متابعات | فشل قطاع الماء بين أربعة وزراء وإهدار الملايير على مشاريع بدون محاسبة

يعد قطاع الماء من القطاعات المهمة بالنسبة للمغرب، لكونه يعتبر شريان الدورة الاقتصادية، لكن منذ سنوات وهذا القطاع عرف العديد من التعثرات منذ عهد الوزير الاستقلالي فؤاد الدويري مرورا بعبد القادر اعمارة ثم شرفات أفيلال إلى نزار البركة حاليا.
وفي ظل التحديات المائية المستقبلية والإجهاد المائي والمشاكل المحيطة بالقطاع، خطط القطاع المائي بوزارة التجهيز والماء خلال السنوات الأخيرة، للعديد من المشاريع المائية الاستعجالية بكلفة مالية كبيرة واستثنائية، على أسس مشاريع كبرى قصد مواجهة التحديات والإكراهات، وتوفير المياه اللازمة لتغطية حاجيات الساكنة، ومختلف المجالات، الزراعية والصناعية والطاقية والبيئية..
إعداد: خالد الغازي
معظم الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية في تدبير قطاع الماء، ذهبت أدراج الرياح، بسبب غياب التخطيط الجيد، وسوء اختيار المسؤولين لتنفيذ وتتبع هذه المشاريع، وغياب المراقبة والتقييم وانعدام الجودة والبطء في الإنجاز
، مما يؤدي إلى اختلالات في التدبير تعرضها للفشل، فلا تترتب عن ذلك أي محاسبة، والغريب أن المسؤولين عن الإخفاق وتعثر البرامج السابقة، يتم انتقاءهم وتكليفهم بالإشراف على مشاريع أخرى أكثر أهمية، لتدور الحلقة في إعادة إنتاج الفشل وتناوب نفس الأشخاص على المناصب دون أي نتائج ملموسة.
أربعة وزراء يراكمون الفشل
قطاع الماء هو القطاع الوزاري الذي تناوب عليه أربعة وزراء، كل من فؤاد الدويري، شرفات أفيلال، عبد القادر اعمارة، ونزار البركة حاليا، دون أن يتمكنوا من تكريس استمرارية المشاريع وتنفيذها بشكل جدي، حيث يمكن أن ننظر إلى هذا الموضوع من ناحية أخرى وهي أن عيوب القرارات التي يتخذها أي وزير في المجال المائي، يتم السكوت عليها وإخفاؤها إلى غاية مجيء وزير آخر لتظهر للعيان، وسرعان ما يتم تجاوزها دون إجراء أي تقييم للاستفادة منه مستقبلا.
يتضمن القطاع الوزاري ثلاث مديريات مركزية: المديرية العامة لهندسة المياه، مديرية البحث والتخطيط المائي، ومديرية التجهيزات المائية، ويعرف القطاع تراجعا كبيرا منذ سنوات في فرض وصايته الأولى على قطاع الماء والتحكم في مشاريعه، نظرا لتدخل وزارة الداخلية وقطاعات أخرى في تنفيذ المشاريع المائية، خاصة بعد إحداث الوكالات الجهوية لتوزيع المياه والكهرباء، والتي أصبحت خاضعة بشكل شبه كلي للإدارة الترابية وإشراك مجموعة الجماعات الترابية في تدبيرها وتنفيذ مشاريعها وعقد صفقات وغيرها.
لم تتوقف مشاريع السدود في أي لحظة، ولا حتى مع الوزير البركة، وإنما تم الحديث عن تسريع وتيرة إطلاق السدود الكبرى إلى أقصاها مع الوزير اعمارة (إطلاق 5 سدود كبرى في السنة، مع كل التبعات السيئة لذلك)، ومع مجيء نزار البركة، تبين أن هذه الوتيرة فوق طاقة المشتغلين بالوزارة، كما أن هناك إشكالات واجهت إنجاز تلك السدود لإنهائها بالشكل التقني المطلوب، ومن جهة أخرى، يتم اللجوء إلى السدود الصغرى والمتوسطة، حيث أن تراجع التساقطات بشكل بنيوي سيجعل بناء السدود الكبرى دون فائدة، ويمكن أن يقل عددها في المستقبل.
ومن بين الأمور التي زادت من ضعف قطاع الماء الذي يعرف بعض الاختلالات على مستوى تسيير المديريات، تدخل وزارة الداخلية في تنفيذ المشاريع المائية، إذ بعد إنشاء الوكالات الجهوية المكلفة بتنفيذ المشاريع، تم تكليفها ببناء السدود الصغرى، كما أن المشروع الكبير لتحويل المياه من الشمال إلى الجنوب وربط الأحواض المائية، تشرف على تنفيذه إلى جانب وزارة الداخلية، وزارة الفلاحة، بينما يقتصر دور قطاع المياه بوزارة التجهيز على الإشراف على الدراسات فقط.
تعيين مسؤولين فاشلين
من بين الاختلالات التي عرفها ويعرفها قطاع الماء، نقص في التدقيق التقني والمالي والإداري، حيث أن هناك العديد من المشاريع والبرامج التي عرفت تعثرات وأعطاب خلال السنوات الماضية، من بينها مثلا تكليف رئيس تهيئة سد “واد مارتيل” بتطوان من قبل كاتبة الدولة المكلفة بالماء سابقا شرفات أفيلال، في أكتوبر 2017، بتولي مهام الإشراف على كافة السدود والمشاريع المائية، رغم أن إنجاز هذا السد شابته العديد من النواقص، وكان من أسوأ نماذج تدبير المشاريع، سواء من حيث تأخره لأكثر من عشر سنوات، أو تجاوز كلفته التكلفة المخططة له من 950 مليون درهم إلى 1.6 مليار درهم، وكل ذلك تم دون أي مساءلة أو محاسبة أو حتى تقييم لهذا الفشل.
النموذج الثاني، يتعلق بتعيين وزير التجهيز السابق، عبد القادر اعمارة، لمدير البحث والتخطيط المائي، على رأس مديرية التجهيزات المائية في يناير 2019، رغم عدم توافق هذا التعيين مع تخصص ومؤهلات المدير المعين، إذ أن مهام المديرية تقنية بحتة تتطلب خبرة واسعة في مجال دراسات وإنجاز السدود خلال هذه الفترة، انساق هذا المدير في مسايرة توجه الوزير في إطلاق عدد قياسي من السدود الكبرى إلى غاية خمسة سدود سنويا، مع كل التبعات والاختلالات التي نتجت عن ذلك بعد مغادرته، وقد أدى هذا التسرع إلى تعثر بعض السدود بسبب عدم استيفاء الدراسات اللازمة حتى نهايتها.
والملاحظ أن الوتيرة السابقة لإطلاق مشاريع السدود، تم التراجع عنها في عهد الوزير نزار البركة دون القيام بأي تقييم أو مساءلة على الاختلالات التي حصلت سابقا، والغريب أنه بعد الاستغناء عن مدير التجهيزات المائية، تم تعيينه مديرا في وزارة الفلاحة شهر فبراير الماضي، بينما تم تعيين رئيس إعداد سد “ولجة السلطان” بمكناس على رأس مديرية التجهيزات المائية، رغم مسؤوليته – حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات – في إنجاز السد الذي كلف ما مقداره 700 مليون درهم، ورغم وقوف لجان إدارية وتقنية على العديد من العيوب التقنية في المشروع، والتي لم تُتخذ حتى الآن أي قرارات لمعالجتها، ليتم التخلي عنه نتيجة تقديرات غير دقيقة للواردات المائية.
