي به الحكومة من حصيلة وأرقام، مبرزا أن هاته الأرقام أو التقارير يمكن ألا تعجب المسؤولين الحكوميين أو الحزبيين، مثل ما حصل من تصادم بين لشكر والمجلس الأعلى للحسابات، وبين بن كيران والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث أن هذا الصدام الصحي يقوي استقلالية المؤسسات، ويحث السلطة التنفيذية والحكومة على بذل أكبر جهد من أجل إعطاء الأرقام والعمل على الإجابة عن هذه التقارير، فهي نوع من المراقبة التي تقوم بها هاته المؤسسات على عمل الحكومة، والتي تدخل ضمن العمل الديمقراطي وتقوي تفاعل المؤسسات فيما بينها.

من جانبه، يؤكد الباحث السياسي مراد الغالي، أن العلاقة بين مؤسسات الحكامة والحكومة في المغرب هي علاقة مركبة، رسم معالمها دستور 2011 الذي أرساها كأعمدة مستقلة لدعم دولة الحق والقانون، هذه العلاقة تتأرجح باستمرار بين مسارين: مسار التكامل الذي يخدم المصلحة العامة، ومسار التوتر الذي يجسد الدور الرقابي، وفهم هذه الديناميكية يتطلب تجاوز القراءة القانونية المجردة إلى تحليل الممارسة الفعلية على أرض الواقع السياسي، مبرزا أن الإطار الدستوري وفر “الهيكل” الصلب لمؤسسات الحكامة، لكن المسؤولين الذين يقودونها هم من يضخون فيها الروح ويحددون برنامج عملها، ففعالية منظومة الحكامة المغربية وقدرتها على تحقيق أهدافها في ترسيخ الشفافية والمساءلة، تظل مرتبطة بشكل عضوي ليس فقط بقوة النصوص، بل بقوة وشجاعة وكفاءة الأفراد الذين أوكلت إليهم مهمة تفعيلها، والذين يترجم في الأخير منطق تعيينهم إرادة الدولة وتوجهها.
وأوضح المتحدث ذاته، أنه على النقيض من علاقة الصدام، يبرز جانب التكامل والتعاون، خاصة في الأدوار الاستشارية، فمثلا يلعب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي دورا محوريا كـ”بوصلة توجيه” للسياسات الحكومية، فتقاريره ودراساته المعمقة حول الرأسمال غير المادي أو مكامن الخلل في النموذج التنموي السابق، لم تشكل مصدر إحراج للحكومة، بل وفرت الأرضية المعرفية الصلبة التي انطلقت منها لاحقا اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، إذن، العلاقة هي بمثابة مؤشر دقيق لنضج الممارسة الديمقراطية، فنجاحها ليس رهينا بوجود نصوص دستورية تضمن الاستقلالية فحسب، بل بمدى احترام السلطة التنفيذية لتوصيات وقرارات هذه الهيئات، وفي المقابل، بمدى جرأة وشجاعة هذه المؤسسات في ممارسة صلاحياتها الكاملة بموضوعية وحياد، بعيدا عن أي حسابات سياسية ضيقة.
وقال الغالي، أن تأثير تعيين مسؤولين جدد ليس تفصيلا ثانويا، بل هو المحرك الأساسي لتفعيل أو إضعاف دور هذه المؤسسات، فشخصية وهوية ومسار المسؤول المعين، يحدد بشكل كبير سقف طموح المؤسسة ودرجة تأثيرها في المشهد العام، محولا إياها من مجرد هيئة شكلية إلى فاعل حقيقي، ولعل تعيين زينب العدوي على رأس المجلس الأعلى للحسابات سنة 2021، هو أكبر مثال على هذا التحول، ومؤشر دال على دور المسؤول داخل هذه المؤسسات، فبعد فترة اتسمت بالتركيز على التدقيق المالي الكلاسيكي، أضفى مجيئها، بمسارها المعروف بالصرامة في الإدارة الترابية، نفسا جديدا، حيث لوحظ تسريع في وتيرة إحالة الملفات ذات الشبهة الجنائية، على القضاء، مثال آخر يوضح تغيير المقاربة وليس فقط الوتيرة، نجده في مجلس المنافسة نفسه، فبعد فترة اتسمت بالمواجهة المباشرة، جاء تعيين أحمد رحو ليؤسس لنهج وصف بأنه أكثر براغماتية، هذا النهج ركز بشكل أكبر على إصدار الآراء الاستباقية لمنع الممارسات المخلة بالمنافسة، محولا فلسفة المجلس من العقاب الصدامي إلى التنظيم الوقائي وإصلاح هياكل السوق.
تختلف مؤسسات الحكامة في اختصاصاتها وطبيعة عملها بين الطابع الاستشاري، أو التي لها صلاحيات للقيام بإجراءات عملية بناء على التقارير التي تقوم بإنجازها، بحيث تتوزع بين هيئات للحماية والحقوق، كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، وهيئات للحكامة الجيدة والتقنين، مثل المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مجلس المنافسة، المندوبية السامية للتخطيط، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ثم هيئات النهوض بالتنمية البشرية والديمقراطية التشاركية، مثل المجلس الأعلى للتربية والتكوين، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مجلس الجالية، المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، ومجلس الشباب والعمل الجمعوي.
وقد أكد الفصل 160 من الدستور، أن مؤسسات الحكامة تعمل على تقديم تقارير سنوية تتم إحالتها على البرلمان للمناقشة، وتقدم وظيفة استشارية وتقييمية مهمة بناء على معطيات ودراسات وأبحاث ميدانية، لكنها تصطدم في بعض الأحيان مع السلطة التنفيذية خاصة إذا كانت هاته التقارير تعري الواقع أو تكشف بعض الاختلالات أو النواقص في تدبير الشأن العام، أو تنتقد سياسات حكومية معينة في قطاعات التعليم والصحة والشغل والطاقة وحقوق الإنسان وغيرها، أو تدبير للمال العام من قبل مؤسسات أو أحزاب سياسية.
وحسب دراسة أكاديمية نشرت بمجلة “العلوم السياسية والقانون” (مارس 2020)، فإن الهدف من إحداث هذه المؤسسات الدستورية هو توسيع المشاركة السياسية، وإرساء هيئات قارة لتنظيم الحوار وتعميق دراسة بعض القضايا الكبرى المطروحة على البلاد، واقتراح السياسات والتدابير حول معالجتها، خصوصا لما يتعلق الأمر بميلاد مفاهيم جديدة بدأت تبرز على الصعيد الدولي والوطني، كمبدأ الحكامة الجيدة التي لم تعد ترتبط كممارسة فقط بقيم التسيير والتدبير الرشيد للموارد المتاحة اقتصاديا واجتماعيا، بل أصبحت تتسع لاستعارتها في المجال السياسي، الذي أخذ الكثير من المفاهيم الاقتصادية والتقنية، كالمردودية والشفافية، حتى أصبح مفهوم الحكامة يتبوأ مكانة متميزة صار الجميع يخط أبعادها ويحاول تحديد معالمها، حتى أمكن توظيفها في التدبير المؤسساتي، سواء التنفيذي أو القضائي، وحتى التشريعي.
فالقاسم المشترك بين هذه بين هذه المؤسسات هو انفراد الملك بتعيين وتنصيب رؤساء المجالس والهيئات، وهذا يدل على دور الملك في قرارات هذه المجالس، التي تنضاف إلى قائمة المؤسسات التي يعين الملك رؤساءها، والتي لا يمكن لرئيس الحكومة أو أي مسؤول حكومي غيره، أن يتدخل فيها، سواء بالاقتراح أو المشاركة في هذه المسألة، كما أن ما يثير الانتباه كذلك في إحداث وصلاحيات هذه المجالس هو التنظيم المالي والإداري لهذه المجالس، ما يفترض فيها أن تكون مساهمة وفعالة في السياسات العمومية والمجال التشريعي، خاصة وأنها تتوفر على أطر ذات خبرة وتجربة والكفاءة، ولديها إلمام بقضايا المجتمع.



