تحقيقات أسبوعية

متابعات | هل يعجل التصالح المغربي الفرنسي بحل لغز قضية بنبركة والمانوزي ؟

شكلت عودة العلاقات المغربية الفرنسية بداية مرحلة جديدة للتعاون الثنائي بين البلدين، في المجال الاقتصادي والسياسي وغيرهما، لكن يبقى الجانب الحقوقي وقضية المهدي بنبركة تطارد العلاقات الفرنسية المغربية، لاسيما مسؤولية الدولة الفرنسية في التورط في قضية اختفاء زعيم الاتحاديين والسياسيين المغاربة فوق التراب الفرنسي.

وقد قررت فرنسا فتح الأرشيف القديم لتزويد المغرب بالعديد من الوثائق، الأمر الذي دفع بعض الأصوات الحقوقية إلى دعوة فرنسا والمغرب إلى الكشف عن أرشيف الانتهاكات الحقوقية ومنها بالأساس قضية المهدي بنبركة، وملفات حقوقية أخرى للعديد من المختطفين وضحايا “الاختفاء القسري” خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

الرباط. الأسبوع

تتمة المقال تحت الإعلان

    قضية النقابي الحسين المانوزي تشبه إلى حد كبير قضية “الشهيد” المهدي بنبركة الذي لا زالت قضيته تطارد الدولة الفرنسية، وقد كان القاسم المشترك بين الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة والحسين المانوزي هو النضال السياسي والنقابي، واختطافهما في نفس التاريخ 29 أكتوبر بفارق 7 سنوات فقط، حيث تم اختطاف المانوزي يوم 29 أكتوبر 1972 بتونس، بينما اختطف بنبركة في باريس يوم 29 أكتوبر 1965 خلال فترة إقامته بفرنسا، تحت أعين المخابرات الفرنسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

بالرغم من مراسلات ومناشدات عائلة المانوزي لعدة مؤسسات حقوقية، وطنية وتونسية ودولية، قصد الكشف عن سر اختفاء الحسين الذي كان شابا مناضلا قويا أيام نضالات الحركة الطلابية والحركة النقابية بعد الاستقلال، للمطالبة بالحريات الحقوق المدنية والدستورية في ظل “سياسة القمع” التي كانت مفروضة على اليساريين والاتحاديين والنقابيين وجميع المكونات السياسية آنذاك.

فقضية الحسين المانوزي عجزت عن حل لغزها هيئة “الإنصاف والمصالحة” خلال عهد الراحل إدريس بنزكري، باعتباره ضحية اختطاف من فوق أرض تونس في أكتوبر 1972، حيث مرت 52 سنة على اختطافه رغم صدور توصيات حقوقية لتسوية ملفات “الاختفاء القسري”، إلا أن الحقيقة لازالت ضائعة في هذا الملف إلى جانب ملف المهدي بنبركة، وآخرين ضحايا “زمن سنوات الرصاص”.

بدأ الحسين المانوزي مساره النضالي وسط عائلة وطنية منتمية للحركة الوطنية، حيث انخرط في النشاط النقابي منذ تخرجه من مدرسة الطيران بالدار البيضاء واشتغاله في شركة الخطوط الملكية الجوية سنة 1964، لكنه تعرض للطرد بسبب نشاطه النقابي، ليقرر الهجرة إلى بلجيكا لمتابعة دراسته والعمل في شركة للطيران، ومواصلة نشاطه السياسي والنقابي ضمن أفراد الجالية المغربية في أوروبا، أملا في حصول انفراج سياسي واجتماعي في المغرب خلال الستينيات، خاصة بعدما صدر في حقه حكم بالإعدام غيابيا، بعد توقيف مجموعة من النشطاء وأقربائه.

