المنبر الحر | نحو نقاش مؤسساتي لمدونة الأسرة

بقلم: عبد القادر بونهتات
يثير واقع الأسرة على امتداد الوطن العربي والإسلامي في مجال حقوق الإنسان، إشكالات وتناقضات أدت إلى تأسيس وظهور ما يسمى بالجمعيات الأهلية والمدنية التي تدافع عن حقوق المرأة التي عانت على مدى قرون مضت من الحيف والظلم والإقصاء، وكأن قدرها كأم وزوجة وشقيقة الرجل، لم توجد إلا لتدور في ثالوث: “الطاعة والجنس والإنجاب” وتغادر الحياة دون سؤال، لكن المرأة جزء من المجتمع، فهي الطفل والرجل، فإذا كان المستقبل يبنى على الجدل البناء والحوار الصريح والنقاش العميق والتوافق التام بين كل مكونات الأمة فيما يتعلق بالنصوص القانونية – مدونة الأسرة – فإن بناء الدولة المغربية يجب أن يواكب التحولات للانخراط الفعلي اقتصاديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا ضمن المشروع الحداثي الديمقراطي، مع التشبث بمقاصد الشريعة الإسلامية.
من هنا جاءت مراجعة مدونة الأسرة، من خلال الرسالة الملكية التي بعث بها الملك محمد السادس إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش يدعوه فيها إلى إشراك كل الفعاليات، لإماطة اللثام على هذا الجدل الذي استمر لسنوات وأجج صراعات كلامية وخلق مجموعة من المشاكل لازالت تداعياتها السلبية سارية على الأسرة والمجتمع، ولازال يخلق نقاشات كبيرة على المستوى الفقهي والسياسي والقضائي والثقافي، ورغم مرور عشرين سنة على إقرار مدونة الأسرة سنة 2004، فإن المجتمع والدولة والفاعلون في الحقل الحقوقي والجمعوي والنسائي والحزبي، يخوضون في النقاش وإن كانت المبادرة في حد ذاتها ليست مسبوقة في التاريخ، بل هي ثمرة جهود أجيال حاولت الرقي بحياتها ككائنات إنسانية تتفاعل وتتطور باستمرار..
من الثوابت الأخلاقية والطبيعية والقانونية والشرعية، صيانة كرامة الرجل وإنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل ضمن إطار متوافق عليه (المدونة)، التي من أهم أبوابها: الولاية، النفقة، الحضانة، الطلاق والتطليق، زواج القاصرات واقتسام الممتلكات…
لقد اعتدنا كمغاربة دينهم الإسلام، الوقوف في كثير من الأحيان أمام النصوص الشرعية مستلهمين منها صالح المرأة من حقوق مع الاحترام التام للقيم والتقاليد والعادات والأعراف والثقافة، وكذلك نظريات وآراء ومواقف هي من قبيل الاجتهاد على جميع المستويات ليس إلا.
إن التفكير في إنصاف المرأة وتكريم الرجل والحفاظ على حقوق الطفل، يدخل في صلب النقاش المؤسساتي، فالرجل الذي قتل المرأة قديما ووأدها في وعيه الذكوري، هو الذي تغزل بها وداعبها في لحظات انكساره العاطفي.. فبأي حق تدفن المرأة في مقبرة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمهنية ؟
أعتقد أن المرأة المتعلمة العاملة الحرة المستقلة التي انتصرت لها القوانين السامية والطبيعية واعتبرتها شريكا أساسيا للرجل في الحياة العامة، هي التي تبني مجتمعا متوازنا تنعدم فيه الاختلالات، ونسب الطلاق المرتفعة وأطفال الشوارع والفقر والتفكك الأسري، والجهل والأمية..
إن التغيرات التي تطرأ على المجتمع تجعل من الحديث عن قانون الأسرة كباقي القوانين المنظمة، له طابوها يتداخل فيه الحق والباطل مؤطرين بالدين والسياسة والتقاليد والعادات والمصلحة، مما يخلق أسئلة غائبة ومغيبة في فكرنا المعاصر، ويدعونا إلى تعبئة شاملة من أجل ميثاق أخلاقي يرتبط فيه الكل حفاظا على تماسك الأسرة المغربية يحكمها منطق العقل والنقل بنبذ الخلافات التي قد تتحول إلى معارك بين الرجل والمرأة محاولة من كليهما الانتصار على الآخر، وبالتالي تدمير مؤسسة الزواج، التي بدون استمرارها تضيع الحقوق ويتم الاستهتار بالواجبات والمسؤوليات.
فتعميم الوعي بالحقوق كحقوق لها قيمتها الإنسانية والطبيعية والإيمان بالواجبات كمبادئ أساسية دون أي تدخل من الخارج، يخدم مصلحة المجتمع المغربي برمته، مع تأهيل هذه الحقوق والواجبات وتحويلها من فضاء للصراع إلى فضاء للتضامن والحوار والاحترام المتبادل تختفي فيه خلافات الأسرة، نواة المجتمع وأساس وجوده وتكوينه وبقائه.
إن المدونة كمرجعية فقهية قانونية حداثية، عبارة عن أفق في النظر تؤسس لطرق في الفكر تصبح محكومة بالأصالة والمعاصرة في إطار من التوافق مستندة في الآن نفسه على مكاسب فكرية تندرج في عداد الإرث الإنساني المشترك، وأنها شيء اصطناعي من اجتهاد وعمل وذكاء العنصر البشري والإجماع عليها يحتم الخضوع لها، فليست في حد ذاتها غاية، بل وسيلة لخدمة الصالح العام، ألا وهو الإنسان ولا تتجاوزه إلى ما عداه، وقد تعكس – في اعتقادي – التطور الذي يجب أن يكون عليه المجتمع المغربي الذي يستطيع أن يقول “لا” عندما تتعرض مصالحه وحقوقه للهضم برجاله ونسائه وأطفاله، وبالإيجاب حيث يرقى فكره وعقله وتحترم معتقداته نزوعا في النهاية إلى تحقيق الكرامة الإنسانية.
فلغة الأجرأة والقوانين والإيديولوجية النسائية، سيف ذو حدين، قد يهدد المرأة أكثر مما ينتصر لها، والأرقام بأقسام قضاء الأسرة تشهد على ذلك.



