مع الحدث | خصوم التطبيع يدافعون عن حصيلة “طوفان الأقصى” بعد سنة من انطلاقه
الوجه الآخر للمجازر الإسرائيلية في فلسطين

مرت سنة على “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر 2023، والذي شكل حدثا عالميا بارزا، بعدما تم إقبار القضية الفلسطينية لعدة سنوات وتم تجميد المفاوضات وإقبار “اتفاق أوسلو”، واستمرار إسرائيل في فرض سياستها الاستعمارية وبناء المستوطنات ونزع الأراضي والمنازل في القدس من الفلسطينيين وتهجيرهم بالقوة من الأحياء العربية، والتي خلفت معركة “سيف القدس” بين المقاومة والاحتلال في سنة 2022.
الرباط. الأسبوع
كشف “طوفان الأقصى” الذي قامت به المقاومة الفلسطينية، عن أسباب لجوء المقاومة لهذا الخيار، بسبب الحصار المفروض على غزة لأكثر من 17 سنة منذ العام 2006، وسياسة الاحتلال المبنية على القمع والاغتيالات والاعتقالات في الضفة الغربية والقدس المحتلة لأكثر من سعبين سنة، إلى جانب المخطط الصهيوني الأمريكي لفرض “صفقة القرن” بعد التطبيع مع جميع البلدان العربية.
وبالرغم من المؤاخذات والانتقادات الموجهة إلى المقاومة، خصوصا في الإعلام العربي، الذي يرى أن “طوفان الأقصى” عملية غير محسوبة وغير مدروسة، إلا أن الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية والبحث فيها من قبل الشعوب الغربية جعل الحقيقية تتضح للعالم حول معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال الصهيوني وطغيانه، وأن هناك مقاومة تناضل من أجل حريتها واستقلال شعبها.
“طوفان الأقصى” فضح المنظومة الأخلاقية الغربية، حيث عجزت عن وقف الإبادة الجماعية للمدنيين الفلسطينيين، واختفاء المنظمات الحقوقية والإنسانية وزيف الديمقراطية الغربية والمواثيق الدولية والشعارات الأممية، مقابل تأييد ما تفلعه إسرائيل من مجازر وقتل في المستشفيات والمدارس وخيام النازحين، مما يكشف السقوط الأخلاقي والتناقض الغربي بين ما يحصل في أوكرانيا في حربها مع روسيا، وبين ما يجري من جرائم للاحتلال الصهيوني في غزة، كما أكد عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن القيام بأي دور لإيقاف شلالات الدم في فلسطين.
وبهذا الخصوص، يقول عبد الرحيم الشيخي، رئيس حركة “الإصلاح والتوحيد”، أن عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023، استبقت مخطط التصفية النهائية للقضية الفلسطينية وجعلت الاحتلال الصهيوني أمرا واقعا لا مفر منه عبر دعمه من مختلف الدول، مضيفا أن هذه العملية العسكرية كانت جوابا على المخططات الصهيو-أمريكية الرامية إلى إدماج الكيان الصهيوني في المنطقة وتحويلها إلى “شرق أوسط جديد”، ليس فقط سياسيا، بل حتى ثقافيا، وعزل غزة وحصارها بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك مسار وقطار التطبيع الذي أرادت من خلاله إسرائيل أن تبين أنها ليست كيانا لقيطا طارئا على منطقتنا، بل جزء من هذه المنطقة.
وأكد الشيخي أن المقاومة أجهضت كل أحلام الكيان الصهيوني وقوى الشر، وجعلتها تذهب أدراج الرياح وجعلت المشروع الصهيوني غير قادر على حماية نفسه، بعدما ضربت عصفورين بحجر واحد، أولا أوقفت سرطان التطبيع الصهيوني خلال السنوات الأخيرة، عبر هذه المواجهة الشاملة، وكشفت أيضا عن نفاق المجتمع الدولي ومؤسساته وعدد من الدول الغربية الداعمة للإرهاب الصهيوني، وعدد من الدول العربية والإسلامية المتخاذلة والمتواطئة، مشيرا إلى عجز العالم عن إيقاف سياسة الإبادة في غزة، وعن اتخاذ أي إجراءات أو عقوبات لهذا النظام الإرهابي، وأيضا فشل الأنظمة العربية في القيام بالحد الأدنى من خطوات جادة إزاء الوضع المأساوي الذي تعيشه غزة والشعب الفلسطيني في الضفة وفي كافة الأراضي المحتلة.
واعتبر الشيخي أن سياسة الاغتيالات التي تقوم بها الآلة الصهيونية بعد اغتيال إسماعيل هنية وحسن نصر الله، لن تؤتي أكلها يوما والعدو يعرف أنها لن تؤتي أكلها، لأن المقاومة فكرة عابرة للأشخاص، وللزمان والمكان، وجدوتها ظلت مشتعلة منذ سنوات وستبقى كذلك، وكل ما يقوم به الاحتلال وفق تصريحات مسؤوليه هو مجرد در الرمان في العيون والتغطية على فشله الذريع في تحقيق أهدافه المعلنة، كما أن التطبيع يراوح مكانه، متسائلا عن طبيعية العلاقة بين الكيان الصهيوني والأنظمة العربية المطبعة؟ ما الذي لا يدفع لإلغاء التطبيع وإلغاء كل الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل بعد سنة من الإبادة الجماعية والمذابح التي سقط على إثرها أزيد من 42 ألف قتيل؟ ما هي تداعيات “طوفان الأقصى” على شعوب المنطقة، وما هي التحولات المحتملة سياسيا وثقافيا التي قد يأتي بها الطوفان ؟
بدوره، اعتبر مصطفى المعتصم، أن “طوفان الأقصى” شكل صدمة للأمة العربية والإسلامية وللإنسانية، حيث من المتحمل أن نعيش بعده نفس المرحلة التي عاشتها الأمة العربية بعد خسارة حرب 67 والتي كانت لها تداعيات سياسية عميقة، خاصة في ظل وصول القضية إلى الجيل الجديد من الشباب العربي والطلبة في الغرب، حيث أصبح الجيل مهتما بالأحداث التي تحصل في غزة وفلسطين ويبحث عن أسباب عملية “طوفان الأقصى”، ويناقش الموضوع والأحداث، مشيرا إلى أن المقاومة عقل مفكر هادئ يتخذ القرارات بشكل هادئ متابع لكل مراحل المشروع الصهيوني والإمبريالي، لا يخفى عليه ما يجري على المستوى العالمي في ما يخص الصهيونية، ولا يمكن أن يغامر..
وأوضح المعتصم أن الأنظمة لا تنظر لما يحدث بشكل إيجابي، بل تتوقع أن تكون هناك تحولات تزعزع كياناتها، لأن الصدمة عادة ما توقظ، فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي كان الجميع ينتظر حقوق الإنسان والديمقراطية، لكنه اكتشف أنها شعارات مرتبطة فقط بالإنسان الغربي ومصالحه، مضيفا أن الطوفان أثر على سردية التطبيع التي تكاد تسود في الساحة الثقافية، وكشف سردية فلسطين المحتلة، حيث أن هذا التحول الثقافي على مستوى النخب والطلبة برز في مختلف دول العالم، فما يحصل في غزة كشف الحقيقة لبعض النشطاء عن زيف شعارات العلمانية الغربية التحريرية في ظل الصمت الغربي عن المجازر التي تحصل في القطاع.
وحسب المعتصم، فإن الحرب الدائرة هي حرب أمريكية ، فأمريكا هي التي تدعم إسرائيل بالأموال والسلاح للتنفيذ، خاصة بعد عودة أمريكا إلى منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا قبل السابع من أكتوبر، نظرا لأهميتها الاستراتيجية، ولأن المنطقة غنية بالبترول، خاصة وأن اللوبي القوي البترولي موجود في أمريكا، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال تواجد قواتها بالمنطقة إلى مواجهة الصين التي بدأت تلعب دورا رياديا في المنطقة في فك الحصار عن إيران من خلال إبرامها اتفاقية بـ 400 مليار دولار لمدة 24 سنة، وتحقيق التقارب بين السعودية وإيران، ونشر قواعدها العسكرية في ميناء “جواجدير” بباكستان، وميناء “شهبار” في إيران.
من جهته، يرى أحمد ويحمان، أن “طوفان الأقصى” عمل استباقي يتفق الجميع على أنه عمل غير مسبوق.. حتى معاهد العلوم العسكرية في العالم اعتبرته سابقة في التخطيط والتمثيل والتكتم والإخراج، يعني أنه عمل غير مسبوق في تجارب التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال، ولهذه العملية، التي نفذتها حركة “حماس”، اعتبارات وتداعيات استحقاقات، إذ أنه قبل “الطوفان” كانت هناك مخططات موضوعة من قبل الصهيونية والإمبريالية الغربية لأجل مصالحها في المنطقة، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ومصالح الشركات أحادية القطبية والصهيونية التوسعية منذ انهيار جدار برلين.
وتحدث ويحمان عن “صفقة القرن” وما كانت تحمله من مشاريع خطيرة على المنطقة العربية، من خلال التغيير الجغرافي والديمغرافي في فلسطين المحتلة، وترحيل سكان غزة إلى العريش في سيناء المصرية، وتأسيس دولة فلسطين الجديدة منزوعة السلاح في تراب مصر، موضحا أن “صفقة القرن” هي عبارة عن دراسة وضعها الجنرال الصهيوني غيورا آيلاند، أنجزها لفائدة مركز “بيغين للسلام”، وحاول ترامب فرضها، والتي تقول أن “حل الدولتين الذي جاء به اتفاق أوسلو لم يعد واقعيا، لأن هناك مستوطنين يسكنون في الضفة الغربية ولم يعد واقعيا إخلاؤهم”.
وأشار ويحمان إلى “مشروع الإبراهيمية” المشترك، أو “مسار إبراهيم” في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تستثمر فيه أموالا طائلة من قبل مراكز دراسات وبحوث علمية في أرقى الجامعات الأمريكية (فيرجينيا، كولومبيا، هارفارد وغيرها)، بالإضافة إلى تكتل 50 من رجال الدين من العالم الإسلامي والمسيحيين، و50 دبلوماسيا أمريكيا مرتبطين بوزارة الخارجية الأمريكية التي تبلور قرارات لصناعة القرار السياسي، معتبرا أن “طوفان الأقصى” قلب المعادلات على موجة الإبراهيمية في التطبيع، والتي كانت تسعى إلى إقبار القضية الفلسطينية في المؤتمرات الدولية، إلا أنها عادت بفعل عملية “طوفان الأقصى” إلى جدول الأعمال في عدة لقاءات وأيقظت الضمير الإنساني في العالم.



