تحقيقات أسبوعية

تقرير | أسباب فشل المبعوثين الأمميين في قضية الصحراء

لما شب النزاع المفتعل من طرف الجزائر حول قضية الصحراء المغربية وسيادته على جميع أراضيه وأقاليمه الصحراوية، ووصل النزاع إلى هيأة الأمم المتحدة، تقرر تعيين مبعوث خاص للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، بعد الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي، تكون مهمته أساسا التوصل إلى حل سياسي وواقعي وعملي ودائم ومتوافق بشأنه لهذا النزاع الإقليمي، وكان المغرب دائما عند توفر الشروط في المبعوث الأممي يدعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة من أجل الوصول إلى ذلك الحل.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود

    تحدد مهمة المبعوث الأممي بدقة كبيرة، من بداية المهمة إلى نهايتها، وما يقدمه من تقرير عن مهمته والنتيجة التي توصل إليها مع الأطراف المعنية.

كما أن المبعوث الأممي يجب أن تتوفر فيه الكفاءة والخبرة والحنكة السياسية، ويكون على اطلاع كاف بما يروج في العالم من أزمات مختلفة، والاطلاع على السوابق في حل المنازعات بين الدول، ولا سيما المجاورة، وقد تكون المنازعة مثلا على الحدود البرية أو البحرية، أو على المس بسيادة دولة على أراضيها، والمفروض في المبعوث الأممي – في نظرنا – أنه بمجرد تعيينه، عليه أن ينكب أولا على دراسة الوضعية التاريخية والوضعية الحالية للدولتين المتنازعتين، وأن يستعين بما تتوفر عليه كل دولة من وثائق لإثبات ما تدعيه، ومعرفة وجهة نظرها في النزاع وأسبابه، وما هو الحل الذي تقترحه لحل ذلك النزاع بدون اللجوء إلى استعمال وسائل الضغط والعنف، حفظا على السلم.

تتمة المقال تحت الإعلان

وخلال السنوات المنصرمة، عينت هيأة الأمم المتحدة عدة مبعوثين وعهدت إليهم بدراسة الأسباب الرئيسية المتعلقة بالنزاع حول الصحراء المغربية، ومن هم الأطراف الرئيسية في هذا النزاع وما هو الحل الكفيل بحل النزاع بصفة دائمة ونهائية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا، وعلى التوالي، فقد تم تعيين عدد من المبعوثين الأمميين وهم: جوهانس مانس، صاحب زادة يعقوب خان، إيريك جينسن، جيمس بيكر، بيتر فان فالسوم، وكريستوفر روس، هورست كوهلر، وستيفان دي ميستورا، مبعوثين أمميين  لحل قضية الصحراء المغربية، وهؤلاء كلهم فشلوا في مهمتهم، وعجزوا رغم خبرتهم وكفاءتهم السياسية، عن حل نزاع ينحصر في موضوع ويقتصر على معرفة لمن تعود سيادة أراضي متنازع عليها بين دولة قائمة منذ عدة قرون، وبين مجموعة بشرية من جنسيات مختلفة ومسلحة، تزعم أنها تتوفر على  عناصر تكوين الدولة، وتقيم  في أرض بدعم من الجمهورية الجزائرية.

وكل هؤلاء المبعوثين الأمميين فشلوا في مهمتهم، فما هي أسباب فشل المبعوثين الأمميين في أداء مهامهم؟ وكيف يعقل أن تتولى عدة شخصيات بارزة في العمل السياسي مهمة إيجاد حل لنزاع مفتعل ولم يحالفهم التوفيق في أداء تلك المهمة ؟  فشل المبعوثون الأمميون إلى الصحراء، لأن أحد هؤلاء المبعوثين، وهو جيمس بيكر، صرح بأن الحل مستحيل مع أنه يعلم جيدا أنه لا مكان للاستحالة في العمل السياسي، وأن كل مشكلة لها حل إذا وجد العنصر النزيه المتشبع بالحياد والنزاهة وكلف بإصلاح ذات البين بين الطرفين المتنازعين.

هذه الشروط لم تكن متوفرة بالنسبة للمبعوث الأممي الأخير، ستيفان دي ميستورا، ومع احترامنا لشخصه ومكانته، لم يقم بمهمته بالنزاهة المطلوبة، وأقرب دليل على ذلك الزيارة التي قام بها إلى جنوب إفريقيا، للاستشارة، مع أن تلك الدولة هي في صف أعداء المغرب، ومؤيدة لخطة الجارة الجزائر في عرقلة إتمام الوحدة والسيادة المغربية على جميع أراضيه، فكيف سمح لنفسه بأن يقحم دولة لا تعتبر طرفا في النزاع؟ ربما زار تلك الدولة لغرض تقدمه الجزائر وتقوم بتنفيذه دولة جنوب إفريقيا نيابة عن الحكم العسكري في الجزائر.

كيف يعقل أن يفشل دي ميستورا في مهمته وهو الذي تقلد عدة مناصب عليا ويتقن عدة لغات ومنها اللغة العربية، ويتمتع بخبرة تزيد عن 40 سنة في الدبلوماسية والسياسة.

حل المشكل بسيط جدا، ولا يحتاج إلى هذا المجهود، وهذا الوقت الطويل، وما أنفق من أموال دون ذكر من ذهب ضحية هذا النزاع المفتعل، ولا يحتاج حتى الرجوع إلى هيأة الأمم المتحدة، وإلى ميثاقها، بل يكفي الرجوع إلى القواعد القانونية التي تطبق في جميع دول العالم رغم اختلاف الدين واللغة والعناصر المكونة لكل شعب.

الرجوع مثلا إلى قاعدة “البينة على من ادعى”، كان من الممكن أن يطلب المبعوث الأممي من المغرب أن يقدم ما يتوفر عليه من حجج ووثائق رسمية تثبت ملكيته لجميع الأقاليم الصحراوية، وسبق له أن قدمها لمحكمة العدل الدولية،  وعلى أساسها صدر عن تلك المحكمة القرار الذي يؤكد أن “الصحراء لم تكن أرضا خالية وإنما كانت تابعة للسيادة المغربية”، ويقوم المبعوث الأممي بخطوة أخرى ويطلب من فرنسا وإسبانيا أن تقدم كل دولة الوثائق عن وضعية الصحراء المغربية عند فرض الحماية على المغرب سنة 1912، ويطلع على خريطة الإمبراطورية المغربية الشريفة، وسيجد أن تلك الإمبراطورية كانت تتكون من المغرب الأدنى والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى، وكلها كانت تحت سيادة سلاطين المغرب الأقصى، ثم يطلب من الجبهة الانفصالية الوثائق التي تثبت وجودهم في الصحراء، وما هو سند حيازتهم، وبمقارنة الوثائق، سيظهر بوضوح أن سيادة المغرب على صحرائه يرجع تاريخها إلى عدة قرون، وأن سكان الصحراء كانوا مرتبطين بملوكهم بواسطة البيعة، وأن المكلفين بتدبير الشأن العام في الصحراء المغربية يعينون من طرف السلطان بواسطة ظهائر شريفة، وإن الخزانة الملكية غاصة بمختلف الوثائق الرسمية التي تثبت ملكية المغرب لصحرائه الغربية والشرقية.

أما الجبهة الانفصالية، فستقدم تجنيد الأطفال، واختلاس المساعدات الدولية، وحرمان المقيمين تحت قيود صارمة من أبسط الحقوق.

والقاعدة الثانية، هي أن “كل من أقام بصفة غير شرعية في عقار، فإنه يعتبر محتلا لذلك العقار بدون حق ولا سند”، ويجبر على إفراغه وطرده بمساعدة القوة العمومية.

و نشير إلى عدة مواقع تذكر أن السياسيين المغاربة كانوا بالمرصاد ومراقبة فشل المبعوث الأممي دي ميستورا في ملف الصحراء، ومما جاء في تتبع حركات ذلك المبعوث الأممي، أن زيارته إلى جنوب إفريقيا تشكل نكسة أممية، وخروجا عن أعراف الوساطة التي تقتضي التشاور مع الأطراف المعنية بالنزاع، كما أن عضوا سياسيا أشار إلى أن هذه الخطوة التي أقدم عليها المبعوث الأممي تخرجه مبدئيا عن عنصر الحياد لكون جنوب إفريقيا معروفة بمعاداتها للمغرب.

ولعل دي ميستورا شعر بخطورة ما أقدم عليه، فلم يعد يظهر له وجود منذ عدة شهور، وغاب عن الأنظار، وهذا ما عبر عنه محلل صحافي حيث لاحظ أن دي ميستورا ارتكب خطأ لا يغتفر بعد إحيائه لمقترح تقسيم الصحراء، ما عجل بإنهاء مهامه مختفيا عن الأنظار، وقد تعقدت القضية أكثر في يده مع إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دوناد ترامب لولاية جديدة، واعتراف فرنسا أيضا بمغربية الصحراء، ما يعني أن مجلس الأمن الذي ينتظر تقريره قد تجاوزه عمليا إلى مرحلة أخرى لم ينتبه إليها المبعوث الأممي وتجاهلها عن قصد، وهي مرحلة اعتراف أعضاء مجلس الأمن الدولي بمغربية الصحراء (الأسبوع الصحفي/ عدد 7 مارس 2025).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى