المنبر الحر

المنبر الحر | أوكرانيا وأوروبا بين معضلتي الحرب العادلة والسلم غير العادل 

بقلم: عبد الإله المريباح

    حرب عادلة أم سلم غير عادل؟ هما أمران أحلاهما مر بالنسبة لأوكرانيا وأوروبا.. فها هي ثلاث سنوات قد مرت دون أن تضع الحرب أوزارها، الحرب الروسية الغربية فوق الأراضي الأوكرانية، والمعروفة دوليا بالحرب الروسية الأوكرانية، دخلت عامها الرابع دون آفاق قريبة لإنهائها رغم التطورات المُثيرة والتحولات الهامة وغير المفهومة التي طرأت على الموقف الأمريكي في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، لأن الولايات المتحدة هي المدعم الرئيسي المعتمد عليه في حرب أوكرانيا، فالإدارة الأمريكية الجديدة أعلنت بشكل مفاجئ عن قطع المساعدات العسكرية والاستخباراتية على أوكرانيا، بحجة أن أمريكا أهدرت حوالي 500 مليار دولار دون أفق قريب للحل، ولا يمكن أن تستمر في ذلك إلى ما لانهاية.. أمريكا ترامب تريد وقفا فوريا للحرب دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول شروط وحيثيات السلم المنشود، فقط تتلهف للاستحواذ على المعادن النادرة في أوكرانيا واستغلالها لعشرات السنين.

وأمام هذا الموقف الأمريكي الذي وصفته بعض الأوساط الأوروبية بالخيانة، والبعض الآخر بغير المفهوم، أصبحت أوكرانيا بدون ممول أمام خصم عسكري شرس، أوروبا أيضا لم تستوعب الصدمة الأمريكية وتحاول يمينا وشمالا مساعدة أوكرانيا وإنقاذها من الانهيار الوشيك والمحتوم.

نعم، أوكرانيا وأوروبا أصبحتا فجأة في ورطة من أمرهما، فلا هما قادرتان على توقيع سلم دون قيد أو شرط، ولا هما مستعدتان لتمويل الحرب من جيوبهما من أجل أهداف غامضة وغير معروفة أصلا، لكن يبدو أن التطورات المتسارعة ماضية في اتجاه التصعيد، خصوصا من طرف فرنسا وألمانيا، فالاتحاد الأوروبي أعلن على عجل عن تخصيص غلاف مالي كبير حدد بـ 800 مليار أورو، من أجل النهوض بالتصنيع العسكري الأوروبي، أما ألمانيا فقد أعلنت بسرعة البرق عن اعتماد مبدأ “مهما كلف الثمن” (quoi qu’il en coûte)، من أجل عسكرة سريعة للدولة! وفرنسا المصابة بالإحباط من التراجع الأمريكي، لم تجد سوى أن تُمثل وتفعل ما قاله الشاعر العربي قديما: “أسماء مملكة في غير موضعها.. كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد”، ففرنسا تمثل بأنها أصبحت أسد أوروبا وتتحدث عن توسيع مظلتها النووية إلى باقي البلدان الأوروبية الأخرى ورفع ميزانيتها العسكرية، كما تحاول بصلافة نهب واستغلال الـ 210 ملايير أورو من الودائع الروسية المحتجزة في أوروبا لمساعدة أوكرانيا عسكريا وماليا، وهي مسألة غير قانونية نهائيا وتصب الزيت على النار في هذا النزاع الخطير، وقد تكون لها عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار في أوروبا، أما بريطانيا، الحليف الوفي والمُدلل لأمريكا، فوجدت نفسها في شراك الولايات المتحدة، لأنها لا يمكن أن تستعمل بشكل سيادي سلاحها النووي دون موافقة أمريكا من الناحية التقنية. 

تتمة المقال تحت الإعلان

لم كل هذا الهلع؟ لم كل هذا التصعيد؟ لا أعتقد أن روسيا تهدد بضرب أوروبا أو التخطيط لاحتلالها، مسألة ليس لها أي معنى سياسي أو استراتيجي، والحكمة، فيما أعتقد، تقتضي الاعتراف بأن روسيا لا يمكن أن تُهزم في هذه الحرب بالمعنى الكلاسيكي للهزيمة العسكرية، إذ كيف يمكن إلحاق الهزيمة بدولة عسكرية تملك أكثر من 5000 قنبلة نووية منتشرة في سائر بقاع المعمور برا وبحرا، منها أكثر من 1700 قنبلة جاهزة للاستعمال الفوري، فضلا عن صداقتها بلا حدود مع ثاني أقوى دولة في العالم ؟ 

تتمة المقال تحت الإعلان

من جهة أخرى، وللذاكرة والمقارنة فقط، لماذا تتشبث أوروبا بالحرب ضد روسيا وعدم اللجوء إلى السلم وإن كان يحمل بعض النقائص؟ لماذا لم يكن لأوروبا نفس الموقف في حرب البوسنة والهرسك، حيث دفعت في تجاه سلم ظالم قاهر للشعب البوسني؟ لماذا لم تؤازر الشعب البوسني في حربه العادلة ضد الظلم والطغيان؟ لماذا دفعت في اتجاه فرض “معاهدة دايتون للسلام” سنة 1995 رغم الإهانة التي حملتها المعاهدة ضد البوسنة والهرسك؟ وفي الشرق الأوسط أيضا، لماذا لا تضغط أوروبا على إسرائيل من أجل السلم بإرجاع الأراضي المغتصبة إلى الفلسطينيين وتأسيس دولتهم المستقلة طبقا للقرارات والشرعية الدولية؟ إنه النفاق والكيل بمكيالين ليس إلا.

وفي رأيي المتواضع، فمن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في أوكرانيا وتثبيت أسس صلبة لسلم دائم في أوروبا، فإن الحل للمعضلة الأوكرانية يكمن بموضوعية فيما يلي: 

القبول بالوضعية الترابية الراهنة على الميدان لكلا البلدين؛

التزام روسيا بعدم الهجوم على التراب الأوكراني من جديد؛

التزام أوروبا وأوكرانيا بعدم انضمام هذه الأخيرة إلى حلف “الناتو”، وإعلان أوكرانيا كدولة محايدة ووقف سياسة العداء والبروباغندا ضد روسيا، وعدم السماح للغرب باستعمال الأراضي الأوكرانية لتهديد أمن روسيا أو التجسس عليها؛

عدم المغامرة بنشر جنود أوروبيين فوق التراب الأوكراني، الأمر الذي قد يؤدي إلى استفزاز روسيا من جديد والقيام بما لا تحمد عقباه، مثل نشوب حرب روسية أوروبية، وربما حرب عالمية ثالثة (لاحظوا إعلان الولايات المتحدة مبكرا بأنها لن تشارك بجنود أمريكيين فوق التراب الأوكراني مهما كانت الظروف)؛

المسائل والتفاصيل الأخرى، مثل الأسرى والمفقودين والأطفال المُهجرين بين كلا البلدين، يتم التفاوض في شأنها لاحقا، بمشاركة أطراف محايدة طبقا للقوانين الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى