تحقيقات أسبوعية

تقرير | تقرير يكشف احتكار البيانات ووضع عراقيل أمام ترافع المجتمع المدني من أجل البيئة

كشف تقرير جديد حول البيئة والموارد المائية، أن النشاط البيئي في المغرب يمر بمرحلة مفصلية، تتجلى فيها الحاجة الملحة إلى تبني مقاربات محلية شاملة في الترافع من جهة، وتواجهها تحديات هيكلية من جهة أخرى، أبرزها ضعف الحكامة اللامركزية، وغياب الشفافية في البيانات البيئية وضعف القدرات المؤسسية، وعلى الرغم من تعقيدات هذه التحديات، فإن تجاوزها يستلزم مراجعة جذرية لآليات تفاعل صناع القرار ومنظمات المجتمع المدني مع قضايا الحكامة البيئية، بما في ذلك إصلاحات مؤسسية عميقة، وتعزيز التنسيق الفعال بين مختلف الفاعلين.

الرباط. الأسبوع

    أكد تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات حول “الترافع البيئي في المغرب: التحديات الاستراتيجيات والعوائق المؤسساتية”، أن المغرب يواجه مجموعة من التحديات البيئية التي تتداخل مع آليات الحكامة، مما يكشف عن قصور هيكلي في آليات تنفيذ السياسات، وإدارة الموارد، والمسؤولية المؤسسية، بحيث تتصدر هذه القضايا مشكلات شح المياه، التلوث، تدهور الأراضي، التغير المناخي، وهي كلها تساهم في زيادة النشاط المجتمعي في مواجهة هذه التحديات في وقت تزداد فيه فجوات الحكامة وتفاقم أثارها وتداعياتها، من خلال التداخل بين العمل المجتمعي المحلي والحكامة البيئية، والفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأضاف التقرير أن البيئة القانونية والسياسية في المغرب، تضع عراقيل أمام الجمعيات البيئية رغم ما ينص عليه دستور 2011، الذي يكفل الحق في تقديم العرائض ويضمن المشاركة المدنية، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه الحقوق يظل متباينا، ورغم توفر أدوات قانونية، مثل العرائض، فإنها في كثير من الأحيان تفتقر للفعالية بسبب العقبات البيروقراطية والانتقائية في استجابة الجهات الرسمية، مشيرا إلى أن العرائض ترفض بشكل متكرر لأسباب فنية، مثل نقص الوثائق، أو التوقيعات غير المعتمدة، ما يضعف الثقة في الأطر المؤسساتية، إذ أن نحو 60 % من جمعيات المجتمع المدني، تواجه تحديات تتعلق باستدامة التمويل، فيما يرى 44 % منها تقلص الفضاء المدني، أي حرية التعبير وتكوين الجمعيات.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب التقرير، فإن المغرب يعاني من أزمة مائية حادة تتفاقم بفعل التغييرات المناخية خلال السنوات الماضية، وبسبب الاستغلال المفرط للموارد المائية وسوء الإدارة في عدة مناطق، مثل وادي درعة، والتي تعتمد بشكل كبير على أنظمة الري التقليدي مثل الخطارات، تتضاءل كميات المياه المتاحة مما يهدد الزراعة وسبل العيش المحلية، مشيرا إلى تقرير البنك الدولي الذي يعتبر أن التغير المناخي يعطل الدورة المائية الطبيعية، مما يؤدي إلى زيادة تواتر وشدة موجات الجفاف، وبالتالي، تفاقم الأزمة بشكل أكبر.

وإلى جانب ذلك، تتعرض الأطر القانونية، مثل القانون رقم 36.15 الذي يسمح بخوصصة إدارة المياه، لانتقادات واسعة، حيث تتهم بأنها تهدد السيادة المحلية على الموارد وتغفل حقوق المياه التاريخية في مناطق مثل فجيج وزاكورة وطاطا.

وسلط التقرير الضوء على مجموعة من المظاهر التي تضر بالموارد المائية، من بينها تلوث مصادر المياه وضعف تنظيم النفايات الصناعية، وسوء إدارة النفايات الصلبة التي تعد من أبرز القضايا التي تثيرها منظمات المجتمع المدني، وغالبا ما تشير إلى نقص الجهود الحكومية في معالجة هذه القضايا، لاسيما في المدن الكبرى، حيث لاتزال مشكلات الصرف الصحي بلا حلول جذرية، ويعكس هذا الوضع محدودية القدرات المؤسساتية وغياب أولوية واضحة للبيئة في برامج الحكامة المحلية والوطنية، كما تشكل ظاهرة التصحر وتعرية التربة تهديدا متزايدا للمناطق الجافة وشبه الجافة في المغرب، وتساهم الممارسات الزراعية غير المستدامة، والرعي الجائر والزحف العمراني، في تفاقم هذه الظواهر، مما يؤدي إلى تدهور الأنظمة البيئية الحيوية، إلى جانب أن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى ظهور مواطن ضعف جديدة، تأثرت بها بشكل خاص المجتمعات الهشة في المناطق القروية.

وأبرز التقرير أن تحديات الحكامة والضعف المؤسساتي تمثل جوهر الأزمات البيئية في المغرب، رغم أن الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة تهدف إلى دمج الاستدامة في عملية صنع السياسات، إلا أن تنفيذها يواجه غالبا معيقات تتمثل في ضعف التنسيق بين الوكالات وقصور في إشراك الفاعلين المحليين، كما أن الهيكل الإداري للبلاد القائم على مركزية اتخاذ القرار، يحد كثيرا من قدرة صناع القرار المحليين على معالجة التحديات البيئية ذات الطابع الإقليمي الخاص، فعلى سبيل المثال، غالبا ما تفتقر المجالس البلدية والمؤسسات المحلية إلى استقلالية أو الموارد الضرورية لتنفيذ حلول تتناسب مع الظروف البيئة المحلية، مما يجعل المجتمعات المحلية تواجه سياسات مركزية لا تراعي تعقيدات الواقع الميداني.. فهذه المشكلات تتفاقم نتيجة لغياب منصة مركزية متاحة للعموم تقدم البيانات البيئية بشكل موحد، وغالبا ما تواجه منظمات المجتمع المدني صعوبة في الحصول على المعلومات الضرورية، لإجراء ترافع مبني على الأدلة، وفي الوقت نفسه تفتقر الجهود المنفصلة لجمع البيانات من قبل الجهات الحكومية المختلفة، إلى التنسيق ما يعيق تحقيق الشفافية والمساءلة، يقول التقرير، موضحا أن هذا الانفصال بين السياسات الوطنية والواقع المحلي، يسهم في خلق حالة من انعدام الثقة بين المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية، مما يقلل من فعالية الترافع البيئي، كما أن عددا محدودا من منظمات المجتمع المدني، يتمكن من الاستفادة من البيانات أو إنتاجها أو عرضها بطريقة تدعم برامجها، بحيث تمتلك قلة منها الخبرة التقنية والمعرفة اللازمة لجميع المعطيات أو تقديم مقترحات سياسات مدعومة بالبيانات، واعتبر أن فهم التحديات البيئية في المغرب، لا يمكن أن يتم بمعزل عن أبعادها المرتبطة بالحكامة، سواء تجسدت هذه التحديات في سياسات مثل خوصصة المياه، أو في ضعف تطبيق القوانين البيئية، أو في تهميش الأصوات المحلية، فإن إخفاقات الحكامة تزيد من تفاقم التدهور البيئي، وللتصدي لهذه القضايا المتداخلة، تبرز الحاجة لمقاربة شمولية تعزز من القدرات المؤسسية، وتوسع من توزيع الصلاحيات وتمنح المجتمعات المحلية دورا أكثر فعالية في صياغة السياسات البيئية وتنفيذها.

ووفق التقرير، فإن جهود الترافع البيئي في المغرب من قبل نشطاء البيئة ومنظمات المجتمع المدني، التي تطالب بتدخل السلطات المحلية، إلا أن طبيعة الترافع والاستراتيجيات تتباين حسب مدى تمثيل المجتمع وحجمه، بالإضافة إلى الخصائص الاجتماعية والسياسية لكل منطقة.. ففي المدن الصغيرة كثيرا ما تعتمد جهود الترافع على شبكات علاقات شخصية وغير رسمية بدلا من القنوات القانونية الرسمية، بينما تتمكن منظمات المجتمع المدني في مدن أكبر من الاستفادة من القنوات الرسمية، مثل تقديم الرسائل الرسمية وطلب عقد اجتماعات مع المسؤولين المنتخبين وولاة الجهات، فيما يعتمد النشطاء في المدن الصغيرة على الشبكات الرسمية، وتعتمد على استخدام العرائض الرسمية المدعومة بحملات قائمة على البيانات، غير أن هذه النجاحات ليست موزعة بالتساوي، إذ تفتقر المناطق القروية للموارد ولمستوى التفاعل المؤسساتي الموجود في المدن الكبرى.

وأفاد التقرير أن جهود الترافع البيئي في المغرب تواجه مشكلة متكررة، تتمثل في غياب النشر الاستباقي للمعلومات من الجهات الحكومية، ذلك أن عددا من منظمات المجتمع المدني صرحت بأنه على الرغم من اعتماد المغرب للقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومة، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018، إلا أنه لم يُلتزم بتنفيذ مقتضياته بشكل كامل، لاسيما فيما يتعلق بالمعطيات البيئية والنشر الاستباقي للبيانات الذي يتطلبه القانون، مما جعل ممثلي الجمعيات يشتكون من كون الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة لا تتقاسم البيانات البيئية التي تجمعها، رغم وجود مؤسسات متعددة تجمع بيانات البيئة، منها وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، المندوبية السامية للمياه والغابات، وكالات الأحواض المائية، المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، المكتب الوطني للكهرباء والماء، مديرية الأرصاد الجهوية.

وأشار التقرير إلى أن البيانات البيئية موزعة بين العديد من الفاعلين الحكوميين دون وجود منصة رسمية تجمع كافة هذه المعلومات، وذلك رغم أن هذا الهدف يعد من الأهداف الأساسية للاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، معتبرا أن هذا التشتت من أبرز التحديات التي يشير إليها نشطاء المجتمع المدني، إضافة إلى ذلك، عندما يطلب من هذه المنظمات توضيح دورها في قضية البيانات، فإنها غالبا ما تقر بوجود نقص في الكفاءات التنقية التي تساعدها على الاستفادة الكاملة من المعطيات المتوفرة في جهود الترافق البيئي.

وأوصى التقرير بنهج سياسة نحو لامركزية ومنح السلطات المحلية صلاحيات أوسع لمجابهة التحديات بكل منطقة، خصوصا في الواحات والمناطق الجبلية، وتعزيز هياكل الحكامة المحلية، ووضع استراتيجيات ترافع شاملة تضمن تحقيق أثر مستدام، بالإضافة لإتاحة المعلومات وضمان النشر الاستباقي للبيانات البيئية، بما يسهم في تعزيز الشفافية وتمكين اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية، داعيا منظمات المجتمع المدني إلى التركيز على بناء القدرات وتوسيع التحالفات الإقليمية، وتبني استراتيجيات ترافع متنوعة لتجاوز قيود الموارد، ودعم التعاون العابر للحدود في مواجهة التحديات البيئية المشتركة مثل التصحر وندرة المياه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى