

حاول توفيق الحكيم من خلال الحديث الرابع، استعراض استجابات ومعونة الله سبحانه وتعالى في مشواره الأدبي، وفي الحياة عموما، منذ أن أبعده عن المسرح إلى طريق الأدب، ومنذ أن أدخله إلى المجمع اللغوي الذي وجد نفسه أصغر من هامات الكراسي التي اقترح ليشغل مناصبها في المجمع، خصوصا لما كانت تلك القامات من قبيل عبد العزيز فهمي، وهو أحد الثلاثة مع سعد زغلول وعلي الشعراوي، الذين كانوا أول من طالبوا الإنجليز باستقلال مصر وعلى إثر ذلك قامت ثورة 1919.
وهو نفس الكرسي الذي آل إلى واصف غالي، الذي اعتذر عن توليه، مما جعل عبء التنويه بالرجلين يقع على عاتقه في المجمع، عبد العزيز فهمي وواصف غالي، فوصف كرسيهما بأنه رمز الحرية.
واستطرد في ذكر مناقب واصف غالي، الذي استطاع بواسطة الكتب الثلاثة: “تقاليد الفتوة عند العرب”، “حديقة الأزهار” و”الدر المنثور”، أن يرفع من شأن أدب الشرق في الغرب لدرجة أن ناقد فرنسا المشهور في ذلك الوقت جول لوميتر، قال: “إن الشعر العربي في مجال الإحساس والشعور، أنقى شعر عرفه الإنسان”.
فالأمانة والصدق والشهامة والصداقة، واحترام المرأة، والكرم، وعظمة النفس، والبطولة والفخر، هي بعض ما يتغنى به ويعبر عنه الشعر العربي، وهو ما يسمو به فوق شعر الأمم الأخرى فحولة ونبلا..
وأشاد توفيق الحكيم في استعراض فضل الله عليه، لما ترك له الله مهمة الكلام عن عبد العزيز فهمي، الذي لاحظ يوما في مجمع اللغة، أن اللغة العربية الجليلة في بيانها، العريقة في قدمها، تكاد تعتل وتمرض لطول ما أغلقت النوافذ عليها، خوفا على صحتها ومحافظة على سلامتها، فرآها عبد العزيز فهمي كالعجوز المقيدة في خلاخيلها ودمالجها، الحبيسة في حجرة من التقديس، لا يدخلها هواء الحياة ولا شمس العصر، خشية عليها من تقلب الجو، فنهض فارس الحرية، وأراد أن يمد يده إلى النوافذ يفتحها لنسائم التجديد، وهو يقول في ذلك: “إن اللغة كائن كالكائنات الحية، ينمو ويهرم ويموت، مخلفا ذرية لغوية متشعبة الأفراد هي أيضا في تطور مستمر”، واستدل عبد العزيز فهمي بقولة عبد الملك بن مروان: “شيّبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن”
وكانوا يقولون: “سكن تسلم”.
ومستدلا كذلك بقول ابن الأثير في كتابه: “المثل السائر”: “إن الإعراب ليس شرطا للبلاغة، وليس اللحن قادحا في حسن الكلام”.
وقد ساق توفيق الحكيم أمثلة عن مخاطبة المفكرين والأدباء لملوك ورؤساء وأمراء دولهم، ليبرز بأن العلاقة بين رجل الفكر ورئيس الدولة مسألة شخصية، لا تؤثر في حرية فكر المفكر، وضرب مثلا بعلاقة فولتير، الذي كان يعيش في كنف ملك أجنبي، ومخاطبة عبد العزيز فهمي إلى محمد علي ولي العهد: “أنتم يا صاحب السمو أسيادنا وأولاد أسيادنا”، وكذا بغوته في ألمانيا وعلاقته الوثيقة بالقصر الملكي، وبالمتنبي مع سيف الدولة، وبطه حسين، الذي كان يخص السرايا الملكية بأول إهداء لكتبه، وحتى بالعقاد، الذي ألقى قصيدة شعرية عندما كان نائبا في البرلمان وزار الملك فاروق العامرية.
أما عن تنصيبه في مجمع اللغة العربية، فقد اتصل به طه حسين ملتمسا الإذن بتقديمه، وذكر كيف أن عميد الأدب العربي “تكلم عنه كثيرا منوها بكرمه، ونافيا عنه صفة البخل التي ألصقت به”، وذكر بأن طه حسين أشاع بعد ذلك بأنه غضب من كلمته لما أعلن بأنه كريم! وهي طبعا تبقى من نوادر الأدباء والمفكرين، الذين كانت لهم معارك فيما بينهم كما يحكي أنيس منصور، كارتداء الطربوش والبيري، ومن هو الأسبق في ذلك، هل توفيق الحكيم، أم العقاد ؟
وقصة “العصا والحمار”، وغيرها من النكت التي كانت تتبادل بينهم، والتي كانوا لا يجدون غضاضة في إثارتها على أعمدة الصحافة والتندر بها في الصالونات والمجالس الخاصة.
وبذلك، ينتهي توفيق الحكيم في أحاديثه الأربعة شاكرا لربه الذي ناجاه ولم يكتم عليه أسراره، على نعمه الكبيرة التي حباه بها، والتي في كل مرة يستجلي فيها حرصه على شخصه، ورسم طريق مجده التي رفعت من قدره ليتربع على كراسي مفكرين وسياسيين وأدباء عظام في بلده.



