تقرير | خلفيات محاولة إنقاذ “اتفاقية أكادير” بين مصر والمغرب


“اتفاقية أكادير” هي اتفاقية تتعلق بإقامة منطقة التبادل الحر بين الدول العربية المتوسطية، وهذه الاتفاقية تم التوقيع عليها بالرباط بتاريخ 2024.2.25، تنفيذا لإعلان أكادير، الذي وقعه كل من الأردن ومصر وتونس والمغرب في 2001.5.8، وجاء في الإعلان عن هذه الاتفاقية، أن “الدول العربية الأربعة الموقعة على الاتفاقية قد أدركت أهمية التعاون العربي المشترك بما ينسجم مع البرنامج التنفيذي لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ويسهم في الجهود المبذولة لإقامة سوق عربية مشتركة، إلى جانب القواسم المشتركة بينها في إطار ما يجمعها من اتفاقات تجارية ثنائية فيما بينها، واتفاقيات الشراكة المعقودة مع الاتحاد الأوروبي”، كما أن هذه الاتفاقية تهدف إلى تنسيق السياسات الاقتصادية الكلية والقطاعية في الدول الأطراف فيما يخص التجارة الخارجية والزراعة والصناعة والنظام الضريبي والمجال المالي والخدمات والجمارك، وبما يوفر المنافسة الموضوعية بين الأطراف، وتتبنى الاتفاقية تحريرا كاملا للتجارة في السلع الصناعية والزراعية ابتداء من تاريخ دخولها حيز النفاذ، كما تلتزم الدول الأطراف بإزالة كافة القيود غير الجمركية، مثل القيود الكمية والنقدية والإدارية والفنية التي تفرض على الاستيراد، ولضمان نجاح هذه الاتفاقية والإشراف على حسن تنفيذها وتقديم المشورة والدعم الفني في جميع المسائل التي تخص تنفيذها، أنشأت الاتفاقية “وحدة فنية” معينة لتحقيق تلك الأهداف، كما نصت على مقرها في المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك حتى تبرز مميزات هذه الاتفاقية، وربما تكون تلك المميزات حافزا يدفع دولا عربية أخرى للانضمام لـ”اتفاقية أكادير”، وتلك المميزات هي:
- تطبيق قواعد المنشأ التراكمي، مما يساهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري ودعمه فيما بين الدول الأعضاء؛
- السعي إلى تطبيق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتطويرها والإسهام في الجهود المبذولة لإقامة سوق عربية مشتركة؛
- يتيح “إعلان أكادير” استفادة أكبر من اتساع أسواق الاتحاد الأوروبي، بعد انضمام عشرة دول جديدة إلى عضويته؛
- أن “إعلان أكادير” من شأنه أن يعمل على تنمية التبادل التجاري بين مصر والدول العربية الموقعة له، خاصة إذا علمنا أن حجم التجارة البينية بين الدول العربية لا يزيد عن 10 % من إجمالي تجارتها الكلية؛
- تعالج الاتفاقية العديد من القضايا المهمة، مثل: الأنظمة الجمركية، قواعد المنشأ، المشتريات الحكومية، المعاملات المالية، الإجراءات الوقائية، الصناعات الوليدة، الدعم، الملكية الفكرية، المواصفات القياسية، وتأسيس آلية لفض المنازعات.
وتعد قواعد المنشأ من أهم البنود الواردة في “اتفاقية أكادير”، حيث تعمل على زيادة قدرة منتجات الدول الأعضاء في النفاذ إلى الأسواق الأوروبية وستؤدي إلى زيادة الاستثمارات وزيادة التعاون الإقليمي بين الدول الأعضاء.
وزيادة في إبراز مميزات هذه الاتفاقية، فقد نصت على أن الدول الأعضاء تلتزم بإزالة القيود الغير جمركية، وهي التدابير والإجراءات والقيود الكمية والنقدية والإدارية والفنية التي تفرض على الاستيراد، ولا يجوز فرض أي قيود غير جمركية جديدة بما يتماشى مع الأحكام الخاصة بمنظمة التجارة العالمية واتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية وترتيبات منظمة التجارة العربية الكبرى، وكل اتفاقية لا يكتب لها النجاح إذا لم تحترم الدول الموقعة على تلك الاتفاقية، لذلك جاء في الاتفاقية أن الدول الأعضاء تتعهد باحترام الالتزامات المتعلقة بتحرير تجارة الخدمات، الواردة في جداول الاتفاق العام للتجارة في إطار منظمة التجارة العالمية، وتسعى GATS في الخدمات إلى توسيع نطاق تجارة الخدمات فيما بينها، وذلك وفقا للقوانين المعمول بها في كل دولة عضو. هذه لمحة تتعلق باتفاقية أكادير المبرمة بين أربعة دول سبق ذكرها، وتم التوقيع عليها في سنة 2004، فما هي أسباب الأزمة التجارية التي حالت دون التطبيق الجيد لما نصت عليه الاتفاقية؟ الواقع أن هذه الأزمة ظهرت بوادرها واشتد أثرها وتعرض لها وزير التجارة المغربي السابق في الحكومة السابقة، حيث أبدى امتعاضه من موقف دولة شقيقة وعضو في الاتفاقية تتصرف تصرفا مخالفا لما تنص عليه الاتفاقية بخصوص صادرات المغرب إلى تلك الدولة، وعرقلة خروجها من الموانئ وعرقلة وصول السلع والبضائع المغربية للموردين، مما يلحق أضرارا فادحة بالمصدر والمورد، وتسرب الفساد للسلع والبضائع بسبب التأخير في الإفراج عنها لتصل إلى أصحابها سالمة من كل عيب، ومما زاد الطين بلة، أن تلك الدولة منعت منعا كليا استيراد السيارات المغربية، وهذا المنع اقتصر فقط على السيارات المصنوعة في المغرب، مما يعد خرقا سافرا لأبسط ما نصت عليه الاتفاقية، حيث ترتب عن هذا المنع خلل وعدم توازن في ميزان المعاملات بين البلدين، وأصبح هناك فرق مهول بين الكفتين، وهذا ما أشار إليه محلل اقتصادي في دراسة قيمة بعنوان: “التجارة بين المغرب ومصر.. ميزان مختل يهدد اتفاقية أكادير بالانهيار”.. فبالنسبة لقطاع السيارات، قال هذا الخبير: “بدأ فرض قيود متزايدة على الواردات المغربية منذ عام 2008، حيث برزت الأزمة في قطاع النسيج، وتوالت الأزمات الاقتصادية بين البلدين، وخاصة في قطاع السيارات والأسمدة والمنتجات الزراعية”، مشيرا إلى أنه “حسب المعطيات المتوفرة، شهد قطاع السيارات سنة 2012 أزمة كبيرة استمرت حتى سنة 2023، حيث تم تخفيض واردات تلك الدولة من السيارات المغربية بنسبة 60 في المائة، كما تأثرت صادرات النسيج المغربي مجددا عام 2020، مما يعكس استمرار العراقيل التجارية التي تواجه المنتجات المغربية داخل سوق تلك الدولة”، وتابع الخبير موضحا: “في الوقت الذي تواجه فيه المنتجات المغربية قيودا متزايدة لدخول أسواق تلك الدولة، تواصل هي صادراتها إلى المغرب وبصفة مرتفعة، مما أدى إلى تحقيق فائض كبير لصالح تلك الدولة في الميزان التجاري بين البلدين”، مشيرا إلى أن الفجوة اتسعت بشكل ملحوظ بحلول سنة 2023، حيث انخفضت صادرات المغرب إلى مصر إلى 52 مليون دولار فقط، في حين ارتفعت واردات المغرب إلى 819 مليون دولار، مما أدى إلى فائض تجاري لصالح تلك الدولة بلغ 776 مليون دولار، ونتج عن هذا التفاوت رد فعل طبيعي على الخلل الواضح في الميزان التجاري بين البلدين، والذي يميل بشكل كبير لصالح تلك الدولة، حيث أنها تحقق فائضا تجاريا سنويا يقارب المليار دولار، وأكد نفس الخبير، أن المغرب كان يسعى إلى إعادة التوازن التجاري خصوصا وأن تلك الدولة تستفيد بشكل كبير من “اتفاقية أكادير”، التي تهدف إلى تعزيز التبادل الحر بين البلدين، وعبر عن مخاوفه من التصعيد الذي قد يؤثر على المصالح الاقتصادية للبلدين، حيث يرى عن حق أن الحل الأمثل يكمن في اللجوء إلى التفاوض، خاصة في ظل العلاقات السياسية القوية التي تجمع بين البلدين، ويظهر أن نصيحة الخبير وجدت أذنا صاغية، اقتنعت بضرورة احترام وتطبيق ما نصت عليه “اتفاقية أكادير”، وها هو وفد من تلك الدولة الشقيقة زار المغرب، مرحب به، نزلتم أهلا وحللتم سهلا، وعبر الوفد عن رغبته في تقوية العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، والتعاون لرفع العراقيل التي تحد من تنفيذ الاتفاقية، وأن الباب مفتوح في وجه جميع الواردات المغربية، كما عبر الوزير المغربي المسؤول عن القطاع، عن تفاؤله بحل الأزمة، وخصوصا بالنسبة لتصدير السيارات المغربية، ونتمنى للوفدين نجاح المفاوضات، وعلاج كل خلل، وعودة الميزان التجاري إلى تعادل كفتيه، والوصول إلى الحلول التي تحافظ على مصالح كل جانب، والحرص على التغلب على الصعاب في الحين، وبذلك نضمن سلامة “اتفاقية أكادير” وإنقاذها من الانهيار..



