تقرير | الدبلوماسية البرلمانية.. من رد الفعل إلى المبادرة
القضية الوطنية تفرض تحالف النواب والمستشارين وإلغاء الحدود بين الأغلبية والمعارضة
يجمع جل الخبراء والمتتبعين على أن الشقيقة موريتانيا تتجه حتما نحو اعتراف تاريخي بالأطروحة المغربية فيما يتعلق بالأقاليم الجنوبية(..)، وأن القضية باتت مسألة وقت فقط(..)، في هذا الإطار تبرز صورة رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، وهو يحظى باستقبال له رمزية كبيرة في الشأن الدبلوماسي، من لدن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ ولد الغزواني، على هامش المنتدى البرلماني والاقتصادي المغربي الموريتاني، الذي احتضنته موريتانيا يومي 8 و9 ماي 2025، وبما الأمر يتعلق بالقضية الوطنية الأولى للمغاربة.. فقد كان من الطبيعي أن يتراجع الخلاف بين الأغلبية والمعارضة، خلف الصورة، ليكون أول الشاهدين على أهمية المبادرة هو رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، بصفته واحدا من أعضاء الوفد حيث قال: “إن الاستقبال الذي حظي به رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، يؤكد نجاح المنتدى”، كما أكد أن “الدبلوماسية البرلمانية لها أدوار مهمة، وستبقى رهن إشارة القضايا الوطنية”.
إعداد: سعيد الريحاني
الحدث يكتسي أهمية كبيرة.. ففضلا عن كونه يعد تنزيلا واقعيا للتوجيهات الملكية في باب الدبلوماسية البرلمانية، ومواصلة لتنفيذ اتفاق يوليوز 2022 على إحداث المنتدى البرلماني الاقتصادي المغربي الموريتاني كإطار مؤسساتي جديد للتعاون.. فقد حقق على الميدان نجاحات مؤكدة، بعد أن أجرى رئيس مجلس النواب المغربي، الذي نقل رسالة ملكية بالمناسبة(..)، مباحثات مع الرئيس الموريتاني ولد الغزواني بحضور الوزير المكلف بالديوان الرئاسي، الناني ولد أشروقه، ورئيس البرلمان الموريتاني محمد ولد مكت، والسفير المغربي في موريتانيا حميد شبار.
بغض النظر عن الكلمات، والرسائل الإيجابية المتبادلة على أعلى مستوى، فالقوة الدبلوماسية لهذا اللقاء تنبع من مكان انعقاده أولا في بلد غير بعيد عن أصحاب الأطروحة الوهمية(..)، كما تتجسد أهميته في نوعية الحضور الذي يغني وجوده عن أي تأويل، حيث حضر عن الجانب المغربي كل من وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، وكاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، عمر احجيرة، ووزير الزراعة والسيادة الغذائية الموريتاني، أمم ولد بيباتة، والوزير الموريتاني المكلف بالميزانية، كوديورو موسى انكينور، ووزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الموريتانية، الحسين ولد مدو، ووزير الصيد والبنى التحتية البحرية، الفضيل ولد سيداتي.. فضلا عن حضور كبير لفاعلين من القطاع الخاص، وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني.
بعيدا عن موريتانيا، حيث تحقق النجاح المطلوب للمبادرة من باب التعاون الاقتصادي(..)، ورغم بعد المسافة، وقف رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي، قبل أسابيع فقط من مبادرة عقد المنتدى البرلماني الموريتاني، وهو يقود وفدا مكونا من الأغلبية والمعارضة، على منصة البرلمان المكسيكي، ليعدد نقط الالتقاء والتشابه بين بلدين بعيدين عن بعضهما البعض، هما المغرب والمكسيك، وقد كان البعد حتى وقت قريب سببا في ترويج خصوم المغرب لأطروحات وهمية في هذا البلد.
لكل مقام مقال.. ولكن “اختراقا” دبلوماسيا من هذا النوع يفرض الإلمام بالتاريخ والمعطيات الاستراتيجية والمتغيرات الدولية، لذلك أصر الرئيس رشيد الطالبي العلمي، وهو يتحدث على منصة برلمان المكسيك، التي تعد واحدة من البلدان القوية من حيث صعودها الاقتصادي، على إبراز النقط المشتركة بين البلدين، عكس ما يدعيه الخصوم، حيث قال: ((لئن كانت الولايات المتحدة المكسيكية والمملكة المغربية، تنتميان إلى قارتين متباعدتين، فإنهما تتقاسمان، مع ذلك، نفس القيم، ونفس الانشغالات، وتتجندان لمواجهة نفس التحديات.. فكون المكسيك تقع على الحدود مع أكبر قوة اقتصادية واستراتيجية عالمية جاذبة، الولايات المتحدة الأمريكية، وكون المغرب البلد الأقرب جغرافيا واقتصاديا إلى الاتحاد الأوروبي، إذ لا تفصل بلادنا عن إسبانيا سوى 14 كلم عبر مضيق جبل الطارق، يجعل منهما بلدين مطالبين بتدبير الهجرة الوافدة.. ونواجه معا تحدي انعكاسات الاختلالات المناخية، وكلانا يواجه تحدي الإرهاب والجريمة المنظمة، ويوظفان من أجل ذلك موارد مالية ولوجستيكية وبشرية هامة، حماية لأمنهما ولأمن المجتمع الدولي)) يقول الطالبي العلمي، قبل أن يضيف: ((إن مما ييسر متانة علاقاتنا ويفتح أمامها آفاق أرحب، موقعا بلدينا البحريين الاستراتيجيين، مما يجعلهما قاعدة مبادلات وحلقات وصل بين كبريات الاقتصادات العالمية، وبين قارتين واعدتين.. فلنجعل من البحار إذن، قناة تواصل ومبادلات وانسياب للبضائع، ونحن الذين نتوفر معا على ثقافة بحرية عريقة)).