ويثير هذا التساؤل حول الأسس التي استند إليها تعيين المسؤول عن هذه الاختلالات ليشرف على مديرية ذات أهمية كبرى مثل مديرية التجهيزات المائية، وحتى بعد استبداله، كيف أقدم الوزير البركة على تعيين مدير بعيد عن التخصص المائي لقيادة هذه المديرية الحيوية ؟
مديرية مؤقتة فاشلة بميزانية 1200 مليار
الارتباك والفشل الكبير الحاصل على مستوى تدبير قطاع الماء، لم يتوقف عند تعيين مسؤولين فاشلين، بل يمتد إلى فشل على المستوى المركزي والوزارة منذ عهد الوزيرين الدويري واعمارة إلى عهد نزار البركة، حيث أنه في أكتوبر 2019، أعلن الوزير اعمارة عن إحداث مديرية مؤقتة للإشراف على إنجاز مشروع المركب المائي بني منصور بإقليم شفشاون، ليتم تعيين مديرة على رأسها، ويتعلق هذا المشروع بتحويل المياه شمال – شرق في سياق دعم مياه السقي بحوض ملوية، بميزانية تقدر بـ 12 مليار درهم (1200 مليار سنتيم) كما تم التأكيد عليه في بلاغ بعد جلسة عمل ملكية خصصت لإشكالية الماء في نفس السنة، لكن بعد مرور خمس سنوات من الاستثمار المالي والتقني والبشري في إنجاز الدراسات الخاصة بهذا المشروع، سيتضح أن إنجازه بعيد المنال دون الإقدام على الاعتراف بذلك.
والغريب في ملف المديرية المؤقتة الجديدة، أن وزارة المالية وافقت على إنشائها وتوظيف أطر فيها، رغم عدم استكمال الدراسات المتعلقة بمشروع المركب المائي بني منصور، الذي لم يبارح مرحلة الدراسات والتصاميم، حيث تشير المذكرة التقديمية لإحداث هذه المديرية المؤقتة، إلى أن تتبع أشغال المشروع يستلزم “إحداث وحدة إدارية مؤقتة من مستوى مديرية مركزية، يكون مقرها محليا بجوار المشروع على غرار ما تم العمل به إبان إنجاز مشروع سد الوحدة”، لكن هذه المديرية المؤقتة ظلت حبيسة داخل جدران المديرية المركزية بالرباط دون أي أثر ملموس على تقدم المشروع.
وحتى عندما تبلورت فكرة اتخاذ قرار حكومي جريء بشأن مشروع المركب المائي في ماي 2023، لم يتجاوز الأمر مناقشة مشروع المرسوم بنسخ المرسوم بإحداث مديرية مؤقتة للإشراف على إنجاز المركب المائي لبني منصور، لكن لتفادي الحرج، تقرر تأجيل هذه المناقشة إلى وقت لاحق، بهدف تفادي فضح المستور، خاصة وأن الأمر يتعلق بالتراجع عن مشروع سبق وأن حظي ببلاغ ملكي.
فشل المركب المائي بني منصور
منذ توليه مسؤولية الوزارة وتدبير قطاع الماء، عجز نزار البركة عن اتخاذ أي قرار لوقف نزيف المال العام في مشروع المركب المائي بني منصور، بالرغم من استقدامه لخبراء متخصصين من خارج الوزارة، من خلال صفقة مكلفة، واستمر المشروع دون اتخاذ أي قرار بشأن إجراء التقييم اللازم للمشروع أو التخلي عنه، إذ اتضح أن ما أعلن بخصوص حجم المياه الذي كان متوقعا تحويله بواسطة هذا المشروع المتعثر، والمتمثل في مليار ونصف مليون متر مكعب، كان مبالغا فيه، لأن تحقيق هذه السعة التخزينية سيكون صعب المنال، ليتم اعتماد حقينة لسد بني منصور أقل بكثير من المعلن سابقا، واتخذ معظم المسؤولين موقف الحياد السلبي، مع إدراكهم استحالة الاستمرار في المشروع، مما أدى إلى التواطؤ على “إخفاء الغبار أسفل السجادة”..
وفي النهاية، تبخر مشروع المركب المائي بني منصور، الذي كان موضوع بلاغ ملكي في أبريل 2019، ورصدت له ميزانية تقدر بـ 6 ملايير درهم (600 مليار سنتيم)، وتلاشى ليتحول إلى ثلاثة سدود هزيلة (بني منصور وبوحمد ودار ميمون)، مما يثير التساؤل حول مدى دقة دراسات الجدوى التقنية والمالية والقانونية التي تعتبر ضرورية لتحديد إمكانية تنفيذ المشاريع، في غياب أي تقييم أو مساءلة لتفادي تكرار مثل هذه الإخفاقات، ولم تتحرك أي جهة مسؤولة لإجراء تحقيق معمق في أسباب وحيثيات فشل هذا المشروع، حيث يخيم صمت القبور على المؤسسات المعنية بالتدقيق المالي والتقني، سواء المفتشية العامة لوزارة التجهيز والماء، أو المجلس الأعلى للحسابات، وقبل أن يغرق “تيتانيك” هذا المشروع، سعى القائمون عليه إلى الارتماء إلى قوارب النجاة، ولم لا التربص بإحدى المديريات المائية، كمديرية البحث والتخطيط المائي، التي تشهد منافسة محتدمة بين عدة مرشحين من ضمنهم مدراء بوكالات الأحواض المائية مدعومين من دوائر نفوذ لديها تأثير وازن بالقطاع.
وحسب خبراء في المجال، فإن هذه التجاذبات تثير توجسا بالغا لدى المشتغلين بالقطاع المائي، الذي شهد تدنيا متواصلا في قيمته وأهميته.. فلا يُتوقع أن تشهد مديرية البحث والتخطيط المائي إعادة تأهيل أو تعزيز لمهامها ووظائفها بعد تعيين من أشرف على مشروع باء بالفشل، خاصة مع وجود كفاءات بديلة أكثر خبرة يطالها التهميش والإقصاء، فمهام هذه المديرية تحتم على من سيتولى قيادتها، تقديم رؤية استراتيجية واضحة وبرنامجا تفصيليا يتضمن آليات تقييم فعّالة، أما تنصيب مدير وكالة للحوض المائي كمدير للبحث والتخطيط المائي، فهو إجراء تم اللجوء إليه سابقا، ويستنزف للأسف تعويضات باهظة كتكملة للأجر لتعويض الفارق مقارنة بالمنصب السابق، ناهيك عن أن هذا التقليد، الجاري به العمل حاليا، يستغل بطرق غير شفافة من قبل المقربين ومن يدورون في فلكهم.
ويؤكد الخبراء، أن المفارقة التي تبرز من خلال هذه الأمثلة بالقطاع المائي، هي التفاوت بين التحديات الجسيمة التي تواجهها بلادنا بخصوص الأزمة المائية، والتخبط الذي يعتري آليات التدبير والتخطيط والتنفيذ والمراقبة للمشاريع المائية، والتي تحولت إلى نماذج فشل متكررة بفعل غياب التخطيط الجيد، وسوء اختيار المسؤولين، وعدم وجود آليات مساءلة فعالة، مما يهدد مستقبل الأمن المائي الوطني ويزيد من هدر المال العام..
ويرى الخبراء أن استمرار تعيين المسؤولين الذين أشرفوا على إخفاقات سابقة في مناصب تنفيذية جديدة، يعكس ثقافة إدارية تكرس الفشل بدلا من مواجهته وتصحيحه، كما أن غياب الرقابة التقنية والمالية والإدارية، إلى جانب التواطؤ والحياد السلبي، يفاقم من الأزمة ويحول دون اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة تصون الموارد المائية وتضمن استدامتها، لذا، فإن الخروج من هذا المأزق يتطلب تبني رؤية استراتيجية شاملة ترتكز على معايير شفافة لاختيار الكفاءات، وتعزيز آليات المراقبة والتقييم، وفرض مساءلة حقيقية على كل من يساهم في إخفاق المشاريع..
كل هذا يدعو إلى إعادة تقييم السياسة المائية، كما يكشف عن أزمة عميقة في تدبير المشاريع المائية الكبرى وفي حكامتها، وبالخصوص فيما يتعلق بتحمل مسؤولية القرارات بين السياسي والتقني، كما يتضح أن فشل المشاريع بكل أنواعها بالمغرب، لا يؤدي حتما إلى المحاسبة أو التقييم التقني والمالي والإداري، بل يتم تكرار هذا النموذج في مشاريع أخرى أو في الإشراف على مديريات ذات قيمة استراتيجية.



