المنبر الحر

المنبر الحر | الثقة.. المبدأ الغائب الحاضر في الحقل السياسي المغربي

بقلم: بنعيسى يوسفي

    من دون شك تخضع العملية السياسية لمجموعة من الضوابط الأساسية التي لا محيد عنها، وهي المساهمة في تقنينها وجعلها ذات معنى، كما أنها تحتاج إلى مؤسسات قانونية ودستورية من خلالها يتم تصريف السياسات الحكومية وبرامجها، وما إلى ذلك من الآليات الأخرى العملية المكملة للمشهد السياسي السليم من انتخابات وتداول على السلطة وتحالفات حزبية وأغلبية ومعارضة، وقس على ذلك من كل هذه الأمور الضرورية التي لا غنى عنها في حقل سياسي يتميز بالدينامية والحيوية والتطور، وهي أمور ملموسة ومحسوسة، لكن في نفس الوقت هناك أمور غير ملموسة وغير مرئية تلعب دورا مهما وحاسما في إنجاح أي تجربة سياسية أو إفشالها، والقليلون هم الذين يتحدثون عنها، أهمها على الإطلاق “الثقة”، هذا المبدأ الأساسي في الممارسة السياسية هناك من يعتبره قطب رحى وحجر زاوية في أي ممارسة سياسية ديمقراطية حقيقية، وهي المحصن رقم واحد لها من الاهتزازات والارتجاجات، ورغم أنها غير قابلة للقياس والملاحظة، لكن نتائجها تظهر، كما أن فقدانها أيضا تظهر تأثيراته وانعكاساته السلبية، سواء بين طرفين سياسيين، أو بين حزبين أو أكثر، أو بين مؤسسات معينة، كالمؤسسة الملكية وباقي الفرقاء السياسيين وما إلى ذلك، والمغرب حافل بتجارب عدة لعبت فيها الثقة أو فقدانها دورا بارزا في التأثير في السيرورة السياسية ومسارها فيه منذ الاستقلال.. فلماذا تتحقق هذه الثقة في مرحلة من المراحل ولا تتحقق في أخرى بالرغم من أن الأمر قد يتعلق بنفس الأطراف؟ ما الذي يجعل مسألة بناء الثقة بين الأطراف السياسية أو إعادتها بينهما أمرا في غاية الصعوبة ؟

نطرح هذه الأسئلة ونحن نستحضر كيف نجح الفاعلون السياسيون في إنجاح مثلا تجربة التناوب التوافقي سنة 1998، والذي يمكن اعتباره نموذجا تاريخيا أفرز توافقا حقيقيا، مما جعلنا نعتبره مقياسا نقيس به باقي التجارب اللاحقة، ويمكن أن نعتبره كذلك مرجعا في ذلك، هل نستطيع القول أن نجاح تناوب 1998 نابع من منسوب الثقة العالي والمرتفع الذي كان سائدا بين القصر والكتلة بصفة عامة، وبالتالي تم فك جزء من الصراع حول السلطة، وتحريك النظام السياسي ومعه تدبير الشأن العام، أم المسألة تحكمها خلفيات واعتبارات أخرى ؟

هناك شبه إجماع لدى الباحثين السياسيين في المغرب، على أن أقوى حالات التوتر والتشنج التي عرفها المسار السياسي المغربي منذ الاستقلال إلى اليوم، هي الحالة التي كانت فيها المؤسسة الملكية في صراع مع القوى اليسارية والاختلاف العميق الحاصل بينهما حول الممارسة السياسية وشكل السلطة والحكم، ونفس الشيء وبنفس الدرجة ربما أيضا مع الحركة الإسلامية، وإن كان السياق السياسي مختلفا والظروف مختلفة، فبالنسبة للصراع بين المؤسسة الملكية واليسار، لم يكن من السهل تذويب الخلافات بينهما وتذويب جبل الجليد الذي يفصلهما للوصول لتوافق سياسي يحفظ ماء وجه الجميع، وتُطوى صفحة وتفتح أخرى. صحيح مرت مياه كثيرة تحت الجسر، وعرف المغرب تحولات سياسية عميقة ووقعت هناك تعديلات كثيرة على الدستور في مناسبات عدة، وتم إرسال إشارات متبادلة بين المؤسسة الملكية والقوى اليسارية، لكن كل ذلك لم يكن كافيا للمرور لمرحلة سياسية جديدة لولا الشروط الموضوعية التي حسمت في هذا التغيير، أهمها الثقة، التي بدأت خيوطها تتأسس ومنسوبها يكبر بينهما إلى أن صار واضحا أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، فأفضى هذا المسلسل من الشد والجذب إلى ما اصطلح عليه بالتناوب التوافقي، ومن هنا نستطيع القول أن الثقة ببعديها المؤسساتي والشخصي، تحيل إلى إحدى ضوابط اشتغال النظام السياسي حيث لا يمكن إقرار قواعد توطد هذه الثقة إلا بوجود طابعها الشخصي، وهو الشيء الذي بدأ يتسرب إلى العمل السياسي، والذي عُبر عنه برغبة الطرفين في التعاطي مع مبادرات الآخر بنوع من التعاطف أو بلغة محمد عابد الجابري “تغليب الموقف الوطني لتطويع الموقف السياسي”، وهو ما وظفه أقطاب الكتلة حينما بدأوا في التفكير في التعاطي بنوع من الإيجابية مع مبادرات الملك الراحل الحسن الثاني، الهادفة إلى إقامة تناوب مراقب، وهكذا بدأ كلا الطرفين في تأسيس علاقة ود سياسي بينهما، هذا الود سيكلل بإصلاح دستوري، منح الفاعلين السياسيين هامشا كبيرا في تدبير الشأن العام، إذ كان لمسار الثقة هذا انعكاسا إيجابيا على الساحة السياسية وحتى الحقوقية، جعل الدولة تغير الكثير من مواقفها، وتم الانتقال للعمل المؤسساتي الذي يتجاوز منطق الإقصاء والاحتكار، وتبني منطق التفاوض، حيث اعترف لتشكيل اليسار الجذري بالعمل والترخيص لفعالياته بتأسيس أحزاب خاصة بها، وما إلى ذلك من المواقف الأخرى التي لعبت فيها أجواء الثقة التي كانت تحيط بالواقع السياسي المغربي آنذاك دورا مركزيا، ورغم أنه بعد هذه التجربة السياسية الفريدة وقعت مجموعة من الأحداث التي أثارت بعض الشكوك والتساؤلات، خاصة بعدما لم يتم احترام ما سمي حينذاك بالمنهجية الديمقراطية في تعيين وزير أول لحكومة ما بعد التناوب، إلا أن هذا لا يمنع من القول أن الثقة كمبدأ لم تمت أبدا بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية عامة، وهو ما سيظهر جليا بعد أحداث 20 فبراير، الحراك الذي تلته العديد من التطورات في المشهد السياسي المغربي كان أهمها الموافقة على دستور جديد للمملكة بعد خطاب الملك الشهير، أعقبته دعوة إلى تنظيم انتخابات تشريعية، أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، فهل كان من الممكن أن يصل هذا الحزب الإسلامي إلى السلطة وإلى سدة الحكم، وتطمئن إليه المؤسسة الملكية أولا ثم شرائح المجتمع المغربي ثانيا، لو لم تكن هناك ثقة متبادلة بين المؤسسة الملكية والحزب والتي نسجت خيوطها منذ أن سمح للحزب في الانخراط في العملية السياسية من بابها الواسع ومن خلال المؤسسات ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فرغم أن تاريخ الحركة التي انبثق منها هذا الحزب، كانت له توجهات متطرفة نوعا ما، وبقي هذا التاريخ يطارد الحزب، رغم أنه قام بقطيعة مع الكثير من المفاهيم التي رصعت هذا التاريخ وأصبحت جزء من الماضي، ناهيك عن العديد من الضربات التي تلقاها الحزب من أطراف عديدة ومحاولة تقديم صورة سوداوية عنه.. رغم ذلك بقيت الثقة بينه وبين المؤسسة الملكية هي المحدد، والقول الحاسم والفاصل، واحترم الدستور واستمرت العملية السياسية بانسيابية تامة، صحيح أن الحزب احتل المرتبة الأولى في الاستحقاقات التشريعية التي تلت ذلك الحراك، الشيء الذي خول له قيادة الحكومة بقوة الدستور، فلو لم يَحْظَ بالثقة الملكية، كما أسلفت الذكر، لما استتبت له الأمور، فالثقة هي الخيط الناظم في كل ذلك.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى