مع الحدث | تعثر الجامعة المغربية بين قانون قديم وفضائح الماسترات والتوظيفات على المقاس
تعيش الجامعة المغربية خلال السنوات الأخيرة على وقع سلسلة من الفضائح المتتالية، والتي هزت الرأي العام من “الجنس مقابل النقط” إلى “المال مقابل النجاح”، ثم إلى “بيع الدبلومات والاتجار في الماستر”، إلى جانب تفشي المحسوبية في مباريات التوظيف وتخصيص وظائف على المقاس لفائدة المحظوظين ببعض الكليات، وإقصاء المرشحين دون توضيح الأسباب.
إعداد: خالد الغازي
كشفت الوقائع التي عرفتها الجامعة المغربية هشاشة المنظومة الجامعية، والتي أضرت بثقة الطلبة والمجتمع في المؤسسة التي كان من المفترض أن تكون قلعة للعلم والمعرفة، ومصدرا لصناعة النخب والكفاءات، بسبب اختلالات كثيرة تسيء إلى أرقى قطاع في المجتمع الذي يضم نخبة من المفكرين والمثقفين والأكاديميين، مما يطرح تساؤلات كثيرة على رأسها: إلى أين تتجه الجامعة المغربية ؟
بالأمس، كانت الجامعة هي المنارة المضيئة لدى المغاربة، والتي تخرج منها كبار المفكرين والأساتذة، الذين ساهموا في توعية المجتمع وإنهاء زمن الخوف السياسي والنضال من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والمشاركة في تدبير الشأن السياسي للدولة، لكن اليوم، تراجعت الجامعة كثيرا بسبب فشل الوزراء الذين تعاقبوا على التعليم العالي في تنظيف مؤسسات التعليم العالي من الفساد والاختلالات والوصاية الحزبية والتحكم وتعيين المقربين المحزبين على رأس العديد من الكليات والجامعات في عهد الوزير السابق وغيره.

يرى محمد الدرويش، رئيس المرصد الوطني للتربية والتكوين، أن التعليم العالي اليوم، والذي يبلغ عدد طلابه ما يقارب المليون و350000 طالب، بتأطير ما يقارب 16000 أستاذ باحث.. يحتاج لرجات غير مسبوقة تشريعا وتدبيرا وحكامة، أولا على مستوى القانون المنظم للتعليم العالي، والذي بلغ مداه وتجاوز سنته الفضية، فخمسة وعشرون سنة من تطبيقه أبانت عن نقط قوته ونقاط ضعفه، وبالتالي فهو لم يعد يلائم مقتضيات العصر من حيث الأجهزة المدبرة للجامعات والمؤسسات إعدادا وأدوارا ومكونات، متسائلا: كيف يمكن أن نقبل اليوم أن مجلسا للجامعة يضم 100 عضو؟ وكيف يجوز أن يدبر رئيس الجامعة اجتماع هذا المجلس؟ بل علينا أن نتصور كيف تتخذ القرارات فيه وعلينا أن نستحضر حجم المعاناة وضياع الزمن الجامعي أحيانا في قضايا ثانوية؟ مضيفا أنه بالرغم من هذا القانون الذي كان مؤسسا للجامعة الحديثة ومؤطرا لما بلغته الجامعة اليوم من بنيات تحتية وإشعاع وحضور دولي، أساتذة وطلابا وإداريين، تظهر من حين إلى آخر حالات تسيء لتاريخ المغرب الجامعي وتخدش صورة الأستاذية في المغرب.
وقال الدرويش أن “هناك بعض العناصر التي تسللت إلى جسم الجامعيين والجامعة، في حل من انتمائهم لها، فلم نعهد في تعليمنا العالي، منذ تأسيس لبناته الأولى في سنة 1957، أن صادفنا أستاذا يقايض النقط مقابل الجنس، ولا التوظيف ولا الشهادة مقابل المال، أو التقرب من السلطة أو الجاه.. فقد عشنا مع أساتذة أعفاء أكفاء لا يغريهم لا مال ولا سلطة، لأنهم بالمختصر المفيد علماء شرفاء أتقياء همهم الأول هو تكوين الأطر والنخب والبحث العلمي في ظروف صعبة جدا، إذ غالبا ما تجد الأستاذ يجتمع مع طلبته في المقهى ويستقبلهم في بيته ويمكنهم من كتبه، بل أحيانا يصل الأمر إلى مساعدتهم ماديا إن اقتضى الأمر ذلك، مشيرا إلى أن العلاقة في الماضي كانت مبنية على الاحترام والتقدير، باستثناء بعض الدخلاء الذين تسللوا بأساليب ملتوية إلى الجسم الجامعي، وهو الأمر الذي صرنا نسمع عنه في مجموعة من المؤسسات، بل صرنا نفاجأ بحجم القضايا المعروضة على القضاء، والتي تخص علاقات بعض الأساتذة بطلبتهم، وأحيانا بمسؤوليهم، بل بلغنا حد تهم السرقات العلمية، وكل ذلك لعمري أمر غريب على التعليم العالي.
وأكد نفس المتحدث أن ظاهرة الماسترات التي أصبح بعض الأساتذة يتصرفون فيها كما يحلو لهم ويتحكمون في تدبيرها وتكوينها كما يشاؤون في غياب شبه تام لإدارة المؤسسة ورئاسة الجامعة، في ضرب واضح لدفتر ضوابطها المصادق عليه من قبل الوزارة، وهذا ما حصل في بعض الكليات، أما القضية الأخرى التي نعتقد أنها من أسباب ما يحصل هنا وهناك، فالطلب المتزايد على رحلات البحث عن الشواهد ليس من أجل البحث العلمي والمعرفة، بل من أجل الترقيات في إداراتهم الأصلية، وهذا أمر وجب تعميق البحث والدراسة بشأنه، فهل ضروري ترقية الموظف أو المستخدم بشهادة، أم ضرورة حصول ذلك استنادا إلى معايير أخرى في مقدمتها الكفاءة والمردودية وغيرها ؟
واعتبر المتحدث ذاته أن أسباب هذه الاختلالات التي تحصل أحيانا، تعود إلى الجانب التشريعي كما سلف الذكر، وإلى غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل المواقع، شعبة وعمادة وإدارة ورئاسة ووزارة، وكذا عدم تنفيذ كل مقتضيات القانون 01-00، أو بسبب التحريف الذي حصل لمجموعة من مواده، والأمر الثاني مرتبط بطريقة توظيف الأستاذ الباحث بالتعليم العالي لجنا ومقابلات، كما أن تغييب أدوار الشعب كما كانت في قانون 1975، جعل بعض الأساتذة يحسون باستقلالية مطلقة في رسالتهم، ولم تعد الشعبة ومجالسها الداخلية تلك المصفاة لكل ما يحصل من أخطاء أو انحراف بقصد أو بغير قصد.

من جانبه، يرى محمد بنجبور، الكاتب الوطني للنقابة المغربية للتعليم العالي والبحث العلمي، أن اختزال الجامعة في قضية الماستر أو في قضية تبرز هنا وهناك، والتي نعتبرها حالات معزولة، أعتقد أن هذا الاختزال مختل جدا، لا يمكن أن نطمئن إليه ولا يمكن أن نطمئن إلى نتائجه، حيث ينبغي أن نعالج ذلك وأن نواجهه ونتصدى له، وأن نقف سدا منيعا أمام هذه الاختلالات التي تظهر هنا وهناك في مختلف المؤسسات الجامعية، وهو أمر يسيء إلى الجامعة على المستوى المحلي والوطني والدولي..
وأوضح بنجبور أنه حان الوقت لإعادة النظر في القانون المنظم للتعليم العالي والبحث العلمي والأنظمة القانونية، خاصة القانون المنظم 01.00 الذي يمتد لمدة 25 سنة، لكي يواكب التحولات التشريعية على المستوى الوطني ومختلف التحولات على مستوى العالم، وحتى يستجيب للانتظارات، لكننا أمام مشروع قانون أقل ما يقال عنه أنه تراجعي لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين، لذلك ينبغي على الوزارة الوصية أن تلتقط هذه الإشارة وأن تعيد المشروع المنظم للتعليم العالي إلى دائرة الحوار مع الشركاء، خاصة مع النقابة الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي، لأجل بلورته على قاعدة أولا ترصيد المكتسبات التي حققها القانون على مدى 25 سنة من الممارسة والتنزيل، ثم القطع مع مختلف الاختلالات التي أنتجها التطبيق وأنتجتها ممارسته، إذا أردنا أن ننتج قانونا لمنظومة التعليم العالي يقطع مع مختلف الإشكالات ويستجيب لمختلف الانتظارات التشريعية.
وأكد المتحدث ذاته على ضرورة إعادة الإصلاح البيداغوجي، أي الإصلاح السابق 2021-2022، الذي أنتج مجموعة من الإشكالات التي تعاني منها الجامعة العمومية اليوم، ولا يمكن أن نسميه إصلاحا لأنه يفتقد لمرجعية دولية، لأن الوزير السابق عبد اللطيف الميراوي قام بتعديلات بسيطة وطفيفة وضخم من مجال المهارات على حساب المواد المعرفية، وهذا أثمر ضمورا وأثر سلبا على مستوى المعارف والوحدات الأساسية في التكوين، التي لا يمكن أن تجعل الطالب قادرا على مواجهة الاستحقاقات العلمية والأكاديمية، مضيفا أن الورش الثالث الذي يتطلب المراجعة هو النظام الأساسي للأساتذة الباحثين لسنة 2023، والذي جاء بعيوب كثيرة شكلت تراجعات على مستوى نظام الترقية الذي يفترض أن يقطع مع مختلف الاختلالات التي شهدتها الممارسة، بحيث لا يعقل أن يتم إقرار نظام قانوني 2023-2024 ثم تم تعديل في المادة التاسعة المتعلقة بالترقية، لهذا يجب إعادة النظر في الموضوع لإنتاج نظام أساسي ونظام ترقية يمكن أن يسرع من تطور المسار المهني للأساتذة الباحثين.
وتابع محمد بنجبور بأن الورش الرابع هو البحث العلمي، الذي يعيش تطورا داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، من خلال الأساتذة الباحثين، لكن لا زلنا نمارس البحث في ظل أنظمة قانونية قديمة، هي التي تعرقل البحث العلمي من خلال مساطر مالية تقف أمام تحقيق ذلك، لهذا يجب إعادة النظر في القانون المنظم للمساطر المالية المرتبطة بالبحث العلمي، وأيضا يجب إزالة الضريبة عنه، لأنه من المداخل الأساسية والمنهجية أيضا لكي تربح تطوير البحث العلمي وتطوير المسار المهني للأساتذة الباحثين، مشيرة إلى أهمية إحداث دليل مرجعي لتدبير تنزيل مقتضيات الماستر في علاقته، في انسجام تام مع دفتر الضوابط البيداغوجية، إلى جانب إعادة النظر في مرسوم توظيف الدكاترة على مستوى الجامعة، وإعادة النظر في المعايير التي ينبغي أن تتوفر في الشخص الذي يريد أن يلج للجامعة، على قاعدة المساواة والكفاءة والنزاهة والمسؤولية، مع الإعلان عن المعايير ولوائح الطلبة ومقالات المترشحين للوظائف.
فبعد فضيحة “بيع شهادات الماستر” التي هزت جامعة ابن زهر بأكادير، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، عن مجموعة من الإصلاحات الهيكلية لإعادة تنظيم سلكي الماستر والدكتوراه وتعزيز الشفافية والنزاهة في التعليم العالي، أولا بمراجعة نظام الولوج للماستر، عبر تغيير النظام الحالي واقترح اعتماد آليات جديدة، منها ماسترات متخصصة يتم الولوج إليها بالانتقاء بدل المباراة، حيث يمكن لأي حامل للإجازة الالتحاق بالماستر تلقائيا، مع تحميل رئيس الجامعة مسؤولية إيجاد مكان للطالب، خاصة في الماسترات النظرية، ثم ضبط نسبة غير الطلبة في برامج الماستر والدكتوراه وتسهيل تكوينهم لضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الحوكمة والشفافية وتحديد مهام المتدخلين في التكوين وإعطاء أهمية للشعبة، مع إعداد نظام معلوماتي يضمن الشفافية في تدبير الماستر والدكتوراه، ومراجعة القوانين المنظمة، وأشار إلى أن بعض القوانين أصبحت متجاوزة ويجب تحديثها لمواكبة التحديات الحالية ومنع تكرار مثل هذه الفضائح.
عموما، تعيش الجامعة مجموعة من المشاكل والاختلالات التي ينبغي على الوزارة أن تعمل على علاجها لإعادة رد الاعتبار للجامعة وللطلبة، خاصة على مستوى التكوين الأكاديمي، وتبسيط المساطر والإجراءات وتعميم الشفافية وتكافؤ الفرص في مجال التوظيف على مستوى الكليات والجامعات، من خلال فسح المجال أمام جميع حاملي الدكتوراه، ونشر أسماء المترشحين مع إنجازاتهم العلمية والأكاديمية لتعميم المساواة وتكافؤ الفرص، ووضع آلية جديدة للطعون على مستوى الوزارة عوض ترك الطلبة يتعرضون للانتقام والإقصاء والمنع في حالة تقديمهم شكايات تتعلق بمباريات التوظيف، إلى جانب إعادة النظر في الإصلاحات البيداغوجية التي قام بها الوزير السابق الميراوي، والتي لا تناسب تكوين الطالب المغربي.