ولا فرق بين الأغلبية والمعارضة، سواء عندما تعلق الأمر بزيارة موريتانيا أو زيارة المكسيك، طالما أن المحرك هو القضية الوطنية، وقد شهد رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية عبد الله بوانو، على مكاسب زيارة المكسيك، وكان قد شارك فيها إلى جانب رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار ورئيس فريق الأصالة والمعاصرة ورئيس فريق التقدم والاشتراكية، حيث قال: ((بالنسبة لي، هناك عناصر مهمة تكشف حجم النجاح الذي حققته زيارة وفد مجلس النواب إلى المكسيك، أولها إلقاء الطالبي العلمي كلمة باسم مجلسنا أمام مجلس النواب المكسيكي، رغم بعض التشويش الذي قام به فريق برلماني وحيد، أو دعوني أقول بعض الأفراد، لأنه تبين فيما بعد أن من اعترضوا معه، لم يكونوا جميعا نوابا، وهذا عنصر النجاح الأول، لأنه ليس متاحا لأي كان من الأجانب إلقاء كلمة أمام مجلس النواب في المكسيك. والعنصر الثاني، هو إلقاء ممثلين عن الفرق البرلمانية المكسيكية من الأغلبية والمعارضة، لمداخلات بعد كلمة رئيس المجلس، وقد أشادت جميعها بالتطور الذي تعرفه العلاقات المغربية المكسيكية، ودعت إلى ترسيخها والانتقال بها إلى مستوى أكثر تقدما يراعي التحولات التي يعرفها المغرب، والآفاق التي يفتحها للتنمية والشراكة المربحة بفضل موقعه الجغرافي.. وسجلنا في المقابل مداخلة وحيدة، حاولت صاحبتها أن تعكر صفو الجلسة التي يمكن وصفها بالتاريخية، حيث انهالت بالتهم على زملائها، فقط لأنهم كانوا منصفين في حديثهم عن المغرب، وعن وحدته الترابية وسيادته على صحرائه، وعن مصلحة بلادهم في دعم الجهود الأممية في قضية الصحراء وأهمية التزام الحياد على الأقل، وعلمنا فيما بعد أن هذه الاتهامات فتحت بشأنها مناقشات جدية لتحديد المسؤوليات وترتيب الأثار القانونية بشأنها.. ودون التدخل في هذا الشأن الداخلي لزملائنا أعضاء مجلس النواب في المكسيك، فإنه من زاوية التحليل السياسي، هو نوع من التوجه نحو عزل دعم أطروحة الانفصال داخل النخبة البرلمانية المكسيكية، والدفع بتعزيز العلاقات مع المغرب مع مراعاة مصالحه الوطنية وفي مقدمتها ما يتعلق بقضية الصحراء، وهذا عنصر نجاح ثالث لا شك في ذلك)).

تؤكد الشهادة سالفة الذكر، جانبا من المعارك الدبلوماسية القوية التي يقودها النواب المغاربة من أجل بلادهم في الخارج، ولا فرق في ذلك بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، ولم يكن بعد المسافات وآلاف الكيلومترات ليحول دون إجراء رحلات مكوكية دفاعا عن القضية الوطنية، وتبقى إحدى الوصفات الناجعة لردم الهوة بين المسافات هي مبادرة خلق “المنتدى البرلماني الاقتصادي المغرب-أمريكا اللاتينية والكاريبي”، هذا الأخير تم الإعلان عن تأسيسه انطلاقا من مكان له رمزيته، وهو مكتبة الملك محمد السادس في عاصمة بنما، خلال نهاية السنة المنصرمة، الأمر الذي يعد بدوره “اختراقا” دبلوماسيا عابرا للقارات، وهو الاتفاق الذي أشرف على توقيعه كل من رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي (برلاتينو)، رولاندو باتريسيو غونزاليز، ورئيس برلمان أمريكا الوسطى (بارلاسين)، كارلوس هيرنانديز كاستيو، ورئيسة برلمان الميركوسور (بارلاسور)، فابيانا مارتن، ورئيس البرلمان الأنديني (برلاندينو)، غوستافو باتشيكو.. يوم 4 دجنبر 2024 (انظر الصورة).
مبادرة بهذا الحجم، وفي الجزء الآخر من العالم، لا تقف قيمتها عند كونها تصب مباشرة في دعم الجهود المرتبطة بالقضية الوطنية، بل تكمن في كونها مبادرة تكاملية مع ما تم التأسيس له من خلال وفود مجلس النواب، فضلا عن كونها تمت على ضوء المبادرة الأطلسية المغربية التي تهدف إلى تعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي(..)، من تم كان لافتا للانتباه قول رئيس مجلس المستشارين، بلغة مفهومة وواضحة، خلال أشغال الجمعية العامة لبرلمان أمريكا اللاتينية والكارايبي (بارلاتينو): “إن المملكة المغربية، التي حدد الملك محمد السادس، بكل حزم ووضوح، المنظار الذي يرى به العالم، تقوم في مجال التعاون جنوب -جنوب، على تعزيز السلام والأمن والاستقرار، ودعم التكامل الاقتصادي الجهوي والإقليمي، وهذه المبادئ كانت – ولا شك – الإطار المرجعي للمبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك في نونبر 2023، لأطلسيٍ أوسع وأكثر شمولا، يمثل نقطة التقاء بين إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، باعتبارها مناطق تتوفر على المؤهلات الضرورية لضمان الإقلاع الاقتصادي..))، وقد قال ذلك في أول مهمة له خارج أرض الوطن بعد التنصيب(..).
إن حسابات التكامل والتعاون على طي حاجز المسافات بين كل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، تؤكدها الثمار التي تحققها مثل هذه اللقاءات والتي تعكسها تصريحات المسؤولين، إذ أكد رئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكاريبي خورخي بيزارو إستيبان، في وقت سابق بمدريد (التي اعترفت هي الأخرى بجدية مقترح الحكم الذاتي)، أن ((هذا التجمع الإقليمي الذي يضم 23 برلمانا وطنيا، يتقاسم مع المغرب موقفه بشأن قضية الصحراء.. وأن موقف دول أمريكا اللاتينية بخصوص الصحراء المغربية، تغير بشكل جذري في السنوات الأخيرة لصالح المملكة)). ولا شك أن الفضل في هذا التغيير يعود للدبلوماسية البرلمانية(..).
إن النجاح الدبلوماسي لأنشطة الغرفة الثانية في أمريكا اللاتينية، هو الذي يقف بشكل مستتر وراء انتشار عناوين إعلامية، تؤكد الدينامية المرغوبة، بعد سنوات عجاف من تباعد وجهات النظر، حيث صار من المعتاد اليوم قراءة عناوين إعلامية من قبيل: ((رئيس مجلس المستشارين يستقبل الرئيس بالنيابة لبرلمان أمريكا اللاتينية والكرايبي، اجتماع مشترك مع برلمان منظومة الأنديز بمقر مجلس المستشارين بالرباط، رئيس مجلس المستشارين يستقبل رئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكارايبي رونالدو غونزاليز باتريسيو، دبلوماسية برلمانية جريئة تعزز ريادة المغرب في أمريكا اللاتينية)).. كل هذه العناوين لم يكن بالإمكان قراءتها قبل سنوات قبل أن تمر الدبلوماسية البرلمانية إلى سرعتها القصوى، بعد “تحالف” عملي بين مجلسي النواب والمستشارين في سبيل التعريف بالقضية الوطنية الأولى للمغاربة.. هذا التحالف تؤكده أيضا الأنشطة والبلاغات المشتركة بين الجانبين(..).
سواء تعلق الأمر بمجلس النواب أو بمجلس المستشارين، وبغض النظر عن الانتماء إلى الأغلبية أو المعارضة، فإن الدبلوماسية البرلمانية، رغم طابعها الناعم، تعد بمثابة كاسحة ألغام في مواجهة خصوم الوحدة الترابية للبلاد، لاسيما بعد ما حققته القضية الوطنية من مكاسب في السنوات الأخيرة، على رأسها اعتراف دول كبرى بسيادة المغرب على صحرائه، ويجب التأكيد، في هذا الإطار، على أن هاته المجهودات لا تأتي بمعزل عن التوجيهات الملكية، حيث أكد الملك محمد السادس في خطابه الأخير إلى أعضاء البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشر، على ((الدور الفاعل للدبلوماسية الحزبية والبرلمانية في كسب المزيد من الاعتراف بمغربية الصحراء، وتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد لهذا النزاع الإقليمي))، وقد كان لافتا للانتباه دعوة الملك محمد السادس ((إلى المزيد من التنسيق بين مجلسي البرلمان بهذا الخصوص، ووضع هياكل داخلية ملائمة، بموارد بشرية مؤهلة، مع اعتماد معايير الكفاءة والاختصاص، في اختيار الوفود، سواء في اللقاءات الثنائية، أو في المحافل الجهوية والدولية))..
في ذات السياق، قال الملك محمد السادس في خطابه الموجه إلى ممثلي الشعب في كلا الغرفتين: ((لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف.. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية))، ولازالت المعركة من أجل القضية الوطنية متواصلة إلى حدود اليوم، بشعار: الله الوطن الملك.



