تحقيقات أسبوعية

تقرير | العلاقة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية وجزاء حسنة حسنة مثلها

بمجرد ما وضعت الحرب الأهلية في أمريكا أوزارها، وعم السلم أرجاءها، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية دولة مستقلة ذات سيادة.. كان سلطان المملكة المغربية سيدي محمد بن عبد الله، باعتباره يتابع ما يروج في العالم من أحداث، أول رئيس دولة عريقة يعترف سنة 1777 رسميا بالولايات المتحدة الأمريكية دولة موحدة ذات سيادة، وعندما توطدت العلاقات بين البلدين، ولما تيقنت الدولة الأمريكية الفتية من أن المملكة المغربية دولة محبة للسلام والتعايش مع المحيط الدولي بأمان، أبرمت مع المغرب سنة 1787 معاهدة “سلام وصداقة”.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود

    كانت معاهدة “السلام والصداقة” أول معاهدة أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع دولة إسلامية إفريقية، المملكة المغربية، وصادق الكونغريس الأمريكي على تلك المعاهدة، وجددت بعض موادها سنة 1836 لتساير ما طرأ على العلاقة بين البلدين من نتائج إيجابية أثناء تطبيق فصولها وبقصد تحيينها، وكون المملكة المغربية تحترم ما تلتزم بالاتفاق عليه، وتطبقه بحسن نية، ولا زالت تلك المعاهدة سارية المفعول رغم مضي عدة قرون على إبرامها..

وقد سجل التاريخ أن تلك المعاهدة تعتبر أطول معاهدة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية دون انقطاع، كما أن عددا من الدول حذت حذو المملكة المغربية، وبادرت إلى الاعتراف بالولايات المتحدة الأمريكية دولة مستقلة ذات سيادة على جميع ولاياتها، وبالرجوع إلى كتاب “السفارة والسفراء عبر التاريخ” للعلامة عبد العزيز بنعبد الله، عضو أكاديمية المملكة المغربية، و”المجامع اللغوية” بالقاهرة وبغداد وعمان والهند ـ الرباط سنة 1985م صفحة 21، نجد أن الطاهر بن عبد الحق فنيش، وقع معاهدة باسم المغرب مع قنصل الولايات المتحدة ومبعوثها المفوض توماس باركلي عام 1200 هجرية 1789 ميلادية، وكانت الولايات المتحدة قد تكونت قبل ذلك بعشر سنوات، أي أنها حديثة العهد بحريتها واستقلالها، فأمضى مع المغرب معاهدة سلام، وقد وقع بالنيابة عن المغرب السفير الطاهر بن عبد الحق فنيش، وكان من جملة ما اتفق عليه، منح قنصليات أمريكية في المراسي المغربية، وتبادل الأسرى، ومما ورد أيضا في المراجع التاريخية حول العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية،  نذكر بكل فخر واعتزاز أن مدينة طنجة، نظرا لأهمية موقعها الجغرافي، كونها بوابة بين إفريقيا وأوروبا، قد اختارت الولايات المتحدة الأمريكية تلك المدينة وفضلتها على سائر المدن الإفريقية، وفتحت مركزا دبلوماسيا في طنجة، وذلك  المركز تحول إلى متحف ليبقى شاهدا عبر العصور والأزمان على متانة روابط الصداقة التي تربط البلدين، وهذه هي المعلمة التاريخية الأمريكية الوحيدة التي تقع خارج أرض الولايات المتحدة الأمريكية، ومن جملة وثائق ذلك المتحف، الصفحة الأخيرة من معاهدة الصداقة الموقعة سنة 1786، والمختومة من قبل السلطان محمد الثالث وتوماس جيفرسون وجون آدامز، وفي عهد السلطان محمد الثالث، سيدي محمد بن عبد الله، صدر منشور من مدينة مكناس، يتعلق بالسماح لعدة دول بممارسة نشاطاتها التجارية مع المغرب، وكانت من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، كما قام السلطان بتعيين قنصل سنة 1779، وبتعليمات من سلطان المغرب، تمت مراسلة الكونغريس الأمريكي ليخبر الأمريكيين بتعيين قنصل لهم في المغرب، ومما يدل على السياسة الرشيدة والرزينة لملوك المغرب، وحل الأزمات بما يحافظ على العلاقات الطيبة، أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله قام بالإفراج عن تسعة أسرى أمريكيين وقعوا أسرى مع سفينتهم في أيدي البحارة المغاربة، وحينما خلف المولـى سليمان والده على كرسي الحكم، وقع تجديد الاعتراف بالاتفاقية الأمريكية المغربية، مما يدل على أن الجانب الأمريكي كان متمسكا بالتعاون واستمرار الصداقة بينه وبين المملكة المغربية، والصفحة الأولى من تلك المعاهدة، معاهدة “الصداقة السلام” الأمريكية – المغربية، كتبت في 25 شعبان 1200 هجرية الموافق لـ 22 أو 23 يونيو 1786 ميلادية، ووقعها القنصل الأمريكي في باريس في الأول من رمضان 1200 هجرية الموافق لـ 28 يونيو 1786 ميلادية، وتذكر المراجع التاريخية أن واشنطن، حرصت على أن يستمر المولى سليمان ساهرا على تطبيق العلاقات والمبادلات التجارية، وليطمئن الجانب الأمريكي، فإن السلطان المغربي الجديد راسل الرئيس  الأمريكي، وجاء في الخطاب السلطاني: ((نحن على السلم والمهادنة معكم على نحو ما كان بينكم وبين والدنا المقدس))، وقد رحب أعضاء الكونغريس بالرسالة، وتم على إثر ذلك تعيين قنصل جديد لأمريكا فـي المغرب، وهو جيمس سيمسون، الذي التحق بطنجة، حيث توجد البعثات الدبلوماسية، ونصل إلى “مؤتمر أنفا”، الذي عقد سنة 1943 بفندق يقع بمدينة الدار البيضاء، وحضر في هذا الاجتماع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت، والجنرال ديغول عن فرنسا، ثم وينستون تشيرشل عن بريطانيا، والجنرال هنير جيرو، ورفض جوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفياتي في ذلك الحين، الحضور، كما حضر الاجتماع الملك محمد الخامس وولي عهده آنذاك الحسن الثاني، طـيب الله ثراهما، وفي هذا الاجتماع  عبر الرئيس فرانكلين روزفيلت للملك محمد الخامس عن منحه الدعم في كفاحه من أجل استقلال المملكة، وكانت عبارة المملكة عبارة مطلقة عامة تشمل جميع الأراضي الشمالية والوسطى والصحراوية، وهذا الدعم كان بحضور الجنرال ديغول الرئيس الفرنسي، الذي احتلت بلاده الجزائر، واستولت على أراضي مغربية وأقاليم صحراوية وضمتها للجزائر، ولم يعلق ديغول على الوعد بدعم المغرب في كفاحه واسترجاع سيادته ووحدة ترابه، لأنه كان يعتقد في قرارة نفسه أن بلاده فعلا ارتكبت ذلك الاعتداء الشنيع..

تتمة المقال تحت الإعلان

وهذا الوعد صدر سنة 1943 وتحقق سنة 2020، وتجدد سنة 2025، والله مع الصابرين وأولي العزم من عباده، ونقتطف فقرة مما نشر تعليقا على “مؤتمر آنفا” وتحت عنوان “مؤتمر آنفا.. نقطة تحول مهدت لاستقلال المغرب وتعزيز دوره الريادي ضمن المجتمع الدولي”، جاء فيها: ((يشكل تخليد ذكرى مؤتمر آنفا 14 ـ 24 يناير 1943 بالدار البيضاء، مناسبة للاحتفاء بالدور الريادي الذي اضطلع به المغرب في البحث عن مخرج للحرب العالمية الثانية، فالمملكة التي نالت اعترافا دوليا بتطلعاتها إلى الاستقلال، برزت كفاعل استراتيجي للسلام والدبلوماسية الدولية)).

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن هذه المكانة المرموقة، والتقارب بين ملوك المغرب ورؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، توطدت علاقة الصداقة بين ولي العهد آنذاك، مولاي الحسن، والشخص الذي سيصبح فيما بعد نائبا لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فيرنون وولترز، ونظرا لما تتمتع به العائلة الملكية الشريفة من تقدير ومحبة واحترام ومتانة الرابطة التي تجمع العائلة الملكية بالشعب المغربي، فإن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لهم علاقات تتجاوز إطار البروتوكول، ومنهم عائلة كلينتون، وهو ما كان واضحا خلال حضور بيل كلنتون لجنازة المرحوم الملك الحسن الثاني، وأيضا حضوره لزفاف خلفه الملك محمد السادس نصره الله  وأعز ملكه..

هذا جانب من تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية، ويلاحظ أنها قامت على أساس المعاملة بالمثل، فالولايات المتحدة الأمريكية اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، والمملكة المغربية كانت سباقة إلى الاعتراف باستقلال أمريكا وسيادتها على جميع ولاياتها، والمملكة المغربية اعترفت وجددت اعترافها، وأمريكا تمسكت بمبدأ المعاملة بالمثل وجددت اعترافها بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، وهكذا فإن جزاء الحسنة حسنة مثلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى