المنبر الحر

المنبر الحر | الحقوق والواجبات في الدول العربية والغربية وسؤال العدالة وانتشار الفساد

بقلم: ذ. الحسن العبد

    العلاقة بين الحقوق والواجبات من أسس استقرار أي مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة والتنمية. في الدول الغربية، تقوم الأنظمة السياسية والقانونية على مبدأ “خذ حقوقك وأدِّ واجباتك”، وهو ما يدفع الأفراد إلى الالتزام بالقوانين والعمل من أجل الصالح العام، أما في العديد من الدول العربية فالوضع مختلف، إذ يعاني المواطن من انتقاص حقوقه، مما يؤدي إلى ضعف الالتزام بالواجبات وانتشار الفساد.

ففي الدول الأوروبية، تجد الحقوق والواجبات منظومة متكاملة، لأن المجتمعات تقوم على مبدأ المواطنة الفاعلة، حيث يحصل المواطن على حقوقه الأساسية، مثل: الحق في التعليم، الصحة، العمل، حرية التعبير، والمشاركة السياسية، بالإضافة إلى ضمانات قانونية تحميه من الظلم والتعسف.

في المقابل، يكون المواطن مسؤولا عن أداء واجباته تجاه الدولة والمجتمع، مثل دفع الضرائب، احترام القانون، والمشاركة في تنمية المجتمع.. هذه المعادلة تجعل المواطن الأوروبي أكثر التزاما لأنه يعلم أن هناك مؤسسات تحمي حقوقه، وتعاقبه إذا قصر في واجباته.

تتمة المقال تحت الإعلان

في كثير من الدول العربية، نرى غياب الحقوق وأثره على الواجبات، حيث نجد أن الحقوق الأساسية للمواطن إما مفقودة أو تُمنح بشكل غير عادل، مما يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها:

تتمة المقال تحت الإعلان

– ضعف الانتماء الوطني، عندما يشعر المواطن بأن دولته لا تحمي حقوقه، فإنه يفقد الانتماء الحقيقي لها، مما يؤدي إلى الإحباط والسلبية تجاه قضايا المجتمع؛

– انتشار الفساد، فغياب العدالة يؤدي إلى شيوع الفساد، حيث يسود منطق “احمِ نفسك بنفسك”، فيلجأ المواطن إلى الطرق غير القانونية للحصول على حقوقه، مثل الرشوة والمحسوبية؛

– ضعف الالتزام بالواجبات، فالمواطن الذي لا يحصل على حقوقه، لا يشعر بالالتزام تجاه دولته فيتهرب من الضرائب، ولا يلتزم بالقوانين، بل وربما يبرر لنفسه مخالفة النظام لأنه يرى أن الدولة لم تنصفه أولا؛

– الفساد كنتيجة طبيعية لغياب العدالة، فحينما تكون الدولة غير قائمة على العدل، يصبح الفساد جزء من النظام العام، حيث تتحول الوظائف والامتيازات إلى فرص تمنح بالمحسوبية لا بالكفاءة، ويصبح الحصول على الخدمة العامة مرتبطا بالرشوة، ومن تم يفقد القانون هيبته، ويصبح أداة بيد السلطة بدلا من كونه وسيلة لحماية الحقوق.

هذه العوامل تؤدي إلى تراجع المجتمعات العربية في التنمية، حيث لا يمكن لدولة فاسدة أن تحقق نهضة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية.

والحل هو الإصلاح نحو دولة الحق والقانون، لكي يتم إصلاح الوضع في الدول العربية، لا بد من العودة إلى القاعدة الأساسية: “خذ حقوقك، ثم أدِّ واجباتك”، ويتم ذلك عبر: إصلاح المنظومة القانونية؛ تفعيل القضاء المستقل ليكون الحكم العادل بين المواطن والدولة؛ تطبيق القوانين بعدالة على الجميع، دون استثناءات؛ تعزيز الحقوق الأساسية؛ ضمان التعليم الجيد والصحة والعمل لكل مواطن؛ تعزيز حرية التعبير والمشاركة السياسية الحقيقية؛ مكافحة الفساد بجدية؛ وضع قوانين صارمة لمحاسبة الفاسدين مهما كانت مناصبهم؛ تعزيز الشفافية في الإدارة والاقتصاد لضمان العدل في توزيع الفرص؛ تعزيز ثقافة المواطنة؛ نشر الوعي بين المواطنين بأن الحقوق والواجبات متلازمة، فلا يمكن لأحدهما أن يقوم دون الآخر؛ وتشجيع المواطنين على المشاركة الفعالة في بناء الدولة بدلا من الانسحاب السلبي.

إن بناء دولة القانون والعدالة هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة الفساد وضعف الالتزام بالواجبات في الدول العربية، فعندما يحصل المواطن على حقوقه فإنه يصبح أكثر استعدادا لأداء واجباته تجاه المجتمع، أما استمرار الأنظمة القائمة على التمييز وغياب العدالة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور الاجتماعي والاقتصادي، لذلك فالمجتمع العادل هو وحده الذي يستطيع تحقيق التنمية والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى