تحت الأضواء | أخنوش لا يعترف باليوم العالمي لمكافحة الفساد
بين شبكة المصالح الخفية والحكومة
الرباط – الأسبوع
يظهر أن حكومة عزيز أخنوش غير مهتمة باليوم العالمي لمكافحة الفساد الذي يصادف 9 دجنبر من كل سنة أو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لأنها حكومة ليبرالية غريبة ذات مصالح اقتصادية خاصة، تهتم فقط بالمشاريع التي تنفع نخبة معينة، سواء من خلال قانون المالية أو قوانين أخرى، أو تخصيص الدعم لقطاعات تعرف الاحتكار والاستحواذ.
بالرغم من الرقم القياسي في عدد قضايا الفساد المعروضة على القضاء أو التي كشفت عنها المحاكم المالية لمجلس الأعلى للحسابات، بالإضافة إلى تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، التي كشفت فضائح ترتكب في الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة، إلا أن الحكومة لم تقم منذ تنصيبها بأي خطوة إيجابية أو إصدار قانون جديد لمكافحة الفساد، سواء عبر تشديد الرقابة على الصفقات العمومية، أو مراقبة طريقة صرف ميزانية المجالس، أو مراقبة حركة الحسابات البنكية لرؤساء المجالس والمؤسسات العمومية والمدراء..
وفي ظل الجمود الحكومي لمكافحة الفساد وغياب الإرادة السياسية لدى رئيس الحكومة والأحزاب المتحالفة معه، لإخراج القوانين المكافحة لهذه الآفة وحماية المال العام، تعالت أصوات المعارضة البرلمانية المطالبة بإعادة القوانين المكافحة للفساد التي تم سحبها من البرلمان، على رأسها قانون الإثراء غير المشروع، واحتلال الملك العمومي، والمناجم، والمقالع..
إن مسألة محاربة الفساد شبه غائبة عند الحكومة منذ أن عرض رئيسها عزيز أخنوش البرنامج الحكومي الأول في أكتوبر 2021، والذي لم يتضمن ولو إشارة واحدة أو جملة حول محاربة الفساد والرشوة، وتفعيل دور اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد وعقد اجتماعاتها باستمرار وكيفية منتظمة ورفع تقريرها إلى الملك قبل عرضه أمام البرلمان في إطار الحكامة الجيدة، لاسيما وأن الفساد مؤشر سلبي مؤثر على النمو والناتج الداخلي، بالإضافة إلى تأثيره على مناخ الاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
وما يثير الاستغراب هو رفض عزيز أخنوش، رئيس اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، عقد أي اجتماع لهذه اللجنة الدستورية، المجمدة منذ عهد رئاسة سعد الدين العثماني للحكومة، مما يطرح العديد من التساؤلات لدى الرأي العام، والهيئات المدنية المهتمة بمكافحة الفساد، رغم أن القانون ينص على ضرورة عقد اجتماعين لهذه اللجنة في السنة، قصد وضع استراتيجية لمكافحة الفساد، وسن قوانين والعمل على تطهير القطاع العام وحمايته من مظاهر الفساد والرشوة.
الملاحظ أن عملية تنزيل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد توقفت في عهد الحكومة السابقة، رغم أنها تتضمن 59 مشروعا يهم مختلف القطاعات الحكومية، كما تم تجميد آليات الحكامة والتتبع على مستوى لجنة القيادة التي يترأسها رئيس الحكومة، وتغييب المجتمع المدني، حيث أنه عند تفعيل نشاط اللجنة، حقق المغرب 41 نقطة في الفترة 2017-2020.
وليست الحكومة وحدها مسؤولة عن تغييب اليوم العالمي لمكافحة الفساد، بل الملاحظ غياب الأحزاب أيضا وعدم اهتمامها بهذا اليوم لتؤكد انخراطها في مكافحة الفساد، خاصة وأن الكثير من القضايا والملفات المعروضة اليوم على القضاء يتابع فيها منتخبون كبار وبرلمانيون وسياسيون ورؤساء جماعات ومجالس منتخبة.. تضع هذه الأحزاب في قفص الاتهام، لكونها مسؤولة عن استقطاب وتزكية هؤلاء المنتخبين المتابعين أمام محاكم جرائم الأموال وفي قضايا فساد ونهب المال العام والمخدرات.
في هذا السياق، يقول الناشط صفي الدين البودالي، عضو المكتب التنفيذي للجمعية المغربية لحماية المال العام، أن اليوم العالمي لمكافحة الفساد جاء بناء على قرار أممي، حيث قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2003 أن يتم استحضار يوم عالمي فيما يتعلق بالفساد والرشوة، ومن المعلوم أن المغرب من الموقعين على اتفاقية مكافحة الفساد والرشوة، وبناء عليه، تأسست الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلا أن الملاحظ هو غياب تام لمظاهر استحضار هذا اليوم من طرف الحكومة المغربية التي من واجبها أن تبين للرأي العام الوطني وأيضا الدولي أين وصلت الحكومة في مكافحة الفساد ومظاهر الرشوة ونهب المال العام، وقال البودالي: “كان على الحكومة انطلاقا من مسؤوليتها، أن تتقدم بتقرير للرأي العام عن هذا الموضوع في اليوم العالمي لمكافحة الفساد والرشوة، لكن هذا الغياب يعني أن الحكومة ليست لها قناعة ولا رغبة ولا أي مبادرة من أجل التصدي للفساد، والدليل على ذلك غضبها على رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بشير الراشدي، بعدما أصدر تقريرا وأدلى بخطورة الفساد على البلاد، حيث بين أن الفساد يستنزف مئات الملايير بجميع أنواعه: الفساد الإداري، السياسي، المالي، والأخلاقي.. لكن جاء رد الناطق باسم الحكومة عنيفا في حق رئيس الهيئة وكأنه خارج الحكومة وخارج الوطن ولم يكن معينا من طرف الملك على رأس مؤسسة دستورية”.
وأضاف البودالي، أن المجتمع المدني أيضا لم يهتم باليوم العالمي لمكافحة الفساد، لكون هذا الموضوع يوجد خارج ثقافة المجتمع المدني باستثناء الجمعية المغربية لحماية المال العام، وسبق أن قمنا بوقفة احتجاجية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد أمام البرلمان وأصدرنا بلاغات بهذا الخصوص، في انتظار تفاعل الحكومة، واليوم، نسجل قلقنا تجاه الصمت الرسمي الحكومي، لاسيما وأن هناك قضايا فساد مطروحة على أنظار الحكومة، من متابعات قضائية في حق منتخبين وبرلمانيين ورؤساء جماعات، مما يبرز أن “الحكومة تسعى للتطبيع مع الفساد”، الذي يؤثر على المناخ العام للاستثمار وثقة المستثمرين، معتبرا أن غياب المجتمع المدني عن الاهتمام باليوم العالمي، سببه الإعلام الرسمي الذي يحاول تغييب القضايا، وأيضا بعض الهيئات السياسية التي تقوم بتمييع المشهد السياسي، وتبين أنه ليس هناك فسادا وإنما هناك حسابات ورسائل كيدية، حيث أن الأحزاب تحاول أن تبرئ نفسها من المنتسبين إليها المتابعين أمام القضاء في مثل هذه القضايا، الشيء الذي يجعل المشهد السياسي والإعلامي يغض الطرف عن اليوم العالمي لمكافحة الفساد، ويغض الطرف عما يجري من متابعات في قضايا مهمة.
وكان تقرير لمنظمة الشفافية الدولية قد كشف أن المغرب تراجع كثيرا في مؤشر إدراك الفساد إلى الرتبة 97 عالميا من أصل 180 دولة، حاصلا على معدل 38/100، ليفقد 5 نقاط من رصيده بعدما وصل سنة 2018 إلى 43 نقطة.
وأكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، أن مجموعة الدول التي وضعت الوقاية من الفساد ومكافحته على رأس أولوياتها، استطاعت الارتقاء بترتيبها إلى مستويات متقدمة، مشيرة إلى أن الفساد يأتي في المرتبة السابعة ضمن المشاكل التي يواجهها المغرب، والتي يجب على الحكومة أن تعالجها.



