تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل أخطأ المغرب عندما تنافس مع الجزائر على منصب نائب رئيس المفوضية الإفريقية ؟

كانت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا على موعد مع فصل جديد من مسلسل الصراع بين المغرب والجزائر، حيث انصب التنافس هذه المرة حول منصب نائب رئيس المفوضية الإفريقية، الذي انتهى لصالح الجزائر على حساب المغرب، ومهما يكن، فإن انتصار الجزائر على المغرب في هذه الجولة يطرح التساؤل حول ما إذا كانت هذه بداية عودة الجزائر إلى الساحة الإفريقية، أم أن هذا الانتصار مجرد حالة شاذة؟ وقد كانت هناك تجربة سابقة، وبالضبط في سنة 1984، عندما نجحت الجزائر في إدخال جبهة البوليساريو كعضو في منظمة الوحدة الإفريقية، ومن تم سيطرت على الساحة القارية، رغم أنه في تلك المرحلة اتهم المغرب الجزائر باستعمال المال من أجل شراء الأصوات، إلا أن ذلك لم يغير واقع الحال كما اليوم، حيث سيطرت الجزائر لمدة على المشهد القاري.. فهل أخطأت الحسابات المغربية عندما دخلنا في تنافس على هذا المنصب الذي خسرناه؟ وهل يمهد ذلك لعودة الجارة الشرقية بقوة إلى الساحة الإفريقية ؟

أعد الملف: سعد الحمري

    رغم أن الجولة التي كسبتها الجزائر تعتبر “هزيمة” للمغرب على اعتبار أن التنافس كان بينهما مباشرا على المنصب، إلا أن معظم المدونين والمؤثرين المغاربة ركزوا على قضايا جانبية، منها احتفالات ممثلي البعثة الجزائرية التي تم وصفها بالمبالغ فيها، وسجل عليهم عدم توفرهم على تقاليد أصيلة للاحتفال، على اعتبار أن المشارقة، مثل المصريين أو السوريين أو الخليجيين، لهم أعراف وتقاليد خاصة بالاحتفال تميزهم عن غيرهم من الشعوب، كما أنه لدى المغرب أعراف وتقاليد راسخة في الاحتفال، ومنها الزغاريد والصلاة المحمدية، غير أن أعضاء البعثة الجزائرية لم يجدوا من أعرافهم إلا شعارات ملاعب الكرة: “وان تو تري فيف لالجيري”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقبل يوم التصويت، قام المعارضون الجزائريون ومعهم مغاربة بحملة مضادة للحملة الانتخابية الجزائرية في أروقة الاتحاد الإفريقي، حيث جرى الحديث عن أن مكاتب الهيئة القارية شهدت دخول حقائب جزائرية مليئة بالأموال من أجل شراء الأصوات للحصول على المنصب المنشود في إطار صراع مع “عدوه اللدود” المغرب، والحال أن استعمال المال من أجل شراء الأصوات هو عادة معروفة في الساحة الدولية، فأمريكا تبني سياستها الدولية على تقديم المساعدات لعدة دول، لعل أهمها المساعدات المادية مقابل التوافق مع الأجندة الأمريكية، وعلى هذا المنوال تسير العديد من الدول الغنية مع الدول الفقيرة من أجل جرها إلى مسايرة سياستها الخارجية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ونعود إلى ما هو أهم، ألم ترتكب وزارة الخارجية المغربية خطأ هذه المرة عندما جعلت نفسها وجها لوجه أمام الجزائر وقررت الترشح لهذا المنصب؟ هل أخطأت الحسابات المغربية في هذه المنافسة؟ فكل ما نعلمه هو أن المغرب خسر السباق في الجولة الأخيرة بـ 22 صوتا مقابل 26 للجزائر، بمعنى أن نصف أعضاء الاتحاد الإفريقي صوتوا لصالحها.. ماذا حصل؟ هناك من يقول أن المغرب دخل السباق وهو محروم من 6 أصوات محققة لدول صديقة بسبب عقوبات الاتحاد الإفريقي عليها، لكن ألم تؤخذ هذه الجزئية بعين الاعتبار عند المسؤولين المغاربة، أم أن المغرب كان واثقا من الفوز غير أن هناك دولا تخلت عنه في آخر لحظة بفعل الإغراءات الجزائرية؟ فإذا كان هذا صحيحا، فعلى المغرب أن يعلم جيدا أن الأدغال الإفريقية في السياسة تشبه نظيرتها في مجال كرة القدم وتحتاج للتجربة والاستعداد لكل الاحتمالات، وأن هذه الجولة يجب أن تجعل المغرب يعيد التفكير في حساباته داخل القارة ووجوب اتباع نهج جديد.. ألم يكن على المغرب عوض الترشح دعم مرشح من دولة صديقة لتولي هذا المنصب ؟

ومن جانب آخر، هناك خلاصة أخرى تكمن في أن الجارة الشرقية ما زالت تحتفظ بدعم نصف أعضاء المنظمة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل حول إمكانية تحقيق ما يصبو إليه المغرب وهو طرد جبهة البوليساريو من هذه المنظمة.

محمود علي يوسف، الرئيس الجديد لمفوضية الاتحاد الإفريقي

سياسة المساعدات المالية الجزائرية للدول الإفريقية بين نجاعة الماضي ورهانات الحاضر

    الموضوع الأهم وهو الحملة الإعلامية التي وجهت للجزائر ووصفتها باستعمال المال من أجل شراء الأصوات الإفريقية.. في ماذا تفيد هذه الحملة؟ فالواقع يقول أن قراءة تاريخية تؤكد أن الجارة الشرقية سبق وأن اتهمها المغرب سنة 1984 بأنها دفعت رشاوى للدول الإفريقية مقابل حصول جبهة البوليساريو على العضوية في منظمة الوحدة الإفريقية، ورغم ذلك ذهبت التهم المغربية أدراج الرياح واستمرت الجزائر والبوليساريو في هذه المنظمة منذ تلك السنة إلى اليوم في عرقلة مصالح المغرب.

إن السياسة الجزائرية في الاتحاد الإفريقي قائمة على المساعدات المادية، وهذا منطقي على اعتبار أن أغلب الدول الإفريقية فقيرة جدا، وقد بدأت هذه السياسة سنة 1963، حيث منحت القروض والمساعدات المالية للدول الإفريقية الفقيرة منفقة بسخاء كبير، ويقدر حجم المساعدات التي قدمتها الجارة الشرقية بما يشمل المنح والقروض الميسرة، منذ سنة 1963 إلى حدود سنة 2019، ما مجموعه 10 ملايير دولار، حسب تصريح سليم قلالة، أستاذ الدراسات المستقبلية والاستشراف بجامعة الجزائر-1.

ومنذ سنة 1979، اعتمدت هذه المساعدات المالية ضد مصالح المغرب مع صعود الرئيس الجديد الشاذلي بنجديد، بعد وفاة هواري بومدين، مستغلة في ذلك الأموال الهائلة الناتجة عن تأميم النفط، الذي كان خلال نفس السنة من أجل إدخال جبهة البوليساريو كـ”دولة كاملة العضوية” في منظمة الوحدة الإفريقية، وبذلك كانت سنة 1982 على موعد مع حدث هز أركان المنظمة القارية.. فخلال انعقاد دورة عادية بالعاصمة الإثيوبية، اتخذ الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية قرارا انفراديا وغير مسؤول، عن طريق إشراك جبهة البوليساريو في أشغال الاجتماع الوزاري للمنظمة في أديس أبابا.

وقد جعل هذا المستجد الحسن الثاني يبعث برقية إلى آدم كودجو، الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية، استغرب من خلالها القرار الذي اتخذته إحدى اللجان المنبثقة عن الأمانة العامة لمنظمة الوحدة الإفريقية، والقاضي باعتبار ما يسمى البوليساريو عضوا في المنظمة، ووجه الملك خطابا شديد اللهجة للأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية قال فيه: ((لا يسعنا والحالة هذه، إلا أن نعبر عن شديد استنكارنا لكونكم أبحتم لنفسكم واعتبرتم واجبا عليكم السماح لإحدى الهيئات الإدارية التابعة لكم بالقيام بمثل هذا التعسف، واتخاذ قرار لا يدخل في نطاق اختصاصاتها ولا ضمن المهام المنوطة بها))، وأكد الملك أن ((هذا القرار يعتبر تحديا واستفزازا للمغرب))، ورغم احتجاج المغرب، إلا أنه بعد سنتين، أي سنة 1984، تم منح جبهة البوليساريو صفة عضو كامل العضوية، الأمر الذي أدى إلى مغادرة المغرب المنظمة.. يومها صرح الملك الحسن الثاني بأن الأموال الجزائرية وزعت بسخاء كبير، وقال أن الدولة الإفريقية التي لا تستطيع أداء رواتب موظفيها، أي أنها مفلسة، يجب أن تسحب منها صفة العضوية إلى حين تسوية مشاكلها المالية.. وهكذا ظلت الساحة الإفريقية خالية تماما أمام الجزائر واستغلت الأمر أفضل استغلال.

لقد استمر الأمر على هذه الحال سنوات طويلة، حيث عملت الجارة الشرقية، في إطار السعي إلى استمرار هيمنتها على منظمة الاتحاد الإفريقي، على إعفاء العديد من الدول من أداء بعض الديون المستحقة، كما هو الشأن لسنة 2013، عندما أعلنت الحكومة الجزائرية عن إلغاء ديون بقيمة 902 مليون دولار على 14 دولة الأقل نموا وعضوا في الاتحاد الإفريقي، بمناسبة الذكرى الخمسين لإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية في العام 1963، التي تحولت في العام 2002 إلى الاتحاد الإفريقي.. يومها كشف بيان لوزارة الخارجية الجزائرية، أن القرار يمس كلا من البنين، بوركينا فاسو، الكونغو، إثيوبيا، غينيا، غينيا بيساو، موريتانيا، مالي، الموزمبيق، النيجر، ساوتومي وبرينسيبي، السنغال، السيشل وتنزانيا، وقد اعتبرت جمهورية موريتانيا، الدولة العضو في اتحاد المغرب العربي، أكبر مستفيد من قرار الحكومة الجزائرية، حيث استفادت من إسقاط ديون بقيمة 250 مليون دولار.

بوريطة رفقة ممثلي النيجر وتشاد وبوركينافاسو ومالي خلال تقديم مبادرة الأطلسي بمراكش (دجنبر 2023).

وبعد خمس سنوات على هذا الإجراء، أي سنة 2018، وقع تحول في استعمال الجزائر للأموال، من محاولة الهيمنة إلى السعي للحفاظ على موقعها، وذلك عندما بدأت التهم تلاحق قصر المرادية فيما يخص سياسة الهجرة غير الشرعية، حيث اتهمت بطرد المهاجرين غير الشرعيين ومعاملتهم معاملة غير إنسانية. أخرجت الجارة الشرقية مجددا ملف القروض والمنح المدفوعة للدول الإفريقية لتدافع به عن نفسها.. فقد صرح مدير مركز العمليات للهجرة بوزارة الداخلية الجزائرية، حسان قاسيمي، أن بلاده التي تعاني من حملة شعواء بسبب ملف المهاجرين غير الشرعيين، وللبرهنة على “حسن النوايا والتزامها بالقضايا الإفريقية”، أعلنت عن مسح ما قيمته 3.5 ملايير دولار كديون لـ 14 دولة إفريقية خلال الخمس سنوات الأخيرة، لـ”أسباب إنسانية”، وأوضح قاسيمي، أن بلاده تتعرض لحملة شعواء بسبب ملف المهاجرين الأفارقة، وهي حملة “بنيت على صورة خيالية” للوضع و”غير مؤسسة بتاتا”، وكان هذا المسؤول يشير إلى انتقادات من منظمات حقوقية وجهت لبلاده بسبب عمليات ترحيل للمهاجرين غير الشرعيين منذ العام 2014، وأضاف المسؤول ذاته: “الجزائر قامت بهذه الخطوة بدون أي شرط ولم تنتظر أي مقابل من أحد”.

وفي سنة 2023، وأمام الاكتساح المغربي للاتحاد الإفريقي، عادت الجارة الشرقية إلى لغة المال، حيث أعلنت عن تقديم مليار دولار كمساعدات للدول الإفريقية، وعلى هذا الأساس، صرح الرئيس الجزائري بأن أول الدول التي ستستفيد من المليار دولار هي دولة مالي، ودول الساحل، التي تتشارك في الحدود مع الجزائر، ومنها النيجر إلى جانب باقي الدول التي أرادت الجارة الشرقية الحفاظ عليها، ويتعلق الأمر بموريتانيا وغينيا والكونغو والبنين وتانزانيا.

ومنذ إعلان الجزائر عن هذه المنحة المالية، لم يلاحظ أي اندماج من طرف هذه الدول في المبادرة الجزائرية، وأول هذه الدول التي فشلت الأموال في استدراجها هي مالي، حيث دخلت العلاقات بينها وبين الجارة الشرقية في نفق ضيق.. فبعد ما سمته باماكو بـ”الاجتماعات المتكررة التي تعقد في الجزائر على أعلى المستويات دون أدنى علم أو تدخل من السلطات المالية”، من جهة، مع أشخاص معروفين بعدائهم للحكومة المالية، ومن جهة أخرى، مع بعض الحركات الموقعة على “اتفاق 2015″، والتي اختارت “المعسكر الإرهابي”، إلى جانب استقبال الرئيس عبد المجيد تبون في الجزائر العاصمة، الإمام محمود ديكو، وهو شخصية دينية وسياسية مالية بارزة، ومن القلائل الذين تجرأوا على التعبير علنا عن اختلافه مع المجلس العسكري الحاكم منذ شهر غشت 2020.. يومها أعلنت مالي عن استدعاء سفيرها لدى الجزائر للتشاور، كما استدعت الجزائر سفيرها للتشاور، وكان ذلك إيذانا بدخول العلاقات بين البلدين في نفق ضيق.

وإلى جانب أزمة مالي مع الجزائر، برزت منذ أكتوبر 2023 أزمة بين الجارة الشرقية والنيجر، بعد الانقلاب العسكري في النيجر مباشرة، حيث اقترحت الجزائر التوسط بين الفرقاء النيجريين من أجل إقامة فترة انتقالية، وقد تبع ذلك إعلان وزارة الخارجية الجزائرية أن “قادة الانقلاب في النيجر أرسلوا إلى الحكومة الجزائرية مراسلة رسمية تفيد بقبول الوساطة الجزائرية الرامية إلى بلورة حل سياسي للأزمة القائمة في هذا البلد الشقيق”، وكانت المفاجأة رد وزارة الخارجية النيجرية بأن “نيامي لم توافق على مهلة الأشهر الستة المقترحة في المبادرة الجزائرية، وأنها فوجئت ببيان الخارجية الجزائرية الذي يتضمن موافقتها على المبادرة المذكورة”..

كان الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء، بمثابة مبادرة أطلسية أطلقها المغرب لتسهيل وصول بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي، وهي مبادرة اقتصادية تسعى المملكة من خلالها إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة، وبعد شهر فقط على الخطاب الملكي، احتضنت مدينة مراكش أشغال اجتماع وزاري للتنسيق بشأن المبادرة الملكية بمشاركة مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد، بمشاركة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بمالي، عبدو اللاي ديوب، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون والنيجريين بالخارج، باكاري ياو سانغاري، ووزيرة الشؤون الخارجية والتعاون الإقليمي والبوركينابيين بالخارج، كاراموكو جان ماري تراوري، وكذا المدير العام لإفريقيا والاندماج الإفريقي بوزارة الشؤون الخارجية والتشاديين بالخارج والتعاون الدولي، أبكار كورما، وبعد ذلك، أعلنت موريتانيا عن انضمامها إلى هذه المبادرة.

وكرد فعل على ذلك، قررت الجزائر وقف قروض تمنح لدول إفريقية، وفق ما أعلن في الجريدة الرسمية للدولة، وإرجاع الأموال المخصصة إلى خزينة الدولة دون تقديم مزيد من التفاصيل أو توضيح أسباب القرار، وشملت القائمة التي نشرت، دولا أغلبها شاركت في المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتسهيل وصول بلدان الساحل للمحيط الأطلسي، وجاء في الجريدة الرسمية أن غلق حسابات قروض الدول الأجنبية يشمل: موريتانيا، مالي، غينيا، النيجر، الكونغو الشعبية، ثم تانزانيا، والبنين، وهي نفس الدول التي أعلنت الجزائر إعفاءها من تأدية الديون خلال سنة 2013.

يومها، تمت قراءة القرار الجزائري بأنه يشكل نهاية اعتماد الجزائر على المال والإنفاق بسخاء على الدول الإفريقية من أجل الحفاظ على نفوذها في القارة، وأنها في طور الأفول وبداية عهد جديد.. إلا أن المفاجأة ظهرت مع بداية سنة 2025، من خلال التقارب الجزائري الأمريكي، وأيضا نجاحها في خطف منصب نائب المفوضية الإفريقية في ظل الحديث عن استعمال الأموال لتحقيق ذلك.. فهل يشكل هذا “الإنجاز” بداية لمؤامرة جزائرية؟ وهل يحتم ذلك على المغرب تغيير سياسته تجاه الدول الإفريقية ؟

تعليق واحد

  1. صدور قرار طرد الجبهة الانفصالية من منظمة الوحدة الأفريقية بوجود ممثلة الجزائر في هاد المنصب ستكون اكبر صفعة يتلقاها نظام العسكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى