ربورتاج | توظيف “قفة رمضان” في السياسة يفسد العمل الخيري

عادت ظاهرة استغلال العمل الخيري في المجال السياسي بقوة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة 2026، مما يؤكد ميوعة المشهد السياسي وغياب الوازع الأخلاقي لدى المنتخبين والأحزاب السياسية، التي تستغل حاجة المواطنين والفقر والهشاشة لأجل توظيف هذه المساعدات الاجتماعية في استقطاب الناخبين وكسب المتعاطفين، مع استغلال كبير لشهر رمضان من أجل التستر وراء غطاء البر والإحسان وتوظيف جمعيات مدنية لهذا الغرض.
إعداد: خالد الغازي
كشفت قفة رمضان “فضيحة سياسية” لبعض الأحزاب، التي استغلت الغلاء وارتفاع الأسعار، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمر منها العديد من الأسر المغربية، سواء في المدن أو القرى، من أجل توظيف المساعدات الخيرية في الحملات الانتخابية من خلال توزيع قفف رمضان عبر جمعيات موالية، إلى جانب التدخل لدى أعوان السلطة ورجالها من أجل تمكين بعض أتباعهم من الحصول على قفف رمضان، والدفع بأتباعهم نحو المشاركة في توزيع هذه القفف في دوائرهم الانتخابية للتسويق لأنفسهم، وإدراج أسر تقطن في أحياء الطبقة المتوسطة والميسورة ضمن عمليات الاستفادة.
فقد تحول العمل الخيري، الذي من المفروض أن يكون عملا إنسانيا تضامنيا بعيدا عن الغطاء السياسي، إلى وسيلة سياسية تستغل لاستمالة الناخبين والتأثير على اختياراتهم الانتخابية، حيث أن لجوء حزب سياسي كبير لتوزيع مساعدات غذائية عبر جمعية “جود” واستغلال آليات الدولة في التخزين والتوزيع واللوجستيك، يدخل في إطار “شراء الذمم” وولاء الناخبين، في خرق سافر لقانون الانتخابات، والقانون رقم 18.18 المتعلق بجمع التبرعات وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، كما تعتبر هذه الممارسات انتهاكا صريحا لمقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، الذي ينص على ضرورة الفصل بين العمل الخيري والعمل السياسي.
ليست المرة الأولى التي يثار فيها هذا الموضوع في المشهد السياسي الوطني.. فقد سبق أن تعرضت جمعية “جود” للتنمية في سنة 2021، لانتقادات من قبل منتخبي الأحزاب السياسية المنافسة لحزب الأحرار، حيث اتهمت هذه الأحزاب الجمعية باستغلال العمل الخيري لخدمة أجندات سياسية، عبر توزيع القفف الرمضانية كوسيلة للتأثير على الناخبين قبل موعد الانتخابات وكسب ولاء دوائر انتخابية والترويج لشعبية الحزب دون احترام بقية الشركاء السياسيين، بشكل يخالف الميثاق المؤسس للتحالف الحكومي.
والغريب في الأمر، أن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، خرج في فيديو عبر صفحة الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي، يعترف فيه بعظمة لسانه بدعم حزبه للعمل الخيري الذي تقوم به جمعية “جود”، حيث دافع عن أنشطة الجمعية قائلا: “بغيت نركز على نقطة أساسية، مؤسسة خاصة كان عندي الشرف وقفت عليها، وقفت على تنميتها مع عدد ديال المساهمين وناس الخير الذين يريدون مواكبة هذا العمل، واليوم مع الأسف، نشاهد بعض الخرجات التي تشكك في النوايا وتبخس وتضرب هذا المجهود الكبير التي تقوم به هذه المؤسسة التي هي جمعية جود للتنمية”، مما يطرح عدة تساؤلات على قيادات الحزب، وأيضا مسؤولي وزارة الداخلية، حول مدى التزام الأحزاب السياسية بقواعد النزاهة والشفافية في العمل السياسي، وحول استخدام العمل الخيري كوسيلة لتحقيق أهداف انتخابية.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد شقير، أن الإطعام السياسي بشكل مجمل هو مسألة متجذرة في المنظومة السياسية بالمغرب، ويعود تاريخها إلى زمن السلطان والزوايا، بحيث شكل الإطعام وسيلة من وسائل التموقع السياسي، وضمان الشعبية السياسية ووسيلة للتنافس على استقطاب الأنصار، حيث كانت هناك مقولة في التاريخ السياسي بالمغرب تقول “ملء البطون للتأثير على العقول”، وبالتالي، فهذه المسألة ظلت متواصلة حتى بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن المؤسسة الملكية بدورها تقوم بهذه المسألة بدليل قفة رمضان أو توزيع الحريرة ووجبات الإفطار في رمضان، فهذه المسألة متجذرة في المنظومة السياسية بالمغرب ما دام أن هناك عامل أساسي يسمح باستمرار هذه الظاهرة، وهو الهشاشة الاجتماعية.
وأوضح شقير أن الأحزاب بدورها تستغل هذه المسألة، مثل حزب العدالة والتنمية، الذي يعد “حركة إسلامية أصولية”، وكان يستغل هذا النوع من الوسائل لاستقطاب أنصاره في إطار العمل الخيري، وهذا ما استوعبته السلطة وقامت بإصدار مجموعة من القوانين والإجراءات بما فيها المرسوم الأخير الذي يمنع استخدام وسائل الدولة أو توظيف الإحسان في العمل السياسي، حيث أن توظيف الإحسان يتم في مناسبات معينة مثل رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى لاستقطاب أصوات الناخبين، ورغم كل الإجراءات التي اتخذت من قبل السلطة إلا أن الظاهرة ستبقى مستمرة بشكل علني أو سري، من طرف الأحزاب، خاصة مع بداية حمى الانتخابات وكل الأحزاب تسعى إلى التموقع في أفق الانتخابات القادمة، مشيرا إلى ما جرى مؤخرا فيما يتعلق بتوزيع قفة رمضان من قبل مجموعة من المنتخبين من أحزاب مختلفة، وفي منطقة سوس، حيث كانت سيارة لجمعية “جود” توزع قفف المساعدات.
وقال نفس المتحدث، أنه رغم قيام السلطة بوضع قوانين في هذا الإطار لمنع استغلال حاجة الفقراء، إلا أنه من الصعب جدا كبحه من ناحية الفرقاء السياسيين ولا حتى من ناحية المواطنين الناخبين، وبالتالي، فإن هذه العملية تدخل في سياق اجتماعي تساهم فيه الأحزاب، وشرائح اجتماعية واسعة، التي أصبحت تتسول المساعدات وتمتهن هذا المجال، بحيث أن مجموعة من الشرائح لا تكتفي بقفة أو اثنتين، بل تعمل على جمع عدد من القفف لإعادة بيعها أو الاستفادة منها بشكل أكبر، لهذا ستبقى هذه العملية متواصلة في ظل وجود وترسخ عقلية التسول وما يسمى بالبر والإحسان، وفي نفس الوقت الهشاشة الاجتماعية التي يتم استغلالها للحصول على نوع من الدعم من المساعدات الغذائية لأهداف انتخابية.
واعتبر المتحدث ذاته، أن الثقافة السياسية تعرف مسألة الاستقطاب من خلال تقديم ما يسمى الكرم السياسي أو الكرم الاجتماعي، إذ أن كل منتخب يعبر عن كرمه من خلال إعداد الولائم وتوزيع القفف والأضاحي، وكل ما يستقطب الأصوات، لأن الواقع بالنسبة للعقلية السياسية ولدى الناخبين، يعتبر هذا المستضيف أقوى وأكرم من باقي المتنافسين، وهذا يظهر من خلال أحزاب المعارضة، التي ليست لديها إمكانيات، فتشتكي من هذه الممارسات أمام الأعيان أو ممولي الأحزاب، وانطلاقا من ذلك، تجذر هذا السلوك في المنظومة السياسية، وأصبح تبعا لذلك من الصعب جدا القضاء عليه في ظل الهشاشة القائمة والثقافة السياسية المكرسة، وبالتالي، فإن ما يسمى بالولائم الانتخابية سوف تتواصل كلما اقترب موعد الانتخابات حتى وإن كانت السلطة تحاول احتواء هذا النوع من الولائم من خلال إصدار قانون والمصادقة عليه وتحديد العقوبات الزجرية لكل من يتورط في هذه المخالفات.

من جهته، يقول المحلل السياسي بلال التليدي، أن استغلال العمل الخيري لأجل العمل السياسي هو عمل مجرم بمقتضى القانون، لأن العمل الاجتماعي يفترض أن الذي يقوم به هي المؤسسات الخيرية التي لا ارتباط لها بالعمل السياسي، ويجب أن تقوم به بعيدا عن الأجواء الانتخابية وبعيدا عن خدمة أي طرف سياسي يحاول أن يستثمر حاجة الناس إلى المساعدة في ظل ارتفاع الأسعار، وهو ما يعكس وجود أزمة داخل الأحزاب السياسية التي لا تستطيع أن تدافع عن منجزاتها الحكومية، وتلجأ لشراء الذمم لأجل المساعدة، وأعتقد أن من واجب الإدارة الترابية أن تكون يقظة وأن تحارب هذه الظواهر وتحارب استعمال ممتلكات الجماعات وبرامج الدولة من أجل تحقيق مصالح انتفاعية ضيقة.
وقال بلال التليدي: “للدولة إمكانيات لكي تعرف مختلف التحركات التي تقوم بها الأحزاب، وأتصور ما وقع في سيدي إفني من خلال بيان العمالة، فهو واضح يبين أن السلطات تنظر في هذه القضايا وتحقق فيها بشكل متأني، لأن الادعاءات والمزاعم التي ترد في وسائل الإعلام، لا بد لها من تحريات، وهذا ما تقوم به السلطة وأعتقد أن القضية تحتاج إلى فعالية أكبر وحياد كبير من الدولة والسلطة الترابية”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن هناك أشياء مباحة قانونيا تتحول بفعل الممارسة الاحتيالية إلى أمور خارجة عن القانون، وهو ما جعل بعض الجمعيات تتحول إلى أذرع حزبية، حيث أن للسلطة خريطة واضحة تعرف بشكل دقيق من هي الجمعيات المستقلة وغير المتحيزة، وتعرف أيضا من هي الجمعيات التي تخدم هذا الحزب أو ذاك، مؤكدا على أننا في مرحلة ينبغي أن نحدد فيها إطارا قانونيا يمنع استعمال المساعدات لأغراض سياسية، ويمنع أيضا منح التنظيمات والجمعيات المدنية ذات العلاقة المباشرة مع هذه الأحزاب، استعمال هذه الأموال لأهداف انتخابية.
ويرى بعض النشطاء والسياسيين، أن لجوء الدولة إلى تقديم مساعدات للطبقات الفقيرة، وتوزيع قفف رمضان وغيرها من المساعدات الغذائية، يجعل بعض الأحزاب السياسية ومجالسها المنتخبة تبرر انخراطها في تقديم المساعدات الغذائية، بل إن هناك جماعة ترابية ومجالس منتخبة تخصص في دوراتها حصصا مالية ضمن ميزانياتها قد تصل إلى 100 مليون سنتيم، لتوزيع قفف رمضان والمساعدات الغذائية على الأحياء الفقيرة والأسر المعوزة، لكن هذه العملية التي تلقى معارضة من قبل أحزاب المعارضة، تعتبر في نظر السياسيين والجمعويين، سباقا انتخابيا لا يخرج عن محاولة شراء ولاء المواطنين، وترويج الشعبوية السياسية من أجل الظهور بمظهر الكرم والإحسان، مما يمس بمبادئ تكافؤ الفرص بين جميع الأحزاب ونزاهة العملية الانتخابية، ويتحول الأمر من مجرد تقديم الدعم الاجتماعي إلى استغلال وسوء استخدام للسلطة وتبديد المال العام.
فاستغلال العمل الخيري في المناطق النائية والفقيرة والأحياء الشعبية، من قبل بعض الأحزاب السياسية، يبرز غياب رؤية استراتيجية لدى بعض الأحزاب، وعجزها عن إقناع المواطن من خلال برامج واضحة ومشاريع تنموية حقيقية، لهذا فمعالجة هذه الممارسات تتطلب إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للتمويل الحزبي، ووضع ضوابط صارمة تمنع استغلال الموارد العامة في الحملات الانتخابية.
في هذا الصدد راسل البرلماني رشيد حموني، وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بخصوص “استعمال وسائل عمومية وتوزيع مساعدات لأغراض انتخابوية”، متسائلا عن التدابير التي ستقوم بها الوزارة من أجل فرض التطبيق الحازم للقواعد والضوابط القانونية المتعلقة بتوزيع المساعدات الإنسانية بصفة عامة.
وتحدث حموني عما “يتداول في أوساط الرأي العام والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، من إقدام مؤسسة جود، الذراع الخيري والإحساني لحزب الأحرار، الذي يقود الحكومة، على القيام بعمليات متواترة وكبيرة لتوزيع مساعدات عينية، عن طريق شبكة واسعة، تحت يافطة العمل الجمعوي، وأحيانا كثيرة باستغلال وسائل وممتلكات عمومية في نقل وتخزين وتوزيع هذه المساعدات، التي تقدم تحت شعار: التضامن والعمل الخيري”.
وانتقد حموني “استغلال أوضاع الفقر والهشاشة في أوساط المستضعفين لاستمالة الناخبين بشكل غير أخلاقي وغير مشروع إلى صف الحزب الذي يرأس الحكومة حاليا، والذي يعلم الجميع ارتباطاته المعلنة والعلنية بهذه المؤسسة”، مشددا على أنه “كان الأجدر بهذه الهيئة الحزبية التي تقود الحكومة، أن تستثمر موقعها المؤسساتي في مواجهة الفقر ومحاربة الغلاء ومعالجة تدهور القدرة الشرائية، عبر اتخاذ قرارات عادلة وناجعة يستفيد منها كافة المغاربة وجميع المناطق، عوض اللجوء إلى هذه الأساليب الملتوية والأقرب إلى حملة انتخابية غير مشروعة وسابقة لأوانها”.
بدوره، ندد إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، بـ”الاستغلال السياسي للعمل الخيري” من قبل حزب التجمع الوطني للأحرار، عبر جمعيته “جود”، وذلك من خلال توزيع مساعدات على الفئات الهشة بطرق مشبوهة، في محاولة للتأثير على المواطنين واستمالتهم لأغراض انتخابية، معتبرا أن استغلال حاجة المواطنين بهذه الطريقة يمثل “ضربا لأسس التنافس السياسي الشريف” وتهديدا للاختيار الديمقراطي للمملكة.
ودعا شارية السلطات الوصية، إلى تحمل مسؤولياتها في التصدي لمثل هذه الظواهر وضمان احترام مبادئ الشفافية والمساواة بين جميع المغاربة، مشددا على أن التنمية الحقيقية لا تتحقق عبر “قفف انتخابية”، بل من خلال سياسات عمومية ناجعة تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية، لأن المساعدات الظرفية لا يمكن أن تكون بديلا عن إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة تضمن تحسين مستوى عيش المواطنين على المدى البعيد.



