لا يمكن الحديث عن القوى العظمى في العالم الحديث دون الحديث عن دولة “الصين الجديدة”.. فما حققته من إنجازات عملاقة مدنيا وعسكريا واجتماعيا وإداريا، كان مجرد “حلم صيني” بعد سنوات من القهر والحرمان والاستعمار.. ولكن اتباع النظام لسياسة “الإصلاح والانفتاح” بعيدا عن نموذج “التعلم من الدول الغربية”، جعل “الباندا” الصينية، التي لا تفضل السبات بخلاف باقي أنواع الدببة.. تنهض من جديد لتفرض قوتها الناعمة على العالم، إما بـ”خيوط من حرير” أو بتوازنات دبلوماسية وعسكرية كبرى، وفوق كل ذلك، فقد وصلت البلاد إلى أحد أقوى أنواع التماسك الاجتماعي، قوامه أكثر من مليار و400 مليون نسمة، خرجوا ليصدروا ثقافتهم إلى العالم منتصرين على الفقر والجهل والاستلاب المعرفي والثقافي.. وهي المعركة المتواصلة منذ زمن المؤسس ماو تسي تونغ إلى زمن الرئيس شي جين بينغ.. فيما يلي تنقلكم “الأسبوع” إلى قلب التجربة الصينية عبر هذه النافذة الأسبوعية..
إعداد: سعيد الريحاني
القضية الفلسطينية ليست قضية العرب وحدهم، وليست قضية المسلمين أو اليهود أو المسيحيين وحدهم.. إنها قضية العالم الحديث برمته، بغض النظر عن اللغة والأديان والحدود، لأنها قضية تهم مستقبل البشرية ككل(..)، والمشكل أكبر بكثير مما يتم إعلانه في الخطابات المعدة للاستهلاك الإعلامي من هذا الطرف أو ذاك(..)، لكن إذا أردت جوابا واضحا ومنطقيا حول القضية الفلسطينية، ودون مراوغة، يمكن أن تسأل الصينيين، وقد سنحت لي الفرصة في مدينة شانغهاي العملاقة بطرح “سؤال فلسطين” على سون دي قانغ، الباحث ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة “فودان” التي تأسست قبل نهاية العهد الإمبراطوري، وأكثر الجامعات العالمية حرصا وتأكيدا على معايير الولوج. يقول الباحث سون دي قانغ، في جواب يتضمن أيضا تشخيصا دقيقا للمشكلة وبشكل صريح: ((إن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة اختبار للضمير الإنساني ورمز للعدالة الدولية.. إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو الفهم المشترك للمجتمع الدولي)).
ويضيف نفس الباحث، وهو يحدد سبب عرقلة الحل: ((في الوقت الحالي، هناك عقبتان رئيسيتان أمام فلسطين لإنشاء دولة مستقلة والحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة: العقبة الأولى هي الحكومة الإسرائيلية، ويشغل حزب “الليكود” بقيادة نتنياهو وأحزاب يمينية أخرى 64 مقعدا في الكنيست.. وتعتقد هذه القوى اليمينية أن فلسطين هي أصل المشكلة وموضوع يحتاج إلى الإدارة، فإقامة دولة فلسطينية مستقلة من شأنه أن يهدد الأمن القومي الإسرائيلي.. ولذلك، أصدر البرلمان الإسرائيلي في عام 2023، قرارا يعارض إقامة دولة فلسطينية مستقلة و”حل الدولتين”.
أما العقبة الثانية، فهي حكومة الولايات المتحدة، حيث يسيطر اليهود الأمريكيون على الأنظمة السياسية والاقتصادية والمالية والإعلامية والتعليمية في الولايات المتحدة، ويؤثرون على الانتخابات الأمريكية، سواء كان المرشح الرئاسي الجمهوري أو الديمقراطي يريد أن يحكم.. حيث يجب أن يعلن دعمه لإسرائيل والدفاع عنها..)).
نفس الباحث يقول: ((منذ 7 أكتوبر 2023، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أربع قرارات بأغلبية ساحقة، تضمنت دعوة إسرائيل إلى إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ودعم فلسطين في أن تصبح عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة.. ومع ذلك، فإن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس لها سوى أهمية سياسية رمزية.. لأن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض ضد انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة في مجلس الأمن، ومرارا وتكرارا، فقد تم استبعاد فلسطين من العضوية)).

