مع الحدث | إشكاليات حقوقية تفرض نفسها في عملية ترحيل وهدم منازل المواطنين قبل مونديال 2030
حقوقيون يرفضون أسلوب الداخلية
تطرح المقاربة التي تنهجها السلطات العمومية تجاه إخلاء الأحياء السكنية والترحيل القسري للسكان، في هذا التوقيت بالذات، العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مفهوم الدولة الاجتماعية وشعار دولة الحق والقانون، فالوتيرة المتسارعة في هدم المنازل والتهجير القسري للسكان وفق القانون الدولي، والمقاربة اللاإنسانية التي ينهجها رجال الداخلية في عدة مدن (الرباط، الدار البيضاء، سلا، الجديدة والقنيطرة..)، والتي تهدف إلى القضاء على المناطق السكنية العشوائية وسط المدن الحضرية وترحيل الآلاف من الأسر إلى خارج المدن والأحياء التي عاشوا فيها منذ الاستقلال أو المسيرة الخضراء، قبل ظهور الجماعات الحضرية أو العمالات، مشكل يخلق فقدان الثقة وينشر الاستياء من السلطات والدولة بسبب مقاربتها التي لا تراعي الظروف الاجتماعية والأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها هذه الأسر.
الرباط – الأسبوع
الملاحظ أن عملية نزع ملكية الأراضي وهدم المنازل التي تقوم بها السلطات حاليا، تفتقد للمشروعية وتتم بطرق غير قانونية لأنها لا توفر التعويض الآني لجبر الضرر، وتضع هذه الأسر أمام ظروف قاسية لكي تتحمل مسؤوليتها لوحدها، وفي هذا الإطار، يرى عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن سياسة ترحيل سكان الأحياء الشعبية تثير إشكالات قانونية وحقوقية، خاصة في ظل الظروف الاجتماعية الصعبة، وارتفاع تكاليف المعيشة، لذلك يتوجب تحليل هذه الممارسات من خلال المرجعيات القانونية الوطنية والدولية، ومدى توافقها مع التزامات الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان، لاسيما وأن دستور 2011 ينص في فصله 31، على أن الدولة تضمن الحق في السكن اللائق، وهو حق مرتبط مباشرة بمبادئ الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي، كما أن الفصل 35 يحمي حق التملك ويمنع المصادرة التعسفية للملكيات الخاصة، مما يستوجب أن تكون أي عملية نزع ملكية أو ترحيل للأسر مبنية على تعويض عادل ومنصف، مضيفا أن الدولة تلتزم بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي ينص في مادته الـ 11 على “حق كل شخص في مستوى معيشي لائق، يشمل السكن المناسب”، كما أن التعليق العام رقم 7 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يؤكد أن “أي عملية إخلاء قسري يجب أن تحترم المعايير الأساسية، مثل الإشعار المسبق، والحوار مع السكان، وضمان التعويض أو إعادة الإيواء في ظروف تحفظ الكرامة”.
ويرفض تشيكيطو المقاربة التي تقوم بها السلطات المحلية والولائية، إذ تحاول السلطات المحلية والولائية، على رأسها الوالي اليعقوبي، أن تسوق لتبريراتها لهذه السياسات باعتبارها ضرورية لمحاربة السكن غير اللائق، وتحسين المشهد العمراني للمدن الكبرى، في أفق مونديال 2030، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب مقاربة اجتماعية شاملة تأخذ بعين الاعتبار هشاشة الفئات المستهدفة، حيث يتم تنفيذ عمليات الهدم والترحيل دون توفير بدائل سكنية كافية، أو تعويض مالي يسمح للأسر بإعادة بناء مساكنها في مناطق قريبة من أماكن عملها ومدارس أبنائها، وهنا لابد من التأكيد أن هذه الخروقات التي تمارس تحت يافطة الإعداد للمونديال الكروي، تعيد إلى الأذهان كيف أن الرأي العام الدولي ترصد لقطر خلال تنظيمها لكأس العالم، خاصة في الجانب الحقوقي وانتقد طريقة استعدادها له على حساب حقوق العمال، ومنه نؤكد أن مثل هذه التجاوزات قد تكون مدخلات للانتقاد وتوجيه السهام نحو المغرب باعتبار سلطاته أجهزت على حقوق مواطنين بمبرر القضاء على السكن العشوائي حفاظا على الجمالية واستعدادا لكأس العالم.
ويطالب الناشط الحقوقي الدولة، بتبني مقاربة تشاركية قائمة على توفير بدائل سكنية عادلة قبل الشروع في أي عملية هدم أو ترحيل، وضمان تعويض مالي منصف يتناسب مع تكاليف المعيشة، خصوصا مع ارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، وإشراك المجتمع المدني والسكان المتضررين في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم السكني، ووقف استعمال القوة والتعسف في تنفيذ عمليات الإخلاء، والالتزام بالقانون والدستور في كل إجراء، معتبرا أن استمرار نهج الإخلاء القسري في مدن سلا والقنيطرة، والصخيرات تمارة سابقا، دون ضمانات كافية، يتناقض مع التزامات المغرب الحقوقية، وقد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية، مما يستوجب إعادة النظر في هذه السياسة بما يحقق التوازن بين متطلبات التهيئة العمرانية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين.
من جانبه، يدين الحقوقي إدريس البدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، عمليات هدم المنازل وبرامج القضاء على السكن العشوائي، معبرا عن قلقه الشديد إزاء ما تشهده العديد من المدن المغربية، من بينها الدار البيضاء، الرباط، سلا، والقنيطرة، من عمليات هدم للمنازل التي تؤدي إلى تشريد العديد من الأسر دون توفير بدائل سكنية مناسبة، مما يشكل انتهاكا صارخا للحق في السكن اللائق.
وأكد البدراوي، أن الرابطة تدين بشدة هذه الممارسات التي تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادق عليه المغرب، والذي ينص في مادته 11 على حق كل فرد في مستوى معيشي كاف يشمل السكن اللائق، كما أن قرارات الإخلاء القسري يجب أن تتم وفق المعايير الدولية، بما في ذلك إشراك السكان المتضررين في إيجاد حلول عادلة ومنصفة، وضمان عدم تشريدهم أو تركهم دون مأوى.
بدوره، يرى الحقوقي محمد الزهاري، أن ما يحدث اليوم يعتبر تعسفا واضحا وشططا في استعمال السلطة، وترهيبا حقيقيا للساكنة ومسا خطيرا بعيش المواطن واستقراره وحفظ كرامته أمام تدخلات للإخلاء القسري من المساكن تحت تهديد الجرافات، وأحيانا يتم توظيف القضاء والزج بالمحتجين سلميا في السجن كما حدث في حالات متعددة بتمارة والصخيرات، ولا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه، فالضرورة تفرض توفير المساكن البديلة وتمكين هؤلاء المواطنين من ولوجها مباشرة دون المرور بقنطرة الكراء وتيسير الحصول على هذا الحق الاجتماعي الأساسي وليس العكس، وقال: “تحت غطاء المغرب يستعد لتنظيم بطولة كأس إفريقيا في أواخر السنة الحالية وبطولة كأس العالم 2030، بعد حوالي خمس سنوات، أو أحيانا الاختباء وراء كون الأمر صادر عن تعليمات عليا، يتم تشريد عدد من الأسر بعد هدم منازلهم بالقوة باعتماد وصفة: اهدم وخرج تكري وسير حتى نعيطو ليك، هذا الأمر في نظري مخالف لمقتضيات الفصل 31 من الدستور الذي ينص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين على قدم المساواة من عدد من الحقوق ومنها طبعا الحق في السكن”.
وأوضح الزهاري، أن آلاف السكان يرغمون على هدم منازلهم والانتظار، والخضوع قسرا إلى المرور عبر لهيب نيران الكراء، في الوقت الذي كان المطلوب فيه توفير المساكن البديلة في إطار محاربة دور الصفيح أو البناءات العشوائية، كما ينص على ذلك الفصل 31 من الدستور، مضيفا أن هناك من لازال ينتظر منذ فبراير 2023 التوصل بتعويضاتهم عن فقدانهم لمنازلهم وأراضيهم كما يقع لسكان كيش الودادية بتمارة، الذين خضعوا للهدم والترحيل القسري وأرغموا على الكراء ومازال ذوو الحقوق من الأصول والفروع ينتظرون وضع حد لمعاناتهم لأزيد من سنتين تقريبا، مشيرا إلى أن الفقرة الرابعة من التعليق العام رقم 7 بشأن عمليات الإخلاء القسري، الصادر خلال شهر ماي 1997 عن اللجنة الأممية المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، جاء فيها: “إن ممارسة عمليات إخلاء المساكن بالإكراه لئن كانت تخل إخلالا ظاهرا بالحقوق المدرجة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهي تمثل انتهاكا أيضا للحقوق السياسية والمدنية مثل الحق في الحياة وحق الفرد في الأمن على شخصه والحق في عدم التدخل في الخصوصيات والأسرة والبيت والحق في التمتع السلمي بالممتلكات”.
فالدولة سوف تستفيد من هذه العقارات والأراضي التي ستحول إلى استثمارات كبرى تحقق الأرباح والملايين، لكن تتم على حساب الترحيل الجماعي دون تعويض لهؤلاء الناس حتى يتمكنوا من تدبير حياتهم والبحث عن مساكن أخرى محترمة، وتظل الملفات والطلبات عالقة لدى مكاتب رجال السلطة والعمالات وتخلق احتجاجات ومشاكل والتمييز بين المستفيدين، واختلالات أخرى تتعلق بتوزيع البقع الأرضية وإقصاء المئات من الشباب المتزوجين القاطنين مع آبائهم من الاستفادة، مما يجعل الاتهامات توجه إلى السلطات العمومية والداخلية بسبب المقاربة الأمنية أو العقابية التي ينهجها الولاة والعمال عوض المقاربة الاجتماعية والحوارية مع الساكنة، حيث أن هذه المقاربة تساهم في تفقير الأسر والزيادة في معدلات الفقر عبر دفعها للكراء في أحياء شعبية وتجمعات سكنية أخرى يزيد الطين بلة.
فالعديد من الدول التي نظمت كأس العالم، مثل البرازيل وروسيا وكوريا.. لديها أحياء عشوائية، بل إن عاصمة البرازيل تعرف تواجد دور الصفيح بشكل كبير، لكن بالرغم من ذلك، لم تشن حملات لهدم مساكن الناس وترحيلهم قسرا استعدادا للمونديال، لهذا، فما تقوم به السلطات والحكومة في المغرب يخالف المواثيق الدولية والقوانين المصادق عليها، وحتى مبادئ الاتحاد الدولي لكرة القدم التي تعتبر كرة القدم رسالة للتواصل مع الفقراء في العالم وليس لاضطهادهم وتشريدهم من مساكنهم.



