المنبر الحر

المنبر الحر | “الأحاديث الأربعة” لتوفيق الحكيم

الحديث الأول والثاني

بقلم: نور الدين الرياحي

    قسم توفيق الحكيم كتابه إلى أربعة أحاديث: الحديث الأول مع الله، واستأذنه جل جلاله أن يكون حديثه معه في كل شيء شاهده أو فكر فيه أثناء إقامته في هذه الدنيا انطلاقا من قوله تعالى: ((ولا يكتمون الله حديثا))، معتبرا أربع سنوات قبل وفاته بعدما عاش نيفا وثمانين عاما كما قال زهير بن أبي سلمى:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش                      ثمانين حولا لا أبا لك يسأم 

وقد وصل في حواره أن الله لمح إلى ما سوف يكتشفه العلماء بعد قرون في شخص إينشتاين، حول نسبية تختص بها أرض دون أرض، وفسر الحكيم ذلك انطلاقا من الآية: ((الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن))، انطلاقا من تفسير القرطبي نقلا عن الماوردي، على أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض، تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل ويميز من الخلق.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأيضا قوله تعالى ((إنما يخشى الله من عباده العلماء))، مستدلا بقولة إينشتاين: “إني أدين بأعمق الإجلال والتعظيم لهذه القدرة العجيبة التي تفصح عن نفسها في كل جزء من جزيئات الكون”، وخلص بناء على ذلك، إلى أن “كل ما نعرفه عن العالم المحسوس، لا قيمة له في فهم العالم الغير محسوس”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتوجه الحكيم إلى الله مناجيا: “لذلك أعتقد أنه من الطبيعي والمنطقي أن مثل هؤلاء العلماء المؤمنين بك سوف يكون مصيرهم مغفرتك، وأنت الغفور، لأنهم أقدر على إقناعنا بوجودك ووحدانيتك من الفلاسفة الذين لا يعتمدون إلا على لغتهم وحدها، وهي في الغالب عاجزة أو ملتوية”، معتقدا أن “الأنبياء معصومون من الفعل، وليس من النية، لأن يوسف همت به وهم بها، أي تمت النية ولكنه توقف عن الفعل، أما النية فهي لصيقة بالغريزة البشرية”.

وهل هناك حساب على النية؟ طبعا متوجها إلى الله بأنه غفور رحيم، متسائلا: “لماذا الحساب إذن؟ لأنه قانون، أساس ونظام، وأنت خالق الكون، أي فوق القانون، لا بل أنت خالق القانون الذي يتم به تركيب الكون، فإذا فسد القانون اختل تركيب الكون”، يشرح الحكيم، فـ”أنت لست فوق القانون ولكنك الحريص عليه”.

انتهت مناجاة توفيق الحكيم أثناء الحديث الأول.

الحديث الثاني، يستهله توفيق الحكيم بتساؤل حول الأديان الثلاثة مناجيا ربه: “لقد جاء في قرآنك الكريم ذكر لأديانك الثلاثة وكتبها السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن.. اسمح لي أن أسأل: أكان من الضروري أن تنزل هذه الأديان والكتب الثلاثة؟”، وأجاب توفيق الحكيم بنفسه عن هذا التساؤل بـ”كون الله سبحانه وتعالى بحكمته أنزل موسى والتوراة في مجتمع صغير بنظامه وعقيدته الوحدانية التي تمت في مرحلة الصبا الباكر للبشرية مع قوته المادية، وكانت تطغى على قوة العاطفة، فجاءت مرحلة الشباب بعاطفة الحب والتعاطف فنزل المسيح، ولما دخلت البشرية مرحلة الواقع، جاء الله سبحانه برسوله ذي الأربعين سنة مكتملا بتجارب الحياة ممثلا للبشرية في جميع عناصرها (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)”.

إذن، فالكاتب المفكر طرح أسئلة وأجاب عنها بعقله مستشهدا بنظريات العلماء التي سهلت عليه الإيمان بالعقل، لذلك اقترح أن ينشأ قسم أعلى مستقل في جامعة الأزهر، يختار له ما لا يزيد عن خمسين عالما من المتفوقين في الرياضيات العليا من فيزياء وكيمياء وفلك، مع التعمق في فلسفة الأديان، ويرسلون في بعثات إلى معامل العالم المتخصصة ثم يعودوا لينقطعوا للبحوث العميقة، وترصد لهم أعلى المرتبات وأحسن الإمكانيات، ويخصص لهم من المعامل العلمية والمراصد الفلكية ودور العبادة ومساكن من أعلى طراز حتى يضعوا القواعد المتينة للفلسفة العربية الإسلامية، القائمة على عالمي الدنيا والآخرة، وبذلك يظفر العالم العربي وهو مهبط الوحي، ببركة الله خالق الكون.

فالرسول الكريم هو الذي قال: “وهل ينفع القرآن إلا بالعلم”.

والحقيقة أنني لا أدري لماذا لم تهتم جامعة الدول العربية، وقد تم توجيه هذا النداء إليها منذ نصف قرن، لتأخذ ولو بجزء منه، ربما كان العرب قد وجدوا ما يواجهون به اليوم العولمة والذكاء الاصطناعي، ولربما كان حري بأول جامعة في العالم، جامعة القرويين ببلادنا، أن ينشأ بها قسم لهذه الغاية من أجل تطوير الفكر الإسلامي والفلسفة والعقل العربي كما يسميه المفكر محمد عابد الجابري.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى