المنبر الحر | التجربة الديمقراطية المغربية ومواقع التواصل الاجتماعي


لطالما اعتُبر المغرب نموذجا متفردا للديمقراطية في العالم العربي وإفريقيا.. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش في عام 1999، قاد العديد من الإصلاحات السياسية والدستورية التي تهدف إلى تحديث الدولة وتوسيع المشاركة الديمقراطية، ومن المؤشرات البارزة على صحة الأجواء الديمقراطية في المغرب، ارتفاع عدد الاحتجاجات التي امتدت إلى قطاعات مختلفة كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والوظيفة العمومية… إلخ، وتعكس هذه الاحتجاجات، على الرغم من اعتبارها غالبا تحديات لديناميكية الدولة، كون المجتمع منخرط بوعي سياسي ناضج في تشكيل معالم مستقبله، وإلى جانب دور وسائل التواصل الاجتماعي والعوامل الجيوسياسية الخارجية، يقدم المشهد المتطور في المغرب مسارا ديمقراطيا معقدا، ولكنه واعد وباعث على التفاؤل.
فإذا كانت العديد من البلدان في المنطقة العربية قد عرفت زلازل سياسية خطيرة على استقرار النظام، فقد تمكن المغرب من الحفاظ على استقرار نسبي محفوف بالتردد، وذلك من خلال حزمة من الإصلاحات والحوارات مع مختلف مكونات المجتمع المدني والطيف السياسي، وقد لعب الملك محمد السادس دورا محوريا في هذا التطور، وتحت قيادته تم تقديم العديد من الإصلاحات الدستورية منذ عام 2011 استجابة لاحتجاجات الشارع في مختلف المدن إبان الربيع العربي، وعززت هذه الإصلاحات إلى حد ما فصل السلطات، واستقلالية القضاء، ووسعت من هامش الحريات، فارتفاع عدد الاحتجاجات في العقدين الأخيرين هو امتداد طبيعي لهذا المناخ الديمقراطي، وبعيدا عن كونها مؤشرا على عدم الاستقرار، فإنها تبرز دينامية متفردة في المجتمع المدني المغربي.
لقد برزت وسائل التواصل الاجتماعي كقوة ضغط هامة للغاية في رصد وتنظيم الاحتجاجات والرفع من وتيرتها، حيث وفرت منصات مثل “الفايسبوك” و”تيك توك” و”اليوتيوب”، للمواطنين الأدوات اللازمة للتنظيم وتبادل المعلومات وزيادة الوعي بقضاياهم، وسهل الاستخدام الواسع النطاق لوسائل التواصل الاجتماعي على الحركات الاحتجاجية اكتساب الزخم وللمواطنين التعبير عن آرائهم بشأن القضايا الملحة التي تشغل يومياتهم.
في الماضي، كان تنظيم الاحتجاجات يتطلب موارد مادية ومعنوية وتنسيقية كبيرة، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه العملية اليوم أكثر ديمقراطية، فمن خلال تدوينة واحدة، يمكن للحراك أن يتعبأ وينتشر في جميع أنحاء البلاد ليلفت الانتباه إلى القضايا المحلية وتحويلها إلى حوارات وطنية بناءة. على سبيل المثال، اكتسبت احتجاجات الأساتذة التي اجتاحت جل المدن المغربية في السنوات الأخيرة زخما من خلال المنشورات ومقاطع الفيديو المشتركة على هذه المنصات، حيث أمكن للمواطنين من مناطق مختلفة الاطلاع بسرعة على القضية والتعاطف والتضامن معها، مما خلق حركة أكثر وحدة وقوة.
بالمقابل، سمحت وسائل التواصل الاجتماعي بمزيد من الشفافية في كيفية تعامل الحكومة مع الاحتجاجات، ويمكن مشاركة مقاطع الفيديو التي توثق ردود فعل قوات الأمن والتدخل السريع أو الخطب التي يلقيها نشطاء الاحتجاجات في عين المكان، مما يجعل السلطات مسؤولة عن ردود أفعالها.
ورغم هذه التحديات، يظل المغرب عازما على توسيع هامش الحريات وتعزيز مؤسساته الديمقراطية، معتمدا على الدستور الذي تم اعتماده سنة 2011 كمرجعية للحقوق الأساسية مثل حرية التعبير والتجمع والصحافة بكل أسانيدها، وعلاوة على ذلك، تجدد المملكة في كل مناسبة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان كما يتضح من خلال عضويتها النشطة في مختلف المنظمات الدولية.
إن الارتفاع في عدد الاحتجاجات التي لم تعد ظاهرة شهرية أو أسبوعية، بل يومية، وبالخصوص أمام البرلمان، يعتبر بما لا يدع مجالا للشك، انعكاسا لهذا الالتزام بالحريات العامة.. فمن خلال السماح للمواطنين بالتعبير عن آرائهم علنا، تُظهِر الدولة استعدادها للمشاركة في الحوار ومعالجة القضايا المجتمعية، وقد أكد الملك محمد السادس مرارا وتكرارا على أهمية الإصلاحات الشمولية، وضمان استمرار البلاد في التقدم على مسار ديمقراطي حقيقي يحترم الخصوصية المغربية وينفتح على التحولات العالمية.
إن تصاعد عدد الاحتجاجات اليومية عبر مختلف القطاعات ليس علامة على الإخفاق الديمقراطي، بل هو شهادة على صحة الأجواء الديمقراطية في البلاد، وبينما يطالب المواطنون بظروف عيش كريمة وعمل أفضل ومزيد من الموارد ومساءلة أكبر، فإنهم يمارسون حقوقهم الديمقراطية في بلد تبنى الإصلاح والمشاركة السياسية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، وقد عملت وسائل التواصل الاجتماعي على تعزيز هذه الحركات بشكل أكبر، مما وفر للمواطنين أدوات قوية لتقديم مطالبهم الملحة، وعلى الرغم من التحديات الخارجية التي يحبكها كل من الجزائر وجبهة البوليساريو وأعداء الوطن في الخارج، فإن المغرب سوف يظل ثابتا في التزامه بتوسيع الحريات العامة وضمان التنمية المستدامة لكل جهاته، وفي هذا السياق، تعمل الاحتجاجات كمقياس للحيوية الديمقراطية في المغرب، مما يعكس مجتمعا منخرطا بنشاط في تشكيل ملامح مستقبله الواعد.