عندما يجيبك مسؤول صيني، حتى لو كان باحثا، فهذا لا يعني أنه يتحدث من وحي خياله الشخصي، فبصفته مواطنا صينيا لن يقول إلا رأيا وازنا مستنبطا من توجهات الرئيس الصيني نفسه، وقبلها، فهذا الكلام مستلهم من قرارات خضعت للدراسة والموافقة الشعبية المسبقة عبر كواليس الحزب الشيوعي الصيني وقادة المجتمع(..)، فهذه البلاد لا تسير دون حسابات مسبقة، ولا يتم إطلاق “الكلام الدبلوماسي” على عواهنه(..)، لذلك، فمن الطبيعي أن تجد أن “شجاعة” هذا الباحث في التشخيص توازيها شجاعة أخرى على مستوى تحركات وزارة الخارجية الصينية، وقد سنحت لي الفرصة لحضور اجتماع رفيع المستوى بين مسؤول كبير في الجامعة العربية، ومسؤول كبير في الدبلوماسية الصينية، وهذا الأخير قال: ((إن الصين دائما وأبدا مع فلسطين)).
لا يخفي الصينيون موقفهم المتعاطف مع القضية الفلسطينية، ويعرفون مسبقا أن هذا الأمر لا يرضي أمريكا، الراعية لإسرائيل.. لذلك تجد أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وقف دون تردد وسط الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت في ظل التطورات الأخيرة، ليقول أن ((القضية الفلسطينية هي الجرح الأكبر للضمير الإنساني في هذه اللحظة))، ويوضح بخصوص استمرار الحرب في غزة والتطورات الأخيرة في لبنان: ((إن القوة لا يمكن أن تحل محل العدالة.. إنه لا ينبغي تجاهل الطموح الذي لطالما تمسكت به فلسطين لإقامة دولة مستقلة، كما لا ينبغي تجاهل الظلم التاريخي الذي عانى منه الشعب الفلسطيني بعد الآن، ولا ينبغي أن يكون هناك أي تأخير في التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار))…
ولمن لا يعرف وانغ يي، فهو كبير الدبلوماسيين الصينيين، وقد تولى منصب وزير الخارجية أكثر من مرة في فترات مختلفة(..)، وهو باحث أيضا، ويدافع عن أفكاره بكل ثقة في مقالات ينشرها بين الفينة والأخرى عبر وسائل الإعلام، وهو من المدافعين عن إقامة “المجتمع الصيني العربي” و”المجتمع الإفريقي الصيني”، في تماه تام مع توجهات الرئيس شي جين بينغ، وتجد في مقالاته إشارات كثيرة لثمار التعاون بين الصين وبعض البلدان العربية وما نتج عنه من مآثر خالدة في العصر الحديث مثل “الهرم الجديد” في مصر، وهو مبنى في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، وأعلى مبنى في إفريقيا، والطريق السيار الذي يربط شرق الجزائر وغربها ويتجاوز طوله 1200 كيلومتر، و”استاد لوسيل” الملعب الرئيسي لكأس العالم في قطر، ولا ننسى جسر الملك محمد السادس في المغرب، وهو أكبر جسر معلق في إفريقيا..
خطوط التماس بين الصين والدول العربية، والدول الإفريقية، والقضية الفلسطينية، والعلاقات بين الشرق والغرب، والعلاقة مع دول الجنوب.. هي عبارة عن خيوط متشابكة، لكن الصين تعمل على نسج هذه العلاقات كما لو أنها تنسج الحرير، لذلك لا غرابة أن يكون أحد مشاريعها الكبرى في العالم الحديث هو “مبادرة الحزام والطريق” دون إهمال القضايا الكبرى مثل القضية الفلسطينية، بل إن الصين هي التي تزعمت في وقت سابق مبادرة المصالحة التاريخية بين الفصائل الفلسطينية نفسها، وتكلف وزير الخارجية وانغ يي بتنزيل هذه المصالحة على أرض الواقع من خلال لقائه بالفصائل الفلسطينية(..).
وأخيرا، إذا كانت تهمك الحلول العملية في القضية الفلسطينية، يمكنك الاطلاع مباشرة على رؤية الرئيس شي جين بينغ، لحل القضية، والقضية حسب رأيه يمكن حلها من خلال ثلاثة نقط:
– أولا: يكمن الحل الأساسي للقضية في إقامة دولة فلسطين المستقلة التي تتمتع بسيادة كاملة على أساس حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية؛
– ثانيا: يتعين تلبية الحاجات الاقتصادية والمعيشية لفلسطين، ويحتاج المجتمع الدولي إلى تكثيف المساعدات الإنمائية والإنسانية لفلسطين؛
– ثالثا: الحفاظ على الاتجاه الصحيح لمحادثات السلام.. ويتعين احترام الوضع التاريخي الراهن للأماكن المقدسة في القدس، كما يتعين تجنب الأقوال والأفعال المفرطة والاستفزازية.
وأخيرا، يصر الرئيس الصيني، في كل مرة عندما يخاطب العالم، من أي منصة، على تجديد دعوته إلى عقد “مؤتمر سلام دولي واسع النطاق وأكثر موثوقية وتأثيرا من أجل تهيئة الظروف لاستئناف محادثات السلام والإسهام بجهود ملموسة لمساعدة فلسطين”.



