مع الحدث | ما لا تعرفونه عن المغنية التي احتقرت المال من أجل البنوة والفن
عندما طرقت نعيمة سميح أبواب المحكمة

مر ثامن مارس هذه السنة بنبرة حزينة، احتفلت المرأة في يوم غاب فيه وإلى الأبد صوت نعيمة سميح الشجي وبحتها الجميلة وكأن القدر اختار لها موعدا لم تخلفه، اختار رمضان الذي تمنت يوما أن تحتجب توبة من عند الله ودينار الصلاة يطبع جبهتها كما يطبع جباه الرجال من أثر السجود، وفي ليل جمعة ممطر بارد بلل تربة بن سليمان، التي استقبلت جسدها النحيف وأمواج بحر المحمدية التي اشتكت لها يوما تنصت إلى قطرات المياه، وعيد المرأة يهم بالدخول ليكون آخر مودع لها في هذه الدنيا وهي التي احتقرتها واحتقرت المال من أجل البنوة والفن.
لازلت أذكر يا نعيمة منذ حوالي أربعين سنة وأنا في مكتبي بالنيابة العامة في بداية حياتي القضائية في الدار البيضاء، وقد كلفت بالتوفيق في ملف ذي صبغة اجتماعية، لما أتى بك المرحوم عبد القادر الراشدي من الرباط وقال لنا: “أيها القضاة، استودعتكم نعيمة، فهي ملك لجميع المغاربة وما أظنكم إلا حريصين عليها وعلى نفسيتها وزوجها أكثر مني”، وذهب إلى الرباط، ونادى المرحوم مولاي التهامي وكيل الملك بالنيابة على شاي وعصير من مقهى “إجلو” الشهير القريب من المحكمة، احتفاء بك وبزوجك المرحوم الذي رغم الفراق كانت وصيتك أن تدفني بجانبه، والذي كان يجري إجراءات الطلاق على مضض، لأنه كان يحبك حتى في مسطرة الطلاق الذي كتبه الله رغم حبكما، وحتى نشعركما بأنكما لستما في محكمة وإنما في بيتكما، طلب مني أن آخذ بيدك، وكنت أحدد مواعيد جلسة الصلح بعد الساعة السادسة والنصف وأطلب من زميلي المرحوم ذ. بلهاشمي فوزي، الذي كان ينوب عنك، أن تدخلا إلى المحكمة من الباب الخلفي كي لا يتجمع المعجبون حولك وتحرجك كاميرات الصحافة آنذاك قبل ظهور الأنترنيت.
وفي الحقيقة، حتى أنا كنت أجد لذة وأنا أستمع إلى بحة صوتك المعجب بها منذ صغري، عندما كنت في ثانوية ابن تومرت أردد الكلمات الجميلة لأغانيك وأغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة، ذلك الزجل المغربي الأصيل الذي رهف شعورنا، والذي صنع ثقافته المرحوم الطيب لعلج، ولمغاري والباتولي والسقاط، وغيرهم من أئمة القلم، ومسك غيثارته عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط وحسن القدميري ومحمد الحياني والمعطي البيضاوي والحاج يونس، وعمر السيد وبوجميع، وغيرهم من مصابيح مسرح السبعينات من هلال عبد اللطيف وعبد العظيم الشناوي ومحمد الخلفي والبدوي، الذين لم يكونوا بعيدين عن حيك بوشنتوف، الذي كانت هتافات تشجيع الرجاء البيضاوي تسمع من بعيد ويظل الحديث عن الديربي بين الرجاء والوداد شاغل تلك المقاهي الحاملة لذكريات لا يقطعها إلا صوتك الذي يتعالى من أبواق المسجلات العتيقة، وسط دخان الأكلات الشهية ورائحة الشاي والقهوة الزكية في دروب درب السلطان البهية.
ذكرت كل ذلك ولتسمح لي الأسماء التي لا يتسع لها هذا المقال لكثرتها والتي أحبها وأقدرها ولم أذكرها لأنها ثقافة جيل بأكمله كان لنا حظ منها، لما كنا منذ سنوات قليلة نتزاحم في مسارح غنائك على حجز تذكرة الدخول، فإذا بك أمامي في ذلك اليوم لا تفصلني عنك إلا مسافة مكتب صغير.
لقد كانت مسطرة التطليق من أشد المساطر تطبيقا وعرقلة قبل إصلاح المدونة، وكانت المرأة تقضي السنين الطوال ابتدائيا واستئنافيا وحتى في النقض من أجل الحصول على ورقتها كما تقول الدارجة، وكم أثناء سريان المساطر ترتكب الجرائم وتتبادل الاتهامات وينقلب الحب والود إلى عداوات، حتى إذا صدرت الأحكام النهائية بعد سنين، تكون أركان الأسرة هوت وأواصرها اختفت وزجاجتها قد تكسرت، وهو ما كنا نحاول كممثلين للحق العام أن نجتنبه ونجنب أصحابه تبعاته.
وكم كانت النيابات العامة تجتهد عندما تطرح عليها النزاعات، فكنت من الذين يبادرون إلى محاولات الصلح وعند فشلها محاولة التوفيق بين الأطراف لطلاق اتفاقي بحضور محكمين من الطرفين، في غياب نصوص شافية ونجاعة مسطرية، كنت أدخل تلك المحاولات في إطار ما لمفهوم ملاءمة النيابة العامة من اختصاص واسع في المادة الاجتماعية، وكان من يعتبر اجتهادنا مدعاة للإعجاب على شجاعة أدبية وسبق في الاجتهاد، وأحيانا مدعاة لانتقادنا كوننا نحشر أنف الحق العام في مسائل شرعية هي من اختصاص القضاء الجالس.
ولكن ما البديل آنذاك من أجل إنصاف المرأة والحفاظ على ما بقي من الأواصر ومدونة الأسرة الجديدة لم تكن قد ظهرت بعد ؟
فعلا، طلبت مني شيئا واحدا لا زلت أذكره، هو أن يضمن في الاتفاق حضانة الطفل الصغير شمس، الذي سيصبح شمسا مضيئة في سمائك وسماء وطننا وأنا أراه اليوم رجلا يافعا، وفنانا كبيرا بارا بوالدته، ولم يجعله جبارا شقيا، يذرف معنا جميعا دموعا حارة على قبرك في بن سليمان، كنت تتمنين منذ أربعين سنة هذا الفتى لمثل هذا اليوم الحزين وهو ما ملكت من هذه الدنيا التي لم تغتر بها وأنت في أوج الشهرة والمجد.
وصرحت أمامي وأمام طليقك العزيز عليك أب شمس، الذي كان يحبك مثلنا، ومحاميه، بأنك مستعدة للتنازل عن النفقة وحتى عن نصف المنزل الكائن في حي راقي بالدار البيضاء والذي كنت تملكينه مناصفة مع زوجك، ولما سألتك: وأين ستسكنين مع شمس؟ قلت لي: سأذهب إلى البحر الذي غنيت له “البحارة” في المحمدية لأسكن في شاليه بسيط بمخيم لوران، ولم لا أرجع إلى درب السلطان وهو الذي غنيت أطلال الحب التي قال عنها السنباطي عندما لحنها المرحوم المعطي البيضاوي تمنيت أن أكون السباق لتلحينها.
لقد صدحت صاحبة الجرح بأنه من أجل شمس لم يغلها أي مهر في سبيل ذلك.
أذكر وأنا شاب في مقتبل العمر وقد علمتني التجربة أن اتخاذ المرأة أي قرار في بعض المواقف النفسية العصيبة، وخصوصا عندما تكون فنانة رقيقة الإحساس مثلك، يعتريه نوع من القصور والتسرع، سرعان ما تندم عليه في المستقبل، فقلت لك أن أمانة الإشراف على هذا الصلح تلزمني ألا أتركك تخلعين نفسك بنصف شقة هي ما تملكين من الحياة أنت التي لا تقيمين للمادة أي قيمة.
فقد أخبرني طليقك أنه حدث أمامه أن الغضب والتسرع الذي اعتراك في حفلة الكويت أياما قليلة قبل لقائنا هذا، عندما تبرع عليك أحد كبار الأغنياء العرب بشيك قيمته ثلاثمائة ألف دولار، وبعد نقاش بسيط في المسرح معه والذي كان منظما للحفلات، مزقت الشيك في حالة غضب ورميته في بالوعة المرحاض لكي تبينين بأنك لا تعيرين أي قيمة للماديات حتى ولو كانت مئات الآلاف من الدولارات وفي الثمانينات.
فعلا طلبت منه بمكتبي أن يشتري رمزيا قيمة نصف العقار، فقال لي بأنه لا يتوفر على السيولة، فجددت طلبي إلى المحامي كي يذهب إلى أقرب بنك ويقوم بإجراءات بيع ورهن نصف العقار له مقابل تلك السيولة وأن لا تضيع فنانة الشعب في حقها والتي لا تعرف ما تفعله بها الأيام مستقبلا.
أما هي، فأصرت أنها لا تريد إلا حضانة ابنها وعدم فراقه ولا يهمها المال ولن تركع لمغرياته..



