المنبر الحر

المنبر الحر | عدالتنا المريضة.. والحاجة إلى عمليات جراحية على القلب والدماغ

بقلم: عبد الإله المريباح

    أيها المسؤولون، عدالتنا مريضة، ولن يكفي هذا المقال المتواضع لاستعمال المصطلحات الرنانة مثل منظومة العدالة والأمن القضائي والتداخل بين السياسي والقضائي وغيرها من مفاهيم واختصاصات الندوات والكتابات القانونية والقضائية المتخصصة.

لأبدأ من الآخر.

عدالتنا مريضة منذ أن تدخل إلى مبنى المحكمة من بابها الكبير، حيث تجد الشرطي أو موظف “سيكوريتي”، هذا الأخير شخص عجيب في اختصاصاته، أصبح أكبر من رجل الأمن الحقيقي بأسئلته وبحثه ووجهه العبوس المكشر وكأنك مُدان منذ أن تطأ قدماك المحكمة. “السيكوريتي” ربما أُعطيت له أو تسلّط هو من تلقاء نفسه على سلطات واسعة أكثر من اللازم، فهو يقرر في دخولك إلى المحكمة أو إرجاعك من بابها دون حتى أن تحصل على الغرض الذي تريد. ولكن من أجل إنصافه أيضا، فـ”السيكوريتي” يفهم في كل شيء، حتى في القضاة الجيدين وغير الجيدين والمحامين النزهاء من غيرهم، والموظفين الحاضرين والغائبين… إلخ، وإذا فهمته جيدا فهو سينصحك بما عليك فعله وإلى أي شخص في دواليب المحكمة عليك أن تتجه، وإذا كسب ثقتك، فهو يملك لائحة من التلفونات الخطيرة التي قد ينفعك ببعض منها.

تتمة المقال تحت الإعلان

عدالتنا مريضة يا سادة.. إذا أردت استخراج وثيقة ما، وما أدراك ما وثيقة ما من المحكمة، فمرحبا بك أيتها البيروقراطية العظيمة، فأول معاناة هي المتاهة من أجل إيجاد المصلحة المختصة التي تريد، بعد ذلك يأتي البطء، التأجيل، عدم وجود الموظف المعني، الانتظار، الازدحام، الاستخفاف وخشونة التعامل.. وإذا كنت من صبّاري أيوب، فلن تُفاجأ عندما تُحضر الملف الكامل لإجراء ما أو وثيقة ما، فلن تُفاجأ إذا أخبروك بأن ورقة ما تنقصك رغم أن الشخص الذي تقف أمامه هو عينه الذي طلب منك الوثائق، وقد يقول لك بكل استخفاف ولا مبالاة بأنه فقط نسي أو “باشي مشكل، ساعة جيبا”. بكل صدق قد تقضي أياما أو أسابيع من أجل الحصول على وثيقة عادية جدا في زمن الرقمنة وسرعة الألياف البصرية.

تتمة المقال تحت الإعلان

عدالتنا مريضة يا سادة، بالبطء الشديد في إصدار الأحكام، وهو سوط آخر مؤلم، بنيوي وظالم يضرب المرتفق عند ولوجه إلى العدالة المغربية، قضيتك المعروضة على القضاء، على حسب طبيعتها ومضمونها وحيثياتها، قد تستغرق أعواما طويلة جدا، وربما عقدا وأكثر من الزمن وكل ما يعني ذلك من المعاناة والانتظار والمصاريف والألم والأعصاب، على سبيل المثال، دعوى تتعلق بقطعة أرضية صغيرة رُفعت ضد صاحب هذه السطور، مرت أكثر من سبع سنوات (نعم سبع سنوات يا عالم!) ولم تُحكم بعد حتى في مرحلتها الابتدائية، ما زالت الدعوى تُجرجر في المحكمة ذهابا وإيابا، لا لصالحي ولا لصالح خصمي. فهل سيصل إصدار الحكم إلى خمسة عشر سنة في الاستئناف ولعقدين إذا تطلب الأمر النقد والإبرام على قطعة أرض صغيرة؟ هل أترك وصية لأبنائي لمتابعة القضية؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

أما المحامين (البعض طبعا)، فهم عالم آخر، ليسوا في منأى عن الإضرار بالعدالة المغربية، فالمحامي يأخذ منك المال دون أن يعطيك أي وصل، سواء أخذ المال في المكتب أو المحكمة أو المقهى، ويضع الأوراق المالية في جيبه دون أدنى حرج ولا حجة ومع السلامة. يلتقي بك إذا أعطيته الانطباع بأنك سوف تدفع له دفعة أخرى في اللقاء، أما إذا لم تعطه الانطباع بذلك، فإنه منشغل في المرافعات الهامة والسفر إلى المحاكم البعيدة. هذا طبعا إذا لم يستدعك من أجل الأتعاب بشكل فوري وضروري، أما إذا سألته عن قضيتك، فالمحامي لا يكف عن استعمال ذلك المصطلح السمج “فكرني” عوض أن يبادر من تلقاء نفسه إلى الاتصال بموكله ويذكره ويخبره بمآل ومستجدات دعوته، لكن ما زال يوجد الشرفاء منهم، ولكن من سيدلك عليهم.. إنها طامة أخرى.

عدالتنا مريضة يا عالم مع المفوضين القضائيين.. اختصاصاتهم عصية عن التعريف، كل ما أنا متأكد منه هو صعوبة التواصل مع عدد لا بأس به منهم، وصعوبة إيجادهم في مكاتبهم وضعف التزامهم، وهم يملكون من السلطة السلبية ما يمكن أن يؤخروا به مصالحك لوقت طويل.. لا مهلة لديهم لتبليغ الأحكام والوثائق، وإذا طرأ شنآن معهم يمكن أن يقولوا لك “لا أعرفك، شوف مع المحامي ديالك”، في حين أن المحامي هو من يكون قد أرسلك عند أحدهم، وربما دفعت أجره مسبقا لدى المحامي، وفي النهاية المواطن المسكين هو الذي يظل ضحية سياسة الذهاب والإياب بين المحامي والمفوض القضائي لتبليغ حكم أو وثيقة.

المنبر أصغر من أن يفتح باب الاكتظاظ في السجون وظروفها التي تجعلها مدرسة لتفريخ المنحرفين الذين يخرجون أكثر قوة وعنفا لكي يعودوا إلى سجنهم في أقرب الآجال، المنبر أصغر من أن يفتح ملفات وملفات حول جهاز العدالة المغربية.

عدالتنا تتطلب ليس إصلاحات فحسب، ولكن عمليات جراحية على الدماغ والقلب.. لذلك نحتاج إلى إرادة سياسية فولاذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى