للنقاش | الإطار القانوني لهدم المباني الآيلة للسقوط


ارتفعت الأصوات والاحتجاجات على إثر القيام بإفراغ المنازل من سكانها وهدمها، وهدم محلات تجارية، وهذه الخطوة اتخذت خلال شهر رمضان المبارك وسكان تلك المنازل والتجار يقومون بأداء فريضة الصيام، والمواظبة عل صلاة التراويح، ورفع الدعوات للخالق سبحانه أن يغفر ذنوبهم، ويرفع عسرهم وييسر أمور دنياهم.
عمليات الإفراغ والهدم، عمت المنازل والمتاجر الكائنة ببعض الشوارع والأحياء، مثل حي المحيط بالرباط، والمنطقة المعروفة بعنق الجمل بسلا، مع العلم أن المنازل الواقعة بعنق الجمل شيدت منذ عشرات السنين، وشيد بجانبها المسجد والمدرسة، وسمح للسكان بتزويد المنازل بالكهرباء والماء، وتم تجهيز المنطقة والسلطات المحلية على علم ولم تحرك ساكنا، بل إن وسائل النقل الحضري تنقل السكان إلى تلك المنطقة باستمرار وانتظام.
لقد أحدثت هذه الموجة من الهدم وطرد السكان، رجالا ونساء، أطفالا وشيوخا، والمرضى والنفساء والمرضعات، وإبعاد التلاميذ عن مدرستهم، بدون رحمة ولا شفقة خلال شهر رمضان، أحدثت أثرا سيئا، وانطباعا مؤسفا، عن كيفية التعامل مع المواطنين، ويكفي أن نذكر شعورا واحدا وانطباعا عبر عنه مواطن ونشر في إحدى الجرائد وقال: “المشهد يعكس القلق النفسي العميق والتوتر الذي يخيم على حياة الأسر، الأمهات والآباء الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى محاصرين بين أرض قاسية وسماء باردة، فكيف يمكن لهذه العائلات أن تشعر بالأمان والاستقرار في ظل هذه الظروف القاسية”.
وأمام هذا الوضع، نلقي الأسئلة التالية: ما هي أسباب ودواعي الإفراغ والهدم بعد مرور مدة زمنية طويلة؟ ما هي النصوص القانونية التي تنظم وتؤطر شرعية الإقدام على إفراغ منازل وهدمها وللمنزل حرمة شرعية ودستورية ؟
قبل الجواب، نذكر بعض أسباب الإفراغ والهدم:
1) كون العقار آيل ومهدد بالسقوط، ويشكل خطرا على السكان والجيران والمارة.
2) كون مكري العقار يرغب في إفراغ المكتري للهدم وبناء طابق علوي أو توسعة العقار، أو هدم العقار وإعادة بنائه من جديد وفق معايير حديثة وعصرية..
3) نزع ملكية العقار وإفراغه وهدمه بدواعي تحقيق منفعة عامة.
ومهما كان سبب الإفراغ والهدم، فلا بد من مراعاة ما تنص عليه المساطر والإجراءات القانونية التي تحمي حقوق من يعتمر العقار واحترام حرمة المنازل، ويخضع طلب أو قرار الإفراغ والهدم للمراقبة، إما مراقبة قضائية أو مراقبة إدارية، أي أن يخضع القرار لمسطرة الطعن، فالفقرة الثانية من الفصل 118 من دستور المملكة، تنص على أن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية.
من النصوص القانونية المتعلقة بإفراغ المحلات الآيلة للسقوط، نذكر ما ورد في القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، فالمادة 13 من هذا القانون نظمت القواعد العامة التي يجب احترامها عند طلب إفراغ محل تجاري أو صناعي أو حرفي، لكون البناء مهدد بالسقوط، أو بقصد عمليات تتعلق بالتجديد الحضري، ثم بينت المواد اللاحقة شروط الحق في الأسبقية للعودة للمحلات المعاد بناؤها، ثم مسطرة توسيع المحل أو تعليته، وأيضا المقتضيات المشتركة بين الإفراغ والهدم للتوسعة أو التعلية.
وحرصا من المشرع على حماية حقوق مالك الأصل تجاري عند نزع الملكية، نصت المادة 21 على أنه: ((إذا وقع نزع ملكية عقار يشتغل فيه أصل تجاري لأجل المنفعة العامة، تطبق مقتضيات القانون رقم 81.7 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة)).
هذه المقتضيات تطبق على عقود الكراء المبرمة بين الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، فما هو الوضع بالنسبة للجهات الإدارية التي تلاحظ أو وصل إلى علمها أن عقارا على وشك الانهيار ومهدد بالسقوط وما قد ينتج عن ذلك من أضرار؟ فالفقرة الثانية من الفصل 21 من الدستور تنص على أن السلطات العمومية تضمن سلامة السكان وسلامة التراب الوطني في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع.
ومن السلطات العمومية المكلفة بضمان سلامة السكان، المجالس الجماعية المنظمة كما ينص على ذلك الميثاق الجماعي الجديد، القانون رقم 78.00 وفق ما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 17.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.078.53 بتاريخ 22 صفر 1430هـ الموافق لـ 17 فبراير 2009، ونصت المادة 50 من ذلك القانون على الاختصاصات الواسعة والمتعددة التي يمارسها رئيس المجلس الجماعي، ومنها مراقبة البنايات المهملة أو المهجورة أو الآيلة للسقوط، أو يتخذ التدابير اللازمة لترميمها أو هدمها طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
ومن القوانين الجاري بها العمل القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري، وأحكام هذا القانون تهدف إلى سن “إجراءات تتعلق بمعالجة المباني الآيلة للسقوط وتنظيم عمليات التجديد الحضري وكذا إحداث مؤسسة عمومية لذلك الغرض”.
فهل إفراغ وهدم المباني كان بسبب قدم البنايات، وأنها على وشك الانهيار، أم بسبب القيام بعمليات ترمي إلى التجديد الحضري ؟
والمادة 6 من هذا القانون تنص على أن رئيس مجلس الجماعة يتخذ قرارات بتدعيم أو هدم المبنى الآيل للسقوط، عندما يتحقق من أن الانهيار الكلي أو الجزئي للمبنى المذكور يمكن أن يترتب عنه مساس بسلامة شاغليه أو المارة أو البنايات المجاورة وإن كان غير متصل لها.
والسؤال المطروح: هل سبب الإفراغ والهدم هو قدم البنايات وهي على وشك الانهيار؟ هل سبب الإفراغ والهدم هو احتلال ذلك العقار بدون حق ولا سند؟ هل سبب الإفراغ والهدم هو القيام بعمليات التجديد الحضري ؟
كل ما نهدف إليه، هو أن كل إجراء أو تدبير قد يمس بحرمة وحقوق واستقرار الأشخاص، يجب أن يكون مبنيا على أسس قانونية وشرعية، ويتخذ في الوقت المناسب، وعدم الشطط في استعمال السلطة، ومراعاة التعويض العادل عما يمكن أن ينتج عن ذلك الإجراء أو التدبير من أضرار مادية عملا بالقاعدة الشرعية “دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة” و”لا ضرر ولا ضرار”.



