المنبر الحر | تفسخ الأسر والشرخ الاجتماعي في المجتمع


في ظل التحولات السريعة التي يشهدها مجتمعنا المعاصر، تبرز قضية “تفسخ الأسر” كأحد أبرز التحديات التي تهدد نسيجنا الاجتماعي، فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التفسخ؟ وما هي انعكاساته على القيم المجتمعية ؟
أسباب التفسخ الأسري مرتبطة أساسا بالتغيرات الثقافية، حيث شهدت المجتمعات العربية، بما فيها المغرب، تحولات ثقافية جذرية نتيجة الانفتاح على الثقافات الأخرى عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.. هذا الانفتاح أدى إلى تبني بعض السلوكيات والقيم الدخيلة التي لا تتماشى مع تقاليدنا، مما أثر سلبا على تماسك الأسرة، وكذا التفكك الأسري المرتبط بارتفاع معدلات الطلاق والخلافات الأسرية التي تؤدي إلى تفكك الأسرة، مما ينعكس سلبا على تنشئة الأطفال وينهش قيم التضامن والتكافل.
كذلك نذكر أنه هناك ضعفا في التواصل، وهذا ما يتجلى في انشغال الأفراد بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الذي قلل من فرص التواصل الحقيقي بين أفراد الأسرة، مما أدى إلى فجوات في الفهم والتفاهم بينهم.
وتكون انعكاسات التفسخ الأسري على القيم المجتمعية جد وخيمة، منها اندثار القيم مع تراجع دور الأسرة كحاضنة للقيم والأخلاق، ذلك أننا نشهد تآكلا في منظومة القيم المجتمعية، مثل الاحترام، والتعاون، والمسؤولية.
وكذا انتشار الظواهر السلبية، فضعف الرقابة الأسرية يؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة والانحراف وتعاطي المخدرات بين الشباب، هذا بالإضافة إلى تراجع الأداء التعليمي، حيث يؤثر التفكك الأسري سلبا على التحصيل الدراسي لدى الأبناء، نظرا لغياب الدعم والتوجيه من الوالدين.
وتبقى من سبل المواجهة في تعزيز دور الأسرة، أن يجب إعادة الاعتبار لدور الأسرة في التنشئة الاجتماعية، من خلال تعزيز قيم الحوار والتفاهم بين أفرادها، والتربية على القيم، إذ ينبغي إدماج برامج تعليمية وتوعوية تُركز على القيم والأخلاق في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام.
كما يجب دعم الاستقرار الأسري بتقديم الدعم المادي والمعنوي للأسر المحتاجة، وتوفير خدمات الإرشاد الأسري للحد من حالات الطلاق والتفكك.
في مواجهة ظاهرة تفكك الأسرة في المجتمع المغربي، تلعب المدرسة والمجتمع دورا تكامليا وحيويا في التخفيف من حدتها وتعزيز تماسك النسيج الاجتماعي، فالمدرسة، باعتبارها مؤسسة تربوية، لا تقتصر مهمتها على التعليم الأكاديمي فحسب، بل تمتد إلى غرس القيم الأخلاقية والاجتماعية في نفوس الناشئة، ومن خلال مناهج تعليمية تُركز على التربية على القيم، يمكن للمدرسة أن تعزز مبادئ الاحترام والتعاون، والمسؤولية بين الطلاب، مما ينعكس إيجابا على سلوكياتهم داخل أسرهم.
ومن جهة أخرى، يسهم المجتمع بمؤسساته المدنية والدينية والإعلامية في دعم الاستقرار الأسري، فعن طريق تنظيم حملات توعوية إرشادية وندوات تثقيفية تُبرز أهمية الأسرة ودورها المحوري في بناء المجتمع، يمكن تعزيز الوعي الجماعي بأهمية التماسك الأسري، كما أن توفير منصات للحوار المجتمعي يُتيح للأفراد مناقشة التحديات الأسرية وإيجاد حلول مشتركة لها.
إن تظافر جهود المدرسة والمجتمع يشكل درعا واقيا يحمي الأسرة المغربية من التفكك، ويعزز من قدرتها على مواجهة التحديات المعاصرة، مما يضمن استمرارية قيمنا الأصيلة وانتقالها بسلاسة إلى الأجيال القادمة.
وفي الختام، يعد تفسخ الأسر تحديا حقيقيا يستوجب تظافر جهود المجتمع بأسره، بدء من الفرد وصولا إلى المؤسسات الحكومية والمدنية، للحفاظ على تماسكنا الاجتماعي وقيمنا الأصيلة.



