متابعات | مشروع تعديل مدونة الأسرة بين مقتضيات الشرع والاتفاقيات الدولية
هل تم ظلم الرجل ؟

إعداد: خالد الغازي
يرى بعض المختصين في الدراسات الإسلامية والباحثين في الشأن الديني والمذهب المالكي، أن اجتهادات المجلس الأعلى العلمي، والتي طرحت مؤخرا كتعديلات لمدونة الأسرة، جاءت مخالفة جملة وتفصيلا لمشهور المذهب المالكي، الذي تتبعه المملكة في كل ما يتعلق بالفقه والتفسير والاجتهاد والقياس، حيث أن أي حديث أو مسألة فقهية لم يأخذ بها فقهاء المذهب المالكي فلا يعمل بها، لأن “الحديث لا نبني عليه فتوى فقهية ولو كان صحيحا حتى نجده قد عمل به الفقهاء والأئمة المجتهدون” المنتمون للفقه المالكي، حيث أصبح مفروضا على المجلس أن يفسر للمغاربة المرجعية والأدلة الشرعية التي استند إليها في الاستجابة للتعديلات أو التحفظ بشأنها، حتى تتضح الرؤية لكافة الناس حول المنهجية التي سلكها المجلس في تنزيل هذه القرارات مرفقة بتوضيحات مفصلة ومدققة لكل حالة.
وقد جاءت تعديلات مدونة الأسرة – حسب العديد من المراقبين والمتتبعين – صادمة، خصوصا الرجال، من ناحية الواجبات والالتزامات المفروضة على الأزواج، مركزة على الماديات والممتلكات على غرار: تسديد الصداق، النفقة على البيت، بيت الزوجية، اقتسام الممتلكات والثروة، تحويل الأشغال المنزلية إلى وظيفة مؤدى عنها رغم أن هناك خادمات للبيوت عند النساء، تعويض المتعة، تعويض طلاق الشقاق للمرأة.. وهذه الشروط كلها على عاتق الرجال، دون تدوين أو فرض أي واجبات على الطرف الآخر في إطار المسؤولية المشتركة على الأسرة، سواء في النفقات، أو العودة لبيت الزوجية، أو الحفاظ على الأسرة لمصلحة الأبناء.

في هذا السياق، يقول أحمد كافي، أستاذ التعليم العالي في شعبة الدراسات الإسلامية، أن تفاعل المجتمع المغربي مع التعديلات التي لا تزال لحد الآن مقترحات، لإبداء الرأي فيها وتجويدها وضبطها، أو حتى إلغاء ما يظهر أن المجتمع المغربي غير قابل لها، يرجع لكون المجتمع معني بنفسه بأسرته، وبالتالي، نحن لا نتضايق من هذا الأمر، بل نعتز به ونفرح له أن يكون الشعب المغربي بهذا الوعي الذي يعبر عما يهمه، سواء اتفقنا أو اختلفنا، لكنه يعبر عن رأيه، لذلك ينبغي الإنصات لآراء الرأي العام، والملك في البلاغ الذي صدر عقب اللقاء مع رئيس الحكومة ووزير العدل ووزير الأوقاف، ذكر هذا الأمر بوجوب الخروج إلى المجتمع وإخبار الرأي العام وإشراكه في هذه الأمور.
وأوضح كافي أن الإشكال المطروح هو أنه ليس لدينا تفسير لهذه المقترحات التي تم قبولها أو حتى التي تم رفضها من قبل المجلس العلمي الأعلى أو من طرف وزارة العدل، وإنما لدينا عناوين وهذا غير معقول، حيث ينبغي لمن اقترح شيئا أن يوضحه للناس، حتى إذا لم يكونوا مقتنعين، ربما يكون توضيحهم سبيلا للاقتناع، وبالتالي، نحن لا زلنا ننتظر الأسس التي اعتمد عليها هؤلاء في هذه القضية أو تلك، وأن يذكروا المبررات، سواء الشرعية أو القانونية حتى تكون عندنا ثقافة المشاركة عن وعي”.
وأكد كافي أن هناك أمورا مقبولة وأخرى غير مقبولة من الناحية الشرعية، من بينها “تثمين العمل المنزلي وهذا خراب الديار، لأنه إذا كان سيعطى ثمن لهذه الزوجة على عملها داخل المنزل، فلماذا ينفق الرجل إذن ويتولى مجموعة من الالتزامات المادية التي يفرضها عليه القانون وبعضها تفرضها العادات والتقاليد والمجتمع، الذي يفرض على الرجل أن يعتني بزوجته وأن يشتري لها الذهب وأن يوفر لها قسطا من المال للذهاب إلى الفرح أو المناسبات العائلية، أو لاقتناء الحاجيات الخاصة بها، ومجموعة من الأمور التي يفرضها المجتمع على هذا الرجل، متسائلا هل نريد مدونة الأسرة أم مدونة الزوجة ؟
واعتبر نفس المتحدث أن من يتحدثون عن المرأة يكذبون على المجتمع المغربي، فجميع هذه الاقتراحات لم تراع فيها المرأة كأم، وكأخت، وابنة، وهكذا فجميع النساء المذكورات في كتاب المواريث لم تراع هذه الاقتراحات وضعيتهم، وإنما راعت جهة واحدة هي الزوجة، والأمر الآخر المثير للجدل والغير مقبول في هذه التعديلات، هو فرض المتعة على الرجل عند التطليق، وهذا ظلم آخر، لأن المرأة يمكن أن تكون مظلومة فيه أو ظالمة، وإذا كانت ظالمة فبأي حق تهدم البيت والأسرة ثم تكافأ على ذلك بأن تعطى لها المتعة، مبرزا أن القرار الذي اتخذه المجلس الأعلى منذ سنوات والذي صحح فيه وضعية المتعة، بأنها ليست واجبة لزوما على الزوج في كل حال، وإنما ترك الأمر للقضاء أن ينظر في المتسبب في الضرر، فإذا كان المتسبب هو الزوج فعليه تحمل المسؤولية ويعطي هذه المتعة، لكن إذا كانت المرأة هي الظالمة فليس من حقها هذه المتعة.
الأمر الذي لم أقبله بدوري وتحدث فيه المغاربة، وهو إعطاء الحضانة للأم إذا تزوجت بإطلاق، ما معنى أن تتزوج هذه المرأة وتكون عند زوج آخر ثم يعطى لها الأبناء والنفقة وعند هذا الزوج، فهذا غير معقول، لأنه إذا تزوجت المرأة إما الاقتصار على ما هو موجود في مدونة الأسرة الحالية، وهو أن يسحب الأمر من المرأة المتزوجة إلى الرجل، لأن هؤلاء هم أبناءه، وإما أن تعطى السلطة التقديرية للقضاء لكي ينظر في الزواج الجديد، عند هذه المرأة الحاضنة ما هي المصلحة الفضلى للطفل، سواء معها أو يعود إلى أبيه، أما الاستشارات، فقد تم الاستماع إلى الهيئات والمؤسسات والشخصيات والأفراد، ولكن الأمر يتطلب توظيف جميع وسائل الإعلام ومشاركة جميع الخبراء والمتخصصين لتوضيح الأمور للمغاربة، وإدخال الطمأنينة عليهم حتى تكون هذه القوانين التي سيحكم بها في أسرهم محل إجماع.

من جهته، يقول لحسن بن إبراهيم السكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة تمارة-الصخيرات، أن المدونة لم تصدر بعد وإنما الذي تم الحديث عنه هو التعديلات التي تم اقتراحها من طرف المتدخلين الذين أبدوا آراءهم في كثير من المشاكل التي تتخبط فيها الأسرة المغربية، والتي طرحت إشكالات لم يجدوا لها حلا في مدونة الأسرة لسنة 2004، معتبرا أن الكلام عن المدونة قبل صدورها مكتوبة هو من باب الحديث عن شيء لا وجود له لحد الآن، وسننتظر جميعا أهل الاختصاص من رجال القانون وفقهاء الشريعة حتى يصدروا المدونة مكتوبة.
وأضاف نفس المتحدث، أن هذه المقترحات رفعت إلى الملك لإعطاء حكمه فيها، وأبدت الهيئة العلمية للإفتاء رأيها في هذه المسائل ووافقت على جلها إلا ما كان من ثلاث مقترحات تم رفضها لأنها تخالف النصوص القطعية، وهي إثبات النسب من خلال الخبرة الطبية ADN، التعصيب باعتباره من طرق التوارث، التوارث بين المسلم وغير المسلم، وأوضح أن الهيئة قدمت اقتراحات بديلة في هذه المسائل الثلاث، منها إلحاق النسب، إذ تم اقتراح أن يعطي الأب البيولوجي (في حالة إقراره أو ثبوت أبوته بالشهود مثلا) تعويضا لصالح الابن يؤمن له حياة كريمة، أما بالنسبة للتعصيب، فقد تم اقتراح أن تبقى المرأة في بيت زوجها المتوفى إلى أن تتزوج أو يتوفاها الله، ويعود البيت إلى ورثة الزوج المتوفى بعد ذلك (أبناؤه أو أبوه أو إخوته)، أما بالنسبة للتوارث بين الزوج المسلم وزوجته غير المسلمة، فقد اقترحت الهيئة الهبة أو الوصية للزوجة، فيما المقترحات الأخرى المتعلقة بالحضانة والولاية باعتبارها نوازل مجتمعية، فقد استند فيها العلماء إلى ما يحقق مصلحة الأسرة زوجا أو زوجة أو أبناء.
وأكد السكنفل أن مصادر التشريع في الإسلام هي القرآن والسنة وإجماع العلماء المستند إليهما، والاجتهاد المستحضر لمقاصد الشريعة التي استنبطها العلماء من الأدلة الكلية، فلا خوف على الإسلام في بلادنا ما دام هناك قرآن محفوظ في الصدور مكتوب في السطور يتلى أناء الليل وأطراف النهار في المساجد والمدارس، وسنة نبوية تركنا عليها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة نبوية عطرة يقتدى بها.
وتطرح التعديلات التي جاءت بها مدونة الأسرة العديد من الأسئلة والغموض لدى المغاربة، بخصوص أي علاقة تربط هذه المقترحات والتعديلات القانونية الجديدة بالاتفاقيات الدولية، لاسيما وأن المغرب سبق أن رفع التحفظات عن مجموعة من المواد لدى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة بـ”سيداو” التابعة للأمم المتحدة.
في هذا السياق، سجل حزب العدالة والتنمية مجموعة من الملاحظات، من بينها تحول الأسرة إلى شركة تجارية مبنية على المحاسبة، وإخراج سكن الزوجية في التركة، مما قد ينجم عنه إخلال بحقوق الورثة إذا كان السكن هو التركة الوحيدة وذو قيمة كبيرة، الجمع بين ديون الزوجين عوض مبدأ استقلالية الذمة المالية، واعتبار العمل المنزلي مساهمة في تنمية الثروة المكتسبة، مما يحول الأسر إلى مكان للحسابات والنزاعات، ثم إلغاء مسطرة الصلح في حالة الطلاق الاتفاقي، منح الحضانة للأم المطلقة بعد زواجها مما يضر بحقوق الأب، والنيابة القانونية المشتركة مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل في حالة الاختلاف، وإجبارية رأي الزوجة في التعدد أثناء توثيق الزواج.
واعتبر الحزب أن هناك اختصاصات تتجاوز وزير العدل وطريقة تدبيره، والذي يسهر على الصياغة التشريعية لهذه المقترحات والمراجعة الخاصة بمدونة الأسرة، داعيا المجلس العلمي الأعلى والعلماء إلى ضرورة الانخراط في هذا الورش بالشرح والتفسير والبيان لرفع كل لبس وضمان انخراط المجتمع وتعزيز ثقته والمساهمة في نجاح هذا الورش المجتمعي.
وحسب توصيات اتفاقية “سيداو”، التي وقع المغرب على بعض موادها، فإن مجموعة من المواد التي جاءت فيها تتطابق مع التعديلات المقترحة في مدونة الأسرة التي جاء بها المجلس العلمي الأعلى ووزارة العدل، والتي تخالف العديد من النقاط في الشريعة الإسلامية، مما يطرح الكثير من التساؤلات حول مواد الاتفاقية الأممية والتي توصي بتغيير القوانين والوطنية لكي تتلاءم معها.
تعديلات مدونة الأسرة التي تشبه الاتفاقية:
• تحديد أهلية الزواج بالنسبة للفتى والفتاة في 18 سنة شمسية كاملة، مع وضع استثناء للقاعدة المذكورة، يحدد فيها سن القاصر في 17 سنة، مع تأطيره بعدة شروط تضمن بقاءه، عند التطبيق، في دائرة الاستثناء.
• تأطير جديد لتدبير الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، مع تثمين عمل الزوجة داخل المنزل واعتباره مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال قيام العلاقة الزوجية.
• عدم سقوط حضانة الأم المطلقة على أبنائها بالرغم من زواجها.
• جعل “النيابة القانونية” مشتركة بين الزوجين في حال قيام العلاقة الزوجية وبعد انفصامها، وفي الحالات التي لا يتأتى فيها الاتفاق بين الزوجين، على أعمال النيابة القانونية المشتركة.
مواد اتفاقية “سيداو” التي تتطابق مع التعديلات:
• المادة 2 (و): اتخاذ التدابير المناسبة بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة، التي تشكل تمييزا ضد المرأة.
• المادة 3: تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لكافلة تطور المرأة وتقدمها الكاملين، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل.
• المادة 16: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وتضمن على أساس تساوي الرجل والمرأة (أ) نفس الحق في عقد الزواج (ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه (منع التعدد).
• (و): نفس الحقوق والمسؤولية فيما يتعلق بالولاية، والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأنظمة المؤسسية الاجتماعية، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال تكون مصالح الأطفال هي الراجحة.
• (ز): نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة.
• (ح): نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها، وإدارتها والتمتع بها، والتصرف فيها، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض ذي قيمة.
• المادة 16-2: لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما فيها التشريع، لتحديد سن أدنى للزواج (18 سنة) لو جعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرا إلزاميا.