في بداية السبعينيات، قرر الحسين المانوزي الانتقال من بلجيكا إلى ليبيا، للعمل ضمن الشركة الليبية للطيران، مع مواصلة نشاطه السياسي والنقابي مع النشطاء المغاربة في طرابلس والخارج، وساهم في إعداد برنامج إذاعي كانت تشرف عليه المعارضة المغربية بالخارج تحت اسم “صوت الجماهير”، وفي 29 أكتوبر 1972، قرر الذهاب في سياحة إلى تونس لقضاء عطلته السنوية، وبمجرد وصوله أرسل برقية إلى رفاقه في طرابلس يخبرهم بوصوله بسلام إلى العاصمة التونسية في آخر اتصال له معهم، عقب ذلك، انقطعت كل الأخبار عن الحسين ولم يعرف أحد مصيره وماذا حل به في تونس، ليقوم شقيقه رشيد المقيم في أوروبا، بإصدار بيان للرأي العام حول اختفاء الحسين، وتجندت العائلة للبحث عنه، والغريب أن رفاق الحسين في ليبيا اكتشفوا اختفاء شخص آخر مغربي يقيم في طرابلس يدعى إدريس عضمون، مقاول كانت تربطه علاقة بالحسين وكان على علم بسفره إلى تونس، ليكتشف أصدقاؤه بعد ذلك أنه عميل للمخابرات المغربية، وهو من نفذ عملية استدراج المانوزي إلى تونس قصد اختطافه، حيث تأكدت العائلة أن الحسين تعرض للاختطاف خارج المغرب، مما دفع والده الحاج علي، إلى طرق جميع الأبواب لدى السلطات القضائية والأمنية المغربية لمعرفة مصير ابنه، لكن السلطات ظلت تنكر أي علاقة لها بمصير الحسين.

كما وجهت العائلة رسالة إلى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، قصد معرفة مصير الحسين، مطالبة بفتح تحقيق في تونس حول الظروف والملابسات التي أدت إلى اختفاء واختطاف ابنها بمجرد وصوله إلى مطار قرطاج بالعاصمة تونس يوم 29 أكتوبر 1972.

بالرغم من إنكار السلطات المغربية أي وجود للحسين المانوزي في مراكز الاعتقال أو السجون، وعدم معرفتها بمصيره، إلا أن الحقيقة ظهرت للعائلة يوم 12 يوليوز 1975، بعدما تمكن الحسين رفقة بعض المعتقلين من الهروب من مركز الاعتقال السري بالرباط سنة 1975، رفقة أربعة ضباط ممن شاركوا في محاولة الانقلاب الفاشلة الأولى في قصر الصخيرات (يوليوز 1971)، كل من محمد اعبابو، وأحمد مزريك، ومحمد الشلاط، وعقا حروش، بالإضافة إلى الإخوة بوريكات علي ومدحت وبايزيد.

يروي مدحت بوريكات في مذكراته قصة الهروب الفاشل من مركز الاعتقال،  بكون ((الحسين المانوزي وصل لمركز الاعتقال “ب. ف 3” رفقة معتقلين آخرين في أبريل 1974، ويوم 13 يوليوز 1975 غادرنا نحن المعتقلين الثمانية حوالي العاشرة ليلا، وبعد أن تجاوزنا السور، انطلق الكابتن الشلاط بمفرده، وعلى بعد مائة متر كان المساعد الأول “أجودان شاف” عقا، والحسين المانوزي يسيران أمامنا بسرعة تفوق سرعتنا، بقينا نحن الإخوة الثلاثة بوريكات برفقة الكولونيل محمد اعبابو وضابط الصف أحمد مريزق، الذي ساعدنا على التغلب على وضعيتنا الصحية المنحطة))، وأضاف أنه ((تعرفت على الحسين وبقية الضباط العسكريين خلال فسحة السجن المسموح بها، حيث كان يحكي لنا عن مشواره النضالي النقابي والسياسي حتى اختطافه في تونس، لقد كان ذهابه إلى تونس – كما حكى لنا – نتيجة لتواجد أصدقائه هناك، ذهب عندهم ليمضي بعض عطلته في سلام وأمان، وما إن وصل عند الناس الذين يعتبرهم أصدقاء حتى وجد نفسه بين عصابة مسلحة انقضت عليه ووضعته وهو مخدر داخل الصندوق الخلفي لسيارة “مرسيديس” ذات صفائح دبلوماسية، ثم أخذوا الطريق في اتجاه المغرب برا، وما إن وصلوا إلى الحدود المغربية حتى وجدوا سيارة أمن تنتظرهم، وقد عمل رجال الأمن الوطني على توقيفه، لأنه محكوم عليه غيابيا بالإعدام))، مؤكدا أن ((الحسين اقتيد إلى الرباط وسلم إلى الكولونيل الدليمي ومساعديه، فأخضع للتعذيب والاستنطاق لعدة أيام، قبل أن يذهبوا به إلى معتقل “ب. ف 2” دار المقري، مع أربعة عسكريين من الذين شاركوا في انقلاب الصخيرات، وظل هناك إلى شهر أبريل 1974، حيث نقل إلى مركز “ب. ف أ”)).

رغم أن قصة الحسين المانوزي تبقى غامضة ومجهولة للرأي العام الوطني، إلا أن هناك شهادات لشخصيات وطنية بارزة تشيد بنضال ووطنية الحسين، قال الفقيه محمد البصري في شهادته: ((يشكل الحسين المانوزي بالنسبة لي خلاصة معركة ابتدأت في المغرب قبل عقود وما تزال استحقاقاتها رغم ثقل التضحيات على رأس جدول أي عمل وطني، أقصد معركة التحرير والوحدة، وحدة التراب الوطني والوحدة المغاربية، بل والوحدة العربية، وتحرير الأرض والإنسان على هذه المنطقة من العالم، فالحسين المانوزي يكثف مثل هذه المعركة من كل جوانبها، فهو قبل كل شيء فصيلة أينعت من جذر أسرة عريقة في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، وعريقة في النضال من أجل أن يعطي هذا الاستقلال مدلولا بإقرار دولة المؤسسات قائمة على السيادة الشعبية، كما أن أسرة المانوزي هي التي أنجبت المناضل والمقاول المعروف سعيد المانوزي، الذي اختاره الله إلى جواره، كما أنجبت الضابط الشهيد إبراهيم المانوزي الذي تم إعدامه زورا انتقاما من وطنيته من قبل أوفقير وزبانيته فيما عرف بقضية الصخيرات 1971، واللائحة طويلة من المانوزيين أعمام وأشقاء وأقارب الحسين، الذين عانوا رجالا ونساء وأطفالا، لعدة سنوات من ويلات التعذيب في المعتقلات العلنية والسرية، ومن كل صنوف الاعتداءات خلال مرحلة مقاومة الاستعمار وخلال مرحلة مقاومة الاستبداد والحكم المطلق على حد سواء))، وأكد أن ((من حق الحسين المانوزي على المغرب أن يُكشف مصيره، لأنه أهدى كل شبابه من أجل أن يحيا المغرب حرا، والمغاربة أحرارا متمتعين بكرامتهم)).

بدوره، يروي محمد التوزاني، عضو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الستينيات، في مذكراته، قصة اختطاف الحسين المانوزي في تونس، حيث كان برفقته في طرابلس ونصحه بعدم السفر بسبب تعاون المخابرات التونسية بشكل كبير مع المخابرات المغربية، وأن الذهاب إلى هناك يشكل خطرا على حياته، لكنه كان مصمما على السفر لقضاء العطلة، وقال التوزاني: ((في اليوم الموالي، قمنا بإيصاله إلى المطار، متمنين له أن يعود بخير، وأن ينتبه لنفسه، مع مطالبته ببعث برقية حال وصوله، بعد ثلاثة أيام من سفره، لم نتوصل بأي رسالة أو خبر، ولما عاد إبراهيم أوشلح من رحلة دامت لأيام، أخبرته بسفر الشهيد الحسين المانوزي وانقطاع أخباره وبضرورة إخبار القيادة بذلك، ولم يتأخر خبر اختطافه من مطار تونس، تألمنا لذلك، وما زاد من ألمنا هو عدم استيعاب المرحوم لفحوى تحذيرنا له بعدم السفر إلى تونس)).

ظلت حكاية الحسين المانوزي تشغل الهيئات الحقوقية والجمعيات الوطنية والدولية، لكونه يعد حالة نادرة على الصعيد الإفريقي والدولي التي لا يزال مصيرها مجهولا بسبب “الاختفاء القسري”، حيث تواصل عائلته المطالبة بالكشف عن الحقيقة الكاملة حول مصيره ومعرفة قبره رغم مرور عقود طويلة، إلا أن هناك تجاهلا ورفضا من قبل الدولة ومؤسساتها للتفاعل مع طلب العائلة التي تتمسك بمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة لإنصاف الضحايا.

فقد اعترفت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في جوابها للعائلة خلال السنوات الماضية، كون لجنة المتابعة لم تتمكن من الوصول إلى معطيات جديدة تمكن من تحديد مصير الحسين، وأن الهيئة ولجنة المتابعة مقتنعة بوفاة الحسين المانوزي، مما يطرح سؤال عريضا: لماذا تخشى الدولة الكشف عن حقيقة الحسين المانوزي لعائلته، رغم أن الأمر يعود إلى زمن الدليمي وأوفقير ومسؤولين تبرأت من أفعالهم الدولة فيما بعد، بل إنها أسست هيئة “الإنصاف والمصالحة” وقررت طي جميع ملفات سنوات الرصاص وإنصاف ذوي الحقوق وأقرباء الضحايا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى