المنبر الحر

المنبر الحر | الوضعية الثانوية للشهود في المادة الزجرية

بقلم: مراد علوي

    تعد الشهادة من أقدم وسائل الإثبات في القضايا الجنائية، وقد ظل القضاء المغربي يمنحها أهمية بالغة في تكوين قناعته، كما جاء في قانون المسطرة الجنائية، إلا أن واقع المحاكم اليوم يكشف عن ظاهرة مقلقة تتمثل في انحراف بعض الشهادات عن دورها الأصلي، وتحولها من وسيلة لكشف الحقيقة إلى أداة لتضليل العدالة والتأثير في مسار المحاكمة.

ينص قانون المسطرة الجنائية على إجراءات دقيقة للاستماع إلى الشهود، ويلزمهم بالحضور والإدلاء بأقوالهم تحت القسم أمام المحكمة، وتعتبر الشهادة من عناصر الإثبات التي تدخل ضمن السلطة التقديرية للقاضي، ما يمنحه صلاحية تبنيها أو استبعادها وفق قناعته، لكن هذه الحرية القضائية تصطدم أحيانا بواقع ميداني تختلط فيه النوايا، وتتعدد فيه الشهادات الكيدية والموجهة، التي لا تستهدف سوى التلاعب بالوقائع وتشويه الحقيقة.

لقد أفرد المشرع المغربي في الفصل 369 من القانون الجنائي عقوبات صريحة للشهادة بالزور، حيث يعاقب كل من يدلي بشهادة كاذبة أمام القضاء، وتشتد العقوبة إذا ترتب عنها صدور حكم بالإدانة ضد بريء، غير أن تطبيق هذه المقتضيات يواجه عراقيل كبيرة، في مقدمتها صعوبة إثبات نية الكذب لدى الشاهد، وغياب وسائل دقيقة لكشف التلاعب في الأقوال، مما يجعل العديد من شهادات الزور تمر دون مساءلة أو تتبع قضائي.

تتمة المقال تحت الإعلان

والأخطر من ذلك، أن بعض الشهادات يتم تقديمها لأسباب انتقامية، أو بإيعاز من أطراف لها مصلحة في توجيه مسار المحاكمة، وفي حالات أخرى، يكون الشاهد تحت تأثير ضغوط أسرية أو اجتماعية، أو حتى مقابل تعويض مادي غير مشروع، وهو ما يحول المحكمة إلى ساحة للتصفية بدل أن تكون منبرا للحقيقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم هذا الخلل، فإن القضاء المغربي لا يتوقف عند حدود الشهادة وحدها، بل يستند إلى أدوات أخرى نص عليها قانون المسطرة الجنائية.. فمحاضر الضابطة القضائية، رغم كونها لا تشكل دليلا حاسما، تظل وثائق مهمة لبناء تصور أولي عن الوقائع، كما أن المحكمة قد تلجأ إلى الخبرة التقنية أو الطبية، خاصة في الملفات المعقدة التي تستدعي رأيا متخصصا لفهم جزئيات فنية قد تغيب عن غير المختصين.

وتعتبر المعاينة، وإعادة تمثيل الجريمة، من الآليات المهمة التي تسهم في تقاطع الأقوال مع الواقع، وكشف التناقضات في تصريحات المتهمين أو الشهود على حد سواء، هذا دون أن نغفل القرائن القضائية التي يستخلصها القاضي من سلوك الأطراف، وظروف القضية، وسياق الأحداث، وهي أدوات تسمح له بتكوين قناعة مبنية على منطق وتحليل سليم، بدلا من التسليم الأعمى بشهادة قد تكون زائفة أو مدفوعة.

ومع تنامي ظاهرة الشهادة المضللة، يصبح من الضروري التفكير في تعزيز آليات مراقبة الشهادات وتوسيع صلاحيات النيابة العامة لتحريك المتابعة في حالات الزور، كما ينبغي ترسيخ وعي قانوني لدى المواطن بأن الشهادة ليست حقا فقط، بل مسؤولية قد يترتب عنها مصير شخص، إما بالإدانة أو بالبراءة.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للحقيقة القضائية، من خلال ضبط الشهادة ضمن إطار قانوني صارم، وتفعيل المقتضيات الزجرية ضد كل من يعبث بها، مع تقوية دور الأدوات العلمية والموضوعية في بناء الحكم الجنائي، فثقة المجتمع في العدالة لا يمكن أن تُبنى على شهادة قابلة للتوجيه، بل على منظومة إثبات متكاملة تحترم القانون، وتنتصر للحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى