خاص | التساقطات المطرية تجنب المغرب كارثة الإجهاد المائي
الماء.. الموضوع الأساسي لمعرض الفلاحة بمكناس

الرباط – الأسبوع
شكلت التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفها المغرب خلال مارس وأبريل، بارقة أمل جديدة بالنسبة للفلاحين والمزارعين ومربي الماشية، لكونها فتحت آفاقا جديدة لتحقيق إنتاج زراعي مقبول نهاية الموسم الفلاحي وتخزين الموارد المائية وحسن تدبيرها واستغلالها خلال الأشهر المقبلة، بحيث يعد موضوع الماء أهم المواضيع الأساسية للدورة السابعة عشر للمعرض الدولي للفلاحة بمكناس تحت شعار “الفلاحة والعالم القروي: الماء في قلب التنمية المستدامة”، والمنظم في الفترة ما بين 21 و27 أبريل الجاري.
ويتناول المعرض الدولي للفلاحة موضوع “الحكامة الفعالة للمياه” كمحور أساسي لنسخة هذه السنة، حيث سيناقش الخبراء والمختصون والفاعلون، الحلول التي من شأنها تمكين القطاع الفلاحي الوطني من التكيف مع التحديات المناخية القادمة وضمان استدامة الموارد المائية، والحفاظ على التوازن البيئي في المناطق القروية، كما يعد مناسبة مهمة بالنسبة للفلاحين المغاربة الصغار والمتوسطين، الذين ينشطون عبر التعاونيات والمقاولات الزراعية المحلية، للمشاركة في هذا المعرض الدولي لإبراز العمل الذي يقومون به والتعرف على التقنيات الجديدة في المجال، حيث من المنتظر أن يعرف الملتقى مشاركة 1500 عارض من 70 دولة، وستكون فرنسا ضيف شرف هذه الدورة.
وتزامنا مع المعرض الدولي للفلاحة.. فقد أنعشت التساقطات المطرية الأخيرة خلال شهري مارس وأبريل، حقينة السدود والأحواض المائية، وأنعشت آمال الفلاحين الصغار والمتوسطين الذين يشتغلون على الفلاحة المعيشية، وبحسب مختصين، فإن الأمطار الأخيرة تعتبر حافزا مهما بالنسبة للفلاحين الذين يهتمون بالزراعات الربيعية التي تكتسي أهمية كبيرة لتزويد الأسواق الوطنية بمنتجات متنوعة خلال فصل الصيف، مثل الحمص والفاصوليا الجافة والبذور الزيتية مثل عباد الشمس والذرة والخضروات (البطاطس والبصل والجزر…).
وحسب الفلاحين و”الكسابة”، فإن التساقطات التي شهدها المغرب خلال الأسابيع الأخيرة، مهمة للغاية، لكونها ستساهم في تحسين الغطاء النباتي، خاصة الكلأ للماشية، وسترفع من حقينة السدود، خاصة المياه، من أجل تدعيم القطاع الفلاحي، كما تعد دفعة أمل للفلاحين، بعد سنوات من الجفاف المتواصل الذي أثر سلبا على الإنتاج الزراعي، وبالتالي، فتحسن القطاع الفلاحي سينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني، حيث يساهم بحوالي 14 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل نحو 40 % من اليد العاملة في المغرب.
في هذا السياق، يؤكد مصطفى بنرامل، خبير في المناخ والبيئة، أن التساقطات التي عرفها المغرب خلال فصل الشتاء عموما، رغم أنها جاءت متأخرة، إلا أنها أنقذت نوعا ما الموسم الزراعي، خصوصا في مناطق اللوكوس والغرب والأراضي السقوية، التي كانت تسقى خلال فصل الخريف الذي عرف قلة التساقطات، في حين عرفت الزراعة البورية الخريفية تراجعا كبيرا، لكن الزراعات الشتوية والربيعية استفادت بشكل كبير وسيكون الموسم الفلاحي هذه السنة استثنائيا بالنسبة للمنتوج، لا من حيث مردودية الأرض ولا من حيث جودة المنتوج.
وأضاف نفس المتحدث، أن المراعي والمروج، سواء في الجبال أو الهضاب، في مناطق الشاوية ودكالة والرحامنة والواحات أيضا، استفادت بشكل كبير من هذه التساقطات، خصوصا وأن العديد من الواحات استعادت منابع المياه، والخطارات ومجاريها، وبالتالي فالموسم الفلاحي سيكون هذه السنة جيدا، ما عدا بعض المناطق التي تعتمد على الزراعات الخريفية، مشيرا إلى أن الموارد المائية تزايدت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة على مستوى الوديان والأنهار والفرش المائية، سواء في الجبال أو السهول، وستكون لها أثار إيجابية تبشر بالخير على مستوى تخزين الموارد المائية.
وشدد مصطفى بنرامل على ضرورة حسن تدبير الموارد المائية بشكل عقلاني حتى يمكن استدامة هذه الثروة الحيوية لأكبر مدة ممكنة في ظل عدم تواجد أي مؤشرات على استقرار المناخ كما هو معتاد في البلاد كمناخ متوسطي، مما يتطلب الحيطة والحذر من أجل استعمال الموارد المائية، سواء بالنسبة للساكنة أو الفلاحة أو تربية الماشية، مبرزا أن الإشكال في المغرب يكمن في عدم تجميع مياه الأمطار بإدراج التوجهات نحو السيول والمجاري المائية إلى مناطق المنخفضات، قصد استغلالها في الأوقات العصيبة، سواء خلال السنة أو على مستوى عدة سنوات، وبالتالي، أمام المغرب مجموعة من الأفكار والإمكانيات التي يمكن أن يستثمر فيها من أجل استدامة موارده المائية والحفاظ على كل التساقطات التي تعرفها مختلف جهات البلاد.
بالرغم من أهمية التساقطات المطرية ودورها في توفير موارد مائية على مستوى السدود التي تجاوزت المتوسط في بعض المناطق، خصوصا شمال المغرب، حيث حققت ما بين 90 إلى 100 %، لكن هناك إشكاليات تكمن في ضعف استثمار المجالس المنتخبة والجماعات الترابية في مجال المياه، وعدم استغلالها لمياه الأمطار التي تضيع في قنوات الصرف الصحي وتتجه إلى البحر، عوض أن يتم تجميعها في مركبات مائية أو عبر إحداث قنوات خاصة بمياه الأمطار، قصد استغلالها في سقي المساحات الخضراء، أو توزيعها على المرافق العمومية والمؤسسات لاستغلالها في الأشغال أو الأوراش.
فقد مكنت التساقطات المطرية الأخيرة من الرفع من حقينة السدود على الصعيد الوطني، وحسب بيانات المديرية العامة لهندسة المياه، التابعة لوزارة التجهيز والماء، فقد سجلت ارتفاعا نسبيا في نسبة ملء إجمالي للسدود على الصعيد الوطني بلغت 38.30 %، بزيادة بلغت 6 % عن السنة الماضية 2024، لكن بالنسبة للسدود في مناطق الشمال، فقد فاقت النسب التوقعات وتجاوزت المستويات المسجلة خلال السنوات الفارطة.
وتبرز أرقام المديرية العامة لهندسة المياه، أن السعة الإجمالية لمجموع السدود في مختلف الأحواض المائية التسعة بالبلاد، تختزن ما مجموعه 6 ملايير و417 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى احتفاظ معظم سدود جهة الشمال بسعتها التخزينية الكاملة من الموارد المائية بنسبة تصل لـ 100 %، بالنسبة لسد وادي المخازن، وسد النخلة، وسد شفشاون، إلى جانب سد الشريف الإدريسي، الذي يعتبر من أهم السدود المائية في جهة طنجة تطوان، وسد الوحدة سجل ملياري متر مكعب، لكن الإشكال يكمن في ضعف كمية الموارد المائية في عدد من السدود الأخرى التي تعاني من شح المياه رغم التساقطات المطرية الأخيرة، بسبب تصريف المياه نحو البحر أو لغياب الطرق المائية، من أبرزها سد المسيرة الذي لم تتجاوز نسبة ملئه 5 %، وسد عبد المومن والمختار السوسي بأقل من 10 %، بحسب البيانات، بينما سجل كل من سد الحسن الداخل وسد قدوسة نسبة ملء بـ 64 % و38.8 % على التوالي، وهما واقعان في حوض زيز غريس، فيما شهدت جهة الشرق تسجيل نسب ملء مهمة بالنسبة لسد محمد الخامس بـ 71 %، وسد مشرع حمادي بـ 61 %.
وبالنسبة للأحواض المائية، فقد سجلت مستويات مهمة بفعل التساقطات المطرية، حيث سجل كل من حوض اللوكوس أعلى نسبة ملء بمليار و177 مليون متر مكعب بنسبة بلغت 61.99 %، وحوض أبي رقراق بـ 645 مليون متر مكعب بنسبة 59.62 %، وحوض تانسيفت بـ 121 مليون متر مكعب بنسبة بلغت 53.27 %، وحوض سبو بمليارين و917 مليون متر مكعب بنسبة 52.43 %، وحوض زيز كير غريس بـ 277 مليون متر مكعب بنسبة ناهزت 51.77 %، بينما هناك أحواض أخرى سجلت مستويات متدنية، مثل حوض ملوية: 293 مليون متر مكعب بنسبة 41 %، حوض أم الربيع: 520 مليون بنسبة 10.50 %، حوض درعة: 307 مليون متر مكعب بنسبة 29.30 %، حوض سوس: 159 مليون متر مكعب بنسبة 21.78 %.
وللإشارة، فقد كشف وزير التجهيز والماء، نزار البركة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن نسبة ملء السدود بالمملكة بلغت 49.44 % بفضل التساقطات المطرية الأخيرة، مبرزا أن حقينة السدود بلغت حاليا 6 ملايير و610 ملايين متر مكعب، إضافة إلى السدود الجديدة، المنجزة منذ سنة 2022، والتي انتعشت بحصة مهمة بلغت 280 مليون متر مكعب.



